الجمعة، 16 فبراير 2018

تاريخنا واللغة الإنجليزية

تعلم لغة جديدة يعني إضافه فهم جديد للعالم من حولنا ، فاللغة ليست وسيلة للتواصل والاتصال مع الآخرين فقط إنما هي ثقافة وسلوك وطريقة تفكيرٍ وحضاره. اللغة الانجليزية مما لا شك فيه لغة مهمة من لغات العلم والمعرفة اليوم فمن خلالها يتعرف الإنسان على أحدث ما نُشر في الكثير من حقول المعرفة العلمية والاكاديمية. لذلك من وجهة نظري المتواضعه أن تعلمها أمر ضروري في عالمنا اليوم لكل صاحب طموح وهدف ، ولكل من يبحث عن الإنجاز كذلك. ولا يعني تعلم الانجليزية أو أي لغة أخرى انسلاخنا عن هويتنا العربية أو الإسلامية إنما يعني النظر للعالم بطريقة أخرى والقدرة على تطوير مدارك عقولنا والقراءة والبحث بلغتين بدل اللغة الواحده ومن زاد في اللغات فلا إثم عليه. 

هذا المقال لا يناقش أهمية تعلم لغة جديدة ولا يحاول اقناع القراء بتعلم لغات أخرى. الهدف الرئيسي من وراء هذا المقال كما يتضح من عنوانه تسليط الضوء على إشكالية لامستها في مجتمعنا الكويتي بشكل خاص والخليجي ،بإستثناء المملكة العربية السعودية، بشكل عام. الإشكالية تكمن في عناية بعض الباحثين الخليجيين العرب في دراسة تاريخهم وتدريسه باللغة الإنجليزيه لطلبة وطالبات من بني جلدتهم! وعندما سألت عن سبب ذلك وجدت أسباب هذه الظاهره أو لنقل مبرراتها في عذرين: (١) قوانين الجامعة تنص على تدريس هذه المواد بالانجليزيه ، (٢) بعض الطلبه (الخليجيين) لا يفهمون اللغة العربية!

بحثت في النقطة الأولى ووجدت أن الجامعات بعضها حكومي وبعضها جامعات خاصه فعلا تلزم الدكتور على تدريس التاريخ المحلي أو العربي أو الإسلامي باللغة الانجليزيه بل والله وجدت أحد الأكاديميين الخليجيين يضع تدريسه لتاريخ بلده باللغة الانجليزيه كأحد انجازاته! لا أفهم كيف تسمح حكوماتنا الخليجية على وجه العموم والحكومة الكويتية على وجه الخصوص بذلك. هل نسينا كفاح شعوبنا العربية لطرد الإستعمار من بلداننا؟ هل نسينا كيف قاومت الجزائر بمليون شهيد فرنسا وطردتها؟ هل نسينا كفاح أهل مصر وانطلاق شرارة القومية العربية منها والتي صارت في كل بيت عربي؟ هل نسينا جهود مثقفينا الأوائل في الخليج في الدفاع عن هويتنا ولغتنا وحتى تاريخنا ؟ لماذا توضع مثل هذه القوانين التي تبعدنا عن تاريخنا الحقيقي بحجة التطور والتمدن والحضاره! هل يعقل هذا بالله عليكم؟

التبرير الثاني والله هو عذر لم يصل عقلي لمبررٍ له ، ألا يكفي هؤلاء المساكين أن أهلهم لم يهتموا بهم وتركوهم ينسلخون من هويتهم ولغتهم وحضارتهم دون أن يضعوا حدا لهذا الانسلاخ. ثم تكمل هذه الجامعات انسلاخهم من خلال مساعدتهم وتدريسهم تاريخ بلدانهم بلغة أخرى. الإشكال ليس في التدريس باللغة الإنجليزية فقط بل عدم قدره هؤلاء الطلبه على قراءة المصادر العربية التي هي أساس تاريخهم فيقوم الاكاديميون بتقرير كتب كتبت باللغة الإنجليزية لباحثين غربيين وعرب عليها ملاحظات واستدراكات بل ربما سوء فهم وفي أحيان اخرى نظره استشراقية متعاليه لتاريخنا وأجدادنا.

بلا أدنى شك أن اللغة الإنجليزية لها أثر كبير في فهم وتحليل تاريخ الخليج والعالم العربي لكون الإنجليز استعمروا أرضنا لسنوات عديده. وللغة الإنجليزية أهمية في تاريخ الخليج على وجه الخصوص لكون المستعمر الانجليزي سجل أحداث المنطقة وحفظها في سجلاته يوم كان الجهل مسيطرا على منطقتنا الخليجية. ولا ينكر باحث في تاريخ وسياسة الخليج العربي أن الأرشيف البريطاني ساهم في كشف الغطاء عن الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي اخفتها السجلات المحلية. الفقره السابقة اقرار واعتراف بأهمية اللغة الانجليزيه في تحليل وكتابه تاريخ الخليج كأداة مساعده وليست رئيسية. ومن خلال دراستي للدكتوراه وجدت أن الباحثين الغربيين الذين يدرسون تاريخ وحضاره وسياسة منطقة الخليج يُفرض عليهم تعلم اللغة العربية لادراكهم أن الكثير من المصادر الاساسية كتبت باللغة العربية كما أنهم يفهمون أن اللغة ليست وسيلة تفاهم فقط بل حضاره وثقافة. وبما أن مصادرنا التاريخية المكتوبة باللغة العربية كثيره وكثيره جدا وهي مهمة لدارسي تاريخ الكويت على سبيل المثال وكونها غير مترجمة إلا ما ندر منها مثل كتاب تاريخ الكويت لأبوحاكمة فكيف يكون تدريسنا لتاريخنا في بلادنا بلغة أجنبية؟ 

أفهم أن تُدرس منهجيات البحث العلمي باللغة الانجليزية كما ادرك أن النظريات التاريخية وفلسفاتها من الممكن أن تدرس بلغات أخرى لكون العالم الغربي هو الرائد اليوم في هذا المجال ، لكن مع وجود حركة ترجمة كبيرة تقوم بها الإمارات العربية المتحده والكويت وقطر لترجمة هذه الكتب إلى اللغة العربية تنتفي الحاجة الماسه لهذه اللغات.

هذه المنهجيات هي أُطر لتحليل التاريخ والسياسة في الخليج لكن السؤال هل تصلح هذه الأطر المعرفية لتحليل عالم مختلف تماما عن العالم الذي نشأت فيه هذه النظريات والمناهج؟ أليس علينا تطوير أو تعديل هذه الأطر حتى تتناسب مع تاريخنا وحركته؟ ألسنا نحن الأقدر على فهم تاريخنا؟ أوليس من واجب المؤرخين الخليجيين أن يفهموا هذه النظريات ومن ثَم يطورونها أو يبنون عليها وربما ينسفونها؟ هل لتقديس ما يأتي من الغرب دور في عدم تصدينا لمثل هذه الأعمال أم هو الإنهزام الثقافي وربما الكسل؟ 

من تجربتي الشخصية أجد أن هناك نقاط مهمة ساهمت في محاولة بعضنا التخلي عن عربيته في الفهم والتحليل ومحاولته الإندماج (الذي لن يحصل) مع الأكاديميا الغربية وتبني أفكارها ربما بدون وعي. أول هذه النقاط أن العالم الغربي اليوم يمتلك الجامعات ومراكز الأبحاث المؤثره في العالم ولذلك يحاول توجيه البحث العلمي والأكاديمي إلى وجهات معينه. في تاريخ الخليج على سبيل المثال حضرت مجموعة من المؤتمرات وورش العمل وكان الشعور الذي انتابني بعد انتهاء هذه التجمعات الاكاديمية هو الاندهاش! الاندهاش الذي انتابني هنا ليس بمعناه الإيجابي وإنما كنت مستغربا هل تحدث بعض من شارك عن الخليج أم عن المريخ وزحل؟ هل نحن كائنات فضائية حتى ينظروا لنا بهذا الإستغراب والتحليل ،الغير منصف، في الكثير من الأحيان؟ وقد ناقشت بعض الأصدقاء ووجدت أن ذات الشعور انتابهم. فبعض الباحثين في الغرب يطبق فهمه وطريقة تطور مجتمعه علينا في الخليج وعندها يجد أن هنا غرابة كبيره وتنافر بين نظريته التي نشأت بناء على فهم واضعها لمجتمع أوربي وبين واقع الخليج. وأنا هنا لا أقول أن لتاريخ الخليج خصوصيه إنما احاول تبيين أن تاريخ الخليج مختلف كما هو الحال لتاريخ فيتنام والهند واليابان وفنزويلا وغيرها من الدول التي تمتلك أرثا ثقافيا وحضاريا مختلفا عن دول أوربا.

النقطة الثانية هي تقصير المؤرخين الخليجيين على وجه التحديد في الإضافه لحقل دراسات الخليج إضافات جوهرية لإنشغالنا بأمور أخرى أو تفضيلنا الكتابات التاريخية السردية وربما الخلاف على جزئيات صغيره قد تفيد البحث التاريخي لكن لا تطوره وقد كتبت مثالا عن مثل هذا الخلاف على الجزئيات عنونته ب تاريخ الأوائل. لعل أحد اسباب هذا الأمر هو عدم فهمنا لمنهجيات البحث العلمي والنظريات التاريخية بشكل عميق ، ومن تجربتي الشخصية التي عانيت من خلالها كثيرا ولا أزال أعاني في قضايا فهم المنهجيات التاريخية التي كتبت وعن تطورها ووجدت هذا الضعف عند الكثيرين من أقراني وعند بعض اساتذتنا كذلك. هذا الضعف سبب عدم وجود مواد تخصصية في الجامعة واتمنى من القائمين على الجامعات في الخليج اعطاء بكالريوس في المنهجيات التاريخية من خلال استغلال قوه أهل المغرب والدول العربية كمصر وسوريا في هذا التخصص فالكثير من الكتابات المترجمة والمكتوبه في المنهجيات والنقاش حولها يحوز على قصب السبق فيها أهل المغرب ومصر.

النقطة الأخيره التي أود اضافتها في قضية أسباب انهزامنا التاريخي أمام اللغة الانجليزية وأنا اتحدث هنا من تجربه شخصية هو الاستعلاء ، الاستشراق ، التكبر الغربي سمه ما شئت. بلا شك أنا لا أعمم بل مشرفي في رسالة الدكتوراه هو من اكثر الداعمين لي خلال فتره دراستي لكنني اتكلم في المجمل. هذا الاستعلاء يتمثل في محاولة بعض الباحثين الغربيين تغطيه ضعفهم العلمي من خلال التلاعب بالالفاظ واللغة. فعلى سبيل المثال حينما تناقشهم في قضية جزئية يركز على اللغة أكثر من تركيزه على المعلومه والنقاش. وقد يقود النقاش ناحيه قضايا نظريه (والتي بلا شك هم أفضل منا فيها) محاولا تجاوز الدخول في التفاصيل التي قد تؤدي إلى نقض فكرته التي بناها على نظريه ما. فالقوه التي يمتلكها بعضهم هنا هو الفهم النظري والعمق فيه ولذا تجده يشعر بالانتصار إن وجد حدثا تاريخيا يؤيده ومن وجهة نظري أن ذلك من الأخطاء إذ على الباحث أن يفهم التفاصيل حتى يستطيع التنظير والكتابه.

وأخيرا دعوة لجميع الجامعات في الدول الخليجية أن تلغي فكرة تدريس تاريخنا وحضارتنا باللغة الانجليزية فقط وتستعيض عن ذلك بالتدريس بالعربية كأساس للمواد مع الإستعانه باللغة الانجليزية واللغات الأخرى. وللزملاء التي لم يجدوا بدا من التدريس باللغة الانجليزيه أقول لا بأس عليكم فقد أكون أحدكم يوما ما! لكن ثقوا تماما أنني لن أقدم على مثل هذه الخطوه حتى تغلق جميع أبواب الجامعات التي تفتخر بتدريس تاريخنا بلغتنا فابحثوا عن بدائل لعلكم تفلحون!

شوارد:

"لا أعرف أمة في الدنيا يجهل أبناؤها لسانها جهل أبناء العرب بلغة العرب"

علي الطنطاوي










الأربعاء، 31 يناير 2018

سامحتك ولكن لم تعد صديقي!

تجارب الحياة تعلمنا الكثير وكلما تقدم الإنسان في العمر يكتشف أن اهتماماته تغيرت وتطورت وأن ما كان مهما جدا في مرحلة من حياته صار لا قيمة له في مرحلة أخرى. وكلما ازدادت ثقافة الإنسان مال نحو تقليل الأصحاب وقد يتجه الكثيرون نحو العزلة الشعورية أو ربما الجسدية. الاندفاع نحو العزلة ليس بسبب عدم محبه الناس أو الأنس بصلتهم ومعاشرتهم إنما كلما ازدادت ثقافة المرء زاد عمق فهمه للحياة ، والمصطلحات ، واكتشف زوايا للنظر لم يكن يراها فيما مضى.

من عادتي في سنواتي الأخيرة أن أوضح شخصيتي لكل من يتعرف علي ، فأكون صريحا جدا في لقائي الأول غير متصنع وفي الوقت ذاته مراعيا الآداب العامة وتقاليد من أُقابل. أمر مهم لا أحب أبدا أن يمر اللقاءُ دون أن توضيحه، هذا الأمر متعلقٌ بالمبادىء التي أحملها. على سبيل المثال لا الحصر من مبادئي مثلا عند الحديث في الموضوعات العامة أن يكون الدليل موجودا والصراحة في هذه المواضيع عندي هي الأساس خصوصا إن كان الحديث مع مهتم أو متخصص. لا أكترث بمشاعر من يناقشني وإن كنا نناقش سلوك قريبه أو صاحب سلطته أو إمام مسجده الخطأ بشرط امتلاكي للدليل  أو الحجة التي أحسبها منطقيةً في تحليل موقف ما. كما أنني في الكثير من الأحيان ، في نطاق الموضوعات، عندما يعرض علي أحدهم عمله ، كتاباً كان أو مقالاً أو ربما قصيدةً ويسألني فيها عن رأيي أو ذائقتي وربما تحليلي أبادره بالسؤال التالي "هل تريد رأيا كويتيا أم رأيا علميا؟" فإن اختار الرأي الكويتي جاملته ولم أمدح في موضوعه إلا ما أعجبني وأبتعد عن نقد ما لا يضر وجوده. أما إذا أراد رأياً علمياً خصوصا في قضايا التاريخ فإنني أتحدث عن كل شيء حتى عن النقطة والفاصلة إن كنت أفقه فيها!

ولماذا تُحدثنا عن هذا الأمر وعنوان مقالك مختلف؟ لأن هذه المواقف علمتني أن تعريفات المفاهيم تختلف من شخص لآخر والأمر ذاته في المجتمعات، فالشيطان كما يقال دائما ما يكمن في التفاصيل. اختلاف التعريف لمفهوم الصداقة مثلا بيني وبين الكثير ممن كنت أعدهم أصدقاء وممن لا يزالون أصدقائى جعلني في فترة ما من حياتي حائراً غير مستوعبٍ لما حدث ويحدث حولي. فمفهوم الصداقة عندي واضح، وهو أن أكون بقرب صديقي في مسرته ومضرته في حزنه وفرحه في شقائه وسعادته ليلا أو نهارا صباحا أو مساء حتى وإن كلفني ذلك خسارتي لأشياء أُريدها. لن أكذب عليكم أيها القراء فقد كنت أتوقع الشيء ذاته من أصدقائي لكنني في ذات يومٍ اختلفت مع صديقٍ عرفته في "اكستر العزيزة" وحاولت السؤال عنه والتواصل معه بعدما انقطعت أخباره عني وصدمني قوله ، بعد هذا الانقطاع بكثير، حين قال "أنا أقول لك يا صديقي من باب المجاملة لكنني فعليا لا أعتبرك صديقا بل معرفه أسعد إن رأيتك وتحدثت معك في الكثير من الأحيان لكنني غير مستعد لتقبل تعريفك للصداقة!"

على الرغم من قسوة كلامته على عقلي إلا أنه أيقظني من سباتي وجعلني أعيد نظرتي لمفهوم الصداقة، لا تفهموني خطأ لم ولن أغير مفهومي للصداقة لكن في الوقت ذاته لن أجعل كل من شعرت بتمازجٍ فكري أو نفسي صديقي! هذه اليقظه قادتني لأكتب هذا المقال إذ أنني بدأت أختبر من هم حولي ، هل فعلا أصدقائي؟ هل الأسس التي وضعتها أنا في عقلي للصداقة وصلتهم؟ نعم لم أكن متصنعا معهم لكن هل تصنعوا هم معي واكملوا المسيرة؟ هل هم على استعداد أن يكونوا لي مثلما أكون لهم؟ هل سأجد بعضهم حولي في حزني وفرحي وفي ليلي ونهاري أم أن القضية مختلفة عندما تلقى مسؤولية الصداقة عليهم؟ هذه التساؤلات وغيرها جعلتني أسامح الكثيرين لكني شطبتهم من قائمة أصدقائي. المعضلة التي واجهتني أن مفهومي لقطع الصداقة مختلف أيضاً عن مفهومهم ولذلك خلقت مشكلة أكبر من مشكلة الصداقة ذاتها!

مفهومي لقطع الصداقة هو أن أذكر محاسنهم والمواقف الحسنه بيني وبينهم ولا أنسى أبدا جميل ذكراهم وأتجاوز عن قبح بعض أفعالهم لكنني غير مستعد أبدا أن أكون صديقا لهم. ولكي لا أعتدي على مشاعر إنسان آثرت الخروج الهادىء من حياة الكثيرين منهم دون توضيح بل بررت أنني منشغل بأمور الدنيا والود موجود وحبل المحبة موصول لكن هذا التبرير مع مرور الزمن فقد مصداقيته، فمن كنت لهم صديقا توفى لهم قريب ولم يجدوني هناك وتزوج لهم حبيب فكنت معتذرا عن عدم الحضور وربما وقعت لهم مشكلة فتواصلوا ولم أذهب لا في صبح ولا في مساء! ردات فعلي التي لم يعتادوا عليها جعلتهم يعيدون حساباتهم ماذا يحدث مع هذا الإنسان؟ بعضهم فسر بأن حصولي على درجة علمية ما زادت من عزلتي فآثر الانسحاب بهدوء، لكن أكثرهم صار يسأل بإصرار ماذا يحدث في عالمك يا هذا؟ ولأن هذا الموضوع موضوع عام بالنسبة لي عادة ما يسبق جوابي هذا السؤال  "هل تريد رأيا كويتيا أم الحقيقة؟" وغالبهم يختار الحقيقة التي لم يعتد مجتمعنا على سماعها فيتأثر وربما يتأسف ويعتذر مني على تقصيره وأنا لست بحاجة لا للاعتذار ولا للأسف لأنني أعتبر نفسي المخطىء لكوني لم أفهم أن مفاهيم الصداقة مختلفة بيني وبينهم.

كل ما ذكر في الأعلى لا يفسد للود قضية ، فالمحبة ستبقى والمودة قد تنقص لكنها لن تغيب فكل من مر في حياتي واعتبرته صديقا هو قطعه من حياتي وصفحة من مذكراتي حتى وإن قل التواصل أو انقطع. فالقلب لا يحمل الحقد على أحد لأن المقنع الكندي الشاعر الفحل نصحني ونصحكم عندما قال " ولا أحمل الحقد القديم عليهم / وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا". وخلال تجارب قول الحقيقة برز شخص حيرني أكثر فعلى الرغم من تعاملي معه بالطريقة ذاتها التي تعاملت فيها مع الآخرين إلا أنه أصر على أن يكون موجودا متى ما بحثت عنه على كسل عظيم فيه لكنه في الوقت ذاته يحمل محبة صادقة أجدها بين عينيه، وزادت حيرتي أكثر وتسائلت لماذا لم يكن تعاملي معه مختلفا ؟ هل بسبب فهمه لمفهوم الصداقة أم أنا من تبدل مفهومه للصداقة وتطور ؟ وهذا طبيعي فالتغير من صفات الإنسان لأن الجامد جماد لا روح فيه ولا عقل! 

أصدقائي الأعزاء أرجوكم تقبلوني كما أنا، وثقوا أن الحياة لا تتوقف عند اختلاف المفاهيم ولا تتوقف عند تباين الآراء ولن تتوقف عندما نكون أعداء! الحياة جمالها بجمال فهمنا لها وبتطور عقولنا والنظر فيها وإليها بطرق مختلفة وزوايا عديدة. ولكن نصيحة أنصح بها نفسي وأنصحكم بها لنتأكد من أننا نفهم ذات الفهم أو قريب منه حتى لا تضيع الحياة وينقلب الود إلى كره والقرب إلى بعد. ثقافة السؤال يجب أن تكون ضمن مقرراتنا الدراسية وأولويات الآباء والأمهات ففهم أي أحد غير كاف لكن توضيح الآخر يكفي!

شوارد:

"نبدو بخير رغم الفراق أنا وأنت لم يقتلنا البعد، لا نزال نمارس الحياة بشكل معتاد" .

لا أعرف قائلها 

الأحد، 24 ديسمبر 2017

تاريخ الأوائل هل انحرف عن مساره؟

التاريخ بحر والدر كامن في أعماقه ، والباحث يحسب أن التاريخ جدول صغير في أول الأمر حتى إذا ما تعمق فيه شعر بأن الجدول صار نهرا وكلما زاد عمق فهمه للتاريخ أدرك أن التاريخ أكبر من المحيط ذاته! ولأن للتاريخ أقساما وحقبا ومواضيع ومناهج يصعب أن نجد مؤرخا جمع هذا كله لكن من الممكن أن نجد عالما في التاريخ له زهور في بساتين التاريخ الكثيره وفهما لا بأس به خارج الحقبة الزمنية التي ينتمي لها سواء كانت في حقب ما قبل الميلاد أو في التاريخ المعاصر اليوم. 

من أقسام وأصناف التاريخ وهو موضوع مقالي اليوم قسم يسمى "تاريخ الأوائل". هذا التاريخ يركز على أول من قام بفعل ما في زمن معين ولعل من أشهر الكتب في تاريخنا الإسلامي هو كتاب الأوائل للعسكري والطبراني وكذلك كتاب علاء الدين السيكتواري. وطريقة عرض هذه الكتب موضوعية بمعنى أول من وضع علم أصول للفقه أو أول من خط في القلم أو أول من بنى بيتا في المدينة الفلانية أو أول مهاجر في الإسلام وغيرها. وإذا ما انتقلنا إلى تاريخنا المحلى نجد أن عبدالله الحاتم كتب كتابه "من هنا بدأت الكويت" على النمط ذاته في بداية الكتاب مثل أول مؤتمر في الكويت أو أول مطبعه أو أول بعثة طلابية أو اضراب لرجال البحر أو أول مغن سجل أغانيه إلى آخر الأوائل الذين ذكرهم الحاتم في كتابه. هذا المقال لا يسعى أبدا للتقليل من جهد من كتب عن الأوائل لأن هذه الأحداث تساعد المؤرخ في التحليل والربط بين الأحداث. ومثل هذا النمط من الكتابه التاريخية بلا شك له قيمته العلمية لكن يسعى هذا المقال لفك التشابك بين ما يمارسه محبي التاريخ أو حتى الباحثين فيه وبين الأوائل الذين ذكرتهم الكتب.

من خلال متابعتي للحوارات التي تدور في وسائل التواصل الإجتماعي أو عبر المقالات في الصحف واللقاء التلفزيونية وجدت أن هناك خلطا بينا بين الأول وأهمية الأول بمعنى كون فلان فعل هذا الفعل وبين الربط بين فعل فلان أو فلانه وتحليله تحليلا تاريخيا يضيف نتيجة للحقبة الزمنية التي يتم النقاش حولها. من خلال متابعتي ، وهي متابعه قاصره بلا شك ولا أقصد التعميم هنا، وجدت أن غالب من يتناول مواضيع الأوائل اليوم يسعى لثلاثة أهداف رئيسية: (١) المجد الشخصي ، العائلي ، الطائفي أو القبلي ، (٢) كسب الشهره من خلال الوسائل الإعلامية ، (٣) توضيح الأهمية التاريخية للحدث. 

بالنسبة للنقطة الأولى وهي المجد الذي يسعى له الباحث في قضية الأوائل في زمننا هذا ، هذا المجد يريد من خلاله أن يتميز على غيره في اثبات احقية (عائلته ، قبيلته ، طائفته) في ما يعتبره هو انجازا. لعل سبب بحثه عن المجد في مثل هذه الأحداث إما عن تعصب غير محمود أو نقص يحاول اتمامه من خلال اثبات مساهمه من ينتمي لهم وربما شعوره بالظلم تجاه طريقة الكتابة التاريخية ، وهنا أتحدث عن تاريخ الكويت تحديدا، ويحاول ازاله هذا الظلم من خلال اثبات الأحقية في فعل معين. سأتحدث عن مثالين نالا حصيله من النقاش والجدال لا بأس بها في وسائل التواصل الإجتماعي خلال السنتين الأخيرتين. المثال الأول هو قضية دخول أول سيارة للكويت هل هو في عام ١٩٠٨ أو عام ١٩١٢ ومن الذي جلبها للكويت ، السؤال المهم ما هي الأهمية التاريخية لمثل هذا الحدث؟ بكل تأكيد هو وصول السيارة للكويت وتغير نمط الحياة فيما بعد من ركوب الدواب إلى استخدام السيارات في أمور عديده كالحرب والنقل والتجاره وغيرها. هل دخول السيارة في عام ١٩٠٨  أو في عام ١٩١٢ سيغير من تحليلنا للتاريخ المكتوب حاليا؟ أو سيضيف اضافه جديدة للتاريخ المحلي؟ لست أدري لكن من خلال فهمي كل فريق يحاول النيل من مصادر الفريق الآخر عبر محاولة حصر حقيقة دخول أول سياره للكويت. وعلى الرغم أن كلا الفريقين يؤكدان أن حاكم الكويت مبارك الصباح هو مالك هذه السياره إلا أنني لم أجد لدى أي فريق ربطا تاريخيا بين سنة دخول السيارة وأحداث عهد هذا الحاكم! المثال الثاني هو قضية دخول الشاي للكويت انقسم بعض المهتمين بالتاريخ والباحثين فيه إلى فريقين كل فريق يحاول اثبات احقيته في كونه أول من ادخل الشاي للكويت. السؤال المهم هنا هل يغير جلب هذه الأسرة أو تلك من حدث دخول الشاي للكويت؟ هل هناك رابط بين دخول الشاي وتغير ثقافي مثلا حصل في مجتمع الكويت في ذلك الوقت؟ ما هي دلالات دخول الشاي في تلك الفترة الزمنية؟ تساؤلات كثيره تدفع الباحث للتعمق في مثل هذه القضايا وعدم الاكتفاء بالفوز بنسب ما يعتبره انجازا ، وهو ليس كذلك في هذين الموضوعين، للدائره الإجتماعية التي ينتمي إليها.

هذا الأمر يقودني للتساؤل هل كونه الأول يعني أنه الأفضل؟ سؤال يحتاج إلى اجابه ، فكونك الأول لا يعني بتاتا أنك الأفضل. وفي هذه الفقرة سوف أركز على القضايا التجارية تحديدا. فحسب تاريخنا المحلي هناك الكثير ممن علموا في التجارة كانوا مجرد وسطاء نقل أو وكلاء بيع وشراء لتجار أكبر منهم فهل كونه وسيطا احضر سلعة للمرة الأولى للكويت يجعله صاحب ما يعتبره البعض اليوم انجاز؟ الأمر الثاني وهو تساؤل أيضا ليتنا نفكر فيه لو افترضنا أن السلعة التي دخلت الكويت لأول مره هي للتاجر نفسه وتوجد وثيقة أو شاهد على احقيته هل هذا يعني الجزم أنه أول من ادخلها؟ أليس من الممكن أن يكون هناك من سبقة ولم تصلنا وثائقه؟ أو لم يسجل التاريخ لنا دوره؟ ثم ما هي أهمية كونك الأول في مثل هذه الأمور؟ ما هي الإضافه الحقيقية للتاريخ المحلي؟ نحن لا نتكلم عن اختراعات هنا أو تميز في عمل ما أو حتى تأثير ديني ، ثقافي ، سياسي ، اجتماعي ساهم في تطوير ورفع مستوى المجتمع.

أنا هنا لا أحارب تاريخ الأوائل بل هو من التواريخ التي متى ما استخدمت في اطار البحث العلمي اضافت الكثير للحقل المدروس لكنني ضد الجدل القائم بين المتطفلين على التاريخ والمتصدرين للمشاهد الإعلامية بإسم التاريخ والتاريخ منهم براء. تاريخ الأوائل يساعد الباحثين على تحليل أعمق لتاريخ الحقبة الزمنية التي يدروسنها فعلى سبيل المثال ساعدني كتاب عبدالله الحاتم في دراسة وتحليل ثقافة المعارضة السياسية وأدوات هذه المعارضة في الكويت من خلال ما ذكره عن اضراب رجال البحر أو طلبه المدارس وغيرها. هذه النقطه تقودني لنقطه شبيهة بها وهي قضية نشر وثيقة للمرة الأولى في كتاب أو مقال أو صحيفة. هذا النشر بلا شك يعود على البحث العلمي بالنفع ولعلي استحضر وثيقة مجلس ١٩٢١ التي نشرها الدكتور خليفة الوقيان في كتابه بواكير الثقافة في الكويت واضافت للبحث التاريخي الشيء الكبير وساهمت في تغيير نظرة الكثيرين لهذا الحدث التاريخي المهم في تاريخنا الكويتي. نشر مثل هذه الوثائق يساعد في تطوير البحث التاريخي لكن في ذات الوقت الاستمرار على الدندنه بأن الباحث فلان هو أول من نشر هذه الوثيقة يعطي انطباعا أن قضية البحث صارت شخصانيه أكثر من كونها علميه فالنشر بحد ذاته لا يعتبر انجازا إلا في حينه فقط. بمعنى عندما ينشر الباحث هذه الوثيقة فإنه في لحظة النشر يسهم في التاريخ لكن بعد ذلك إن لم يمارس دوره البحثي ويضيف للحقل فإن أوليته في النشر لا تعني أنه باحث مجتهد أو عالم والسبب وراء ذلك أن نشره قد يكون مصادفة والوثيقة وصلت إليه دون تعب أو جهد والعكس صحيح بلا شك.

اختم مقالي بتساؤل أيضا وهو هل فقدان الحس الوطني لدى بعض العاملين في حقل التاريخ الكويتي يجعلهم يبحثون ما يجعلهم متميزين عن غيرهم؟ هل الطريقة التي كتب فيها تاريخ الكويت تدفع البعض لمحاولة التقليل من دور الآخرين في صنع التاريخ المحلي؟ هل نحتاج لإعادة كتابه تاريخنا المحلي بشكل أعمق نبحث فيه عن الحقيقة وإن كان الوصول لها صعبا في التاريخ ونمارس الإنصاف قدر استطاعتنا حتى نترك للجيل القادم تاريخيا أقل تشويها مما هو بين أيدينا اليوم؟ تساؤلات لا زلت أفكر بها ولم أجد لها اجابات.

شوارد:

"الوثائق أداة خرساء في يد من لا يعرف كيف يحييها وينفخ الروح فيها"

أرنست رينان


























الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

التاريخ الراكد في خليجنا الكبير!

خلال قرائتي لكتب المنهجيات التاريخية وجدت مصطلحا لعله مصطلح دقيق يسمى ب "التاريخ الراكد" وبحثت في محرك البحث قوقل وسألت بعض الأصدقاء ممن يشاركونني محبة التاريخ وبعضهم يشاطرونني الرغبة في تعلم واتقان المنهجيات وفلسفة التاريخ عن معنى هذا المفهوم لكن للأسف لم أجد عندهم أي معلومات تعطيني فهما كاملا ًوعميقا لمعنى التاريخ الراكد. فرجعت لمن يتقن الفرنسية والعربية والإنجليزية وغيرها من اللغات وهو الصديق العزيز الدكتور اسماعيل لوبر وساعدني مشكورا على ترجمة المصطلح الفرنسي "L'histoire immobile" إلى الإنجليزية "Motionless history" ووجدت بعض المقالات التي تتحدث عنه لكنني لم اطلع عليها بعد. 

استخدامي للمصطلح هنا بمعنى قد يكون مختلفا عن استخدام الفرنسيين له لكوني لا أعرف معناه ولا استخداماته ولم اطلع على ما كتب عنه في منهجيات البحث التاريخي وأطلب من القراء تكرما أن يفيدوني إن كان أحدهم يعرف كيف استخدمت مدرسة الحوليات الفرنسية مصطلح التاريخ الراكد.

 " التاريخ الراكد" في هذا المقال سيكون بترجمة حرفية له من العربية أي تاريخ المعلومات التي لم تطرق والمواضيع التي صارت آسنة راكده. ربما لم تتحرك هذه المواضيع وحجبت عن نظر الباحثين لأسباب عديدة منها: (١) صعوبة الحصول على الوثائق والمصادر، (٢) موت أبطال هذا التاريخ ، (٣) الخوف الاجتماعي والسياسي الذي يمنع الخوض فيه ، (٤) قد يكون الإهمال أو عدم الانتباه له في وقت ماضٍ أحد أسباب هذه الركود.التواريخ الراكدة في خليجنا العربي عموما والتاريخ الكويتي خصوصا بدأ الباحثون بطرقها في الآونة الأخيره أو لنقل في العشر سنوات الماضية تحديدا، فصرنا نشاهد ونقرأ كتابات حركت بعض جوانب راكدة من تاريخنا وصار هؤلاء الباحثون يبحثون في مواضيع مختلفه غير المواضيع السياسية والإقتصادية وأثر النفط على مجتمعات الخليج التي انبهر بها الغرب وتبعنا نحن أهل هذه البلاد هذا الانبهار ولم نبرع في الكثير من الأحيان سوى في تقليدهم.

هذا الوعي التاريخي لدى الجيل الجديد من الباحثين بعد هجران طويل وتركيز عميق على التاريخ السياسي والاقتصادي حتى ألفنا التاريخ بهذه الصورة وتركزت نظرتنا البحثية حوله حتى أصبح واقعا نعيشه ويعصب علينا الانفكاك من إلى أن جاء الجيل الجديد من الباحثين الذين انصب تركيز بعضهم على التاريخ الراكد حتى صار يبحث ويناقش ويعترض على الاتجاه الأحادي الذي كتب التاريخ الخليجي بطريقة واحده. هذه المهمه التي نذر المؤرخون الجدد أنفسهم لها والتي بواسطتها بدأ تاريخنا يتحرر من عقد تاريخية كاذبه شبعنا من سماع تبريرات لها ولم نعد نصدقها. هذه العقد مثل تاريخنا الخليجي لا يحتمل الأبعاد الفلسفية أو التاريخية الأخرى.

بل إن الحديث في السابق عن الموضوعية في تاريخنا المحلي والتي تزعم أن تاريخنا نقل لنا بموضوعية مثلت الماضي كما هو دون اعتبارات أخرى لم تعد تنطلي على الجيل الجديد من المؤرخين الذي يبحث في ما وراء الكواليس التاريخ المكتوب والموجود بين أيدينا عن التاريخ الراكد تحديدا. هذا الأمر انصب كذلك على نزع القدسية عن المؤرخين السابقين في تاريخنا الخليجي محاكمة ما كتبوا ووضع معلوماتهم على ميزان المنهجيات المختلفه وربطها بفلسفات تاريخية غربية حديثة وقديمة. بل صرنا نسمع بمن يتبنى أفكارا وفلسفات في التاريخ ومنهجيات جديدة تهاجم التقاليد المتعارف عليها الغربية منها والمحلية. المثال يوضح المقال في هذه النقطه.في الآونة الأخيرة صرنا نسمع عن مؤرخين يتبنون فلسفة بول ريكور التي تحارب أقطاب التشكيك كما يسميهم مثل ماركس ونيشته وفرويد وغيرهم. بل صار الاستشهاد برأيه موجود في الكثير من الحوارات والمقالات التي تناقش التواريخ المحليه في الخليج ولعل أكثر هذه الاستشهادات رواجا كما أعرف (ليس ضروريا أن ما أعرف هو الصحيح!) هو فكرة بول ريكور والتي أقتبسها نصا من دراسة د.ميلود دومه حول فكر وفلسفة بول ريكور "من الضروري أن يصير التفكير تأويلا لأنه لا يمكنني أن ادرك فعل الوجود في مكان آخر غير مكان الإشارات المتناثره في العالم". بعبارة أخرى استفاد المؤرخون الجدد في تحريك التاريخ الراكد من خلال تفسير ريكور التأويلي الي اعتبر التاريخ عالما من النصوص الفكرية والثقافية. وكذلك قبل هؤلاء الباحثون الآراء التاريخية التي تتحرر من الارتباطات الايدولوجيه في تفسير التاريخ والبعد عن هذا التحيز في أبحاثهم. هناك نص بهذا الخصوص احتفظ به في المفضلة عندي ل كلير راينر حول موضوع الايدولوجيات تقول فيه " إن التاريخ ما يعتقده المؤرخون أنه حدث في الماضي ويفسرونه ويؤولونه في ضوء تحيزاتهم" وأنا اميل إلى تحليل التاريخ دون قواعد انطلاق ايدولوجية حتى يتحرر التاريخ من النطاق الضيق لفلسفه أو فكر ما.

نعود للجيل الذي الذي يحاول تحريك التاريخ الراكد في التاريخ الخليجي والمحلي لوجود فرق بين الباحث الذي يحاول ايجاد جديد في التاريخ ويبحث عن تحريك الركود وبين من يبحث لحاجة في نفسه أو اثبات ما لا يثبت أو يبالغ في تكبير الدليل بحثا عن الشهره العلمية التي سرعان ما تنتهي بعد نقض الباحثين له. في هذا الجزء من المقال سأناقش سوء الفهم عند بعض الباحثين الذين يعتقدون أنهم يحركون التاريخ الراكد لكنهم في حقيقة الأمر ينتقمون من التاريخ المكتوب ولا يمارسون دور المؤرخ إنما دور الروائي الذي تحركه عواطفه خلال كتابته لسيناريو قصته. القصد من تسليط الضوء هنا هو تبيان الفارق بين تحريك التاريخ الراكد وبين كتابة تاريخ ايدولوجي أو طبقي كردة فعل على ما كتب من تاريخ تقليدي في الخليج يتحدث عن أسر معينة ومهن محدده. وقد يكون في قادم الأيام مقال للتعريف بكيفية التعامل مع التاريخ المهمش أو ما يعرف بالتاريخ من الأسفل والذي قد يعتبر جزءا من التاريخ الراكد.

نعود لموضوعنا حول الباحثين الجدد الذين يظنون أن كتاباتهم الغير منهجية ، وأحيانا غير حيادية، جزء من المساهمة في تحريك التاريخ الراكد. فظهرت في تاريخ الخليج عموما والكويت خصوصا كتابات غير محايده تماما تلوي أعناق النصوص التاريخية لتثبت هوية المجتمع بإتجاه ايدولوجي معين (سلفي ، صوفي ، ليبرالي ، علماني ، سلطوي ، معارض، شيعي الخ). المشترك بين هذه الكتابات فيما لاحظت هو اقتطاع النص التاريخي عن سياقه وعدم رسم خارطة منهجية واضحه يستطيع النقاد من خلالها تبيان عيوب أو مدح انجاز. هذه الكتابات اشتركت أيضا بالسرديه التاريخية الغير مألوفه من خلال الاستشهاد بدليل في بدايات القرن التاسع عشر مثلا ثم ربطه بدليل قد يطابقه في منتصف القرن العشرين دون وضع اعتبارات للمؤثرات التاريخية المختلفه بين هذه الحقب الزمنية أو حتى الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئات والعوامل المؤثره في تشكيل أي حدث تاريخي وقع في تلك الفترات المتباعده. هذا السرد يفتقد في الكثير من الأحيان الأمانه العلمية في النقل ويحاكي قراء في غالب الأحيان يبحثون عن روابط تاريخية لأشياء تهمهم خصوصا وأن مجتمعاتنا ، وهذا خارج فكرة المقال، تغيب عنها مفاهيم الهوية والإنتماء بشكل واضح وجلي.

الصنف الثاني من الباحثين الذين يحاولون تحريك التاريخ الراكد بطريقة خاطئة هم أولئك الذين يكتبون بطريقة طبقيه ذات اتجاه احادي فيكتبون عن قبائلهم أو أسرهم وينشرون الوثائق والأدلة دون الانتباه إلى أن مجرد الكتابة عن قبيلتك وعائلتك وربما منطقتك التي نشأت فيها فيه نوع من أنواع التعصب الغير محمود. قد يقول قائل لكن إن لم يكتب هؤلاء فمن يكتب؟ وهو سؤال في محله لكن ماذا لو كتب هؤلاء بصورة أشمل ووسعوا أبحاثهم قليلا حتى يتجازوا التعصب الذي سيكون موجودا بلا شك حتى وإن حاولوا الحياد. هذا الأمر قد يكون خاصا في الخليج العربي فالضغوطات الإجتماعية على ما يكتب في التاريخ كبيرة من مدح وذم فمن يكتب عن شيء بعينه بطريقة نقدية لن يسلم من الأذى الاجتماعي ومن يمدح شيء بعينه سينال من المدح والتقدير الشيء الكبير. هذا الصنف من الباحثين اكبر اشكالياته المنهجية أنهم يبدأ البحث وهو يعرف ما هي نتائجه ولذا خلال عمله هو يبحث عن الأدله التي تؤكد صحة نظريته ولا يبحث عما إذا كان افتراضاته غير صحيحة أو ضعيفه أو غير واقعيه. هو بفعله هذا لا يضع فرضيته على ميزان العلم والمنهج ليختبر صلابه فكرته وتماسكها ولذلك يسهل على الناقد تفكيك فكرته ودحضها لأن أساسها العلمي غير مكتمل. وقد لاحظت من خلال قرائتي لمثل هذه النوعيات من الكتب والمقالات اعتمادهم على المقابلات الشفهيه مع بعض المعاصرين للحدث التاريخي خصوصا في التاريخ الحديث والمعاصر لكن لضعفهم المنهجي هو يأخذون كلام شاهد العيان على أنه جزء من الحقيقة إن لم يكونوا يعتبروا هذه الشهادة هي الحقيقة بعينها. وضع المقابلات الشفهيه على المقاييس المنهجية يقويها ويزيد من قيمتها لأن المقابله له تفاصيل كثيرة من خلال طريقة اجرائها وأسباب انتقاء هذه الشخصيات تحديدا وهل غطت المقابلات الشرائح كلها وغيرها من التفاصيل التي تزخر بها الكتب المنهجية في العلوم الاجتماعية والانسانية.

تحريك التاريخ الراكد من محاسن الجيل الجديد من المؤرخين في خليجنا الكبير لكن في ذات الوقت الخوف كل الخوف من تحوير هذا التحريك لأهداف صغيره قد يكون ضررها على التاريخ أكبر من نفعها. أحد أشكال هذا الضرر اعتماد الباحثين الغربيين على مثل هذه الدراسات التي من خلالها يبنون اطارا مشوها لنظريات تكون غير واقعية بسبب النتائج الغير واقعيه في أبحاث بعض أبناء الخليج. وقد يشعر بعضنا ممن يشارك في المؤتمرات التي تعقد في الغرب عن تاريخ وسياسة الخليج أن نظرة الغربيين للخليج فيها نوع من أنواع المبالغة لعل أحد أسبابها أبحاث أبناء الخليج! وحب الغربيين للمبالغات والأخبار الغريبه كما فعل من قبلهم الرحالة الذين زاروا الخليج فكتبهم زاخره بالمبالغات التي يكذبها العقل الخليجي والعربي!


شوارد:

"إن شعبا لا يقوم بتدريس تاريخه لهو شب فاقد لهويته"فرانسوا ميتران

















الخميس، 2 نوفمبر 2017

الأقشر


الأقشر في لهجتنا المحلية تعني صاحب المشاكل الذي يخافه الناس، وفي أحيان أخرى تعني الانسان الذي لا يستطيع التفاهم مع الآخرين بتفاهم وربما كان الانسان القاسي. تطلق كلمة أقشر على الزمان والإنسان والمكان أيضا فمثلا يقال "الوقت أقشر" أي صعب ويقال فلان أقشر وفلانة قشره وكل المعاني سلبية لكلمة أقشر لم أجد لها معنى ايجابي وقد يكون موجودا لكنني لم أصل له.

منذ سنوات عديدة غيرت طريقتي في التعامل مع الناس صرت رجلا يصرح برأيه دون مراعاة للمشاعر في أحيان كثيره متى ما امتلكت الدليل أو الحجة. هذا الفعل كي أكون صادقا معكم فض الكثيرين من حولي وصار الأغلب يتحاشى الحديث معي خوفا مما سيأتيه مني. بعد عودتي من رحلة الدراسة في بريطانيا ترسخ مفهوم الصراحة عندي بشكل أكبر حتى صار الأصدقاء من حولي يقولون لي "عبد الرحمن انتبه لن تفيد أحد خفف من حدتك!" وآخرون ينقلون لي تندر بعضهم على من خلال قولهم " لن تأخذ من عبد الرحمن شيء فهو أقشر!" والشيء هنا متعلق بالوثائق والتاريخ لا شيء آخر. 

لن أكذب على نفسي وعليكم وأقول إن مثل هذه الأقوال لم تؤثر بي سلبا أو تدفعني للتفكير مرارا بفعلي وطريقة حياتي. هذا التفكير قادني لكتابة هذا المقال الذي أشرح فيه فهمي للفرق بين الصراحة والقشاره! بين قول الحق دون خشيه سوى من الله وبين المجاملات الاجتماعية التي ابتلى بها العالم بشكل عام ونحن في الخليج بشكل مبالغ فيه. هذا الفارق "قد" يعرفه من هم حولي أو من يعرفني عن قرب. فالفارق بين أن تكون صريحا وبين أن تكون أقشرا فارق كبير جدا. أول هذه الفروقات أن القشاره في الغالب يرافقها نوع من قلة الأدب وعدم احترام الآخر أو تقدير الكبير والصغير! وبصراحة أكثر مثال يمر على خيالي وأنا اكتب المقال هو شخصية حسين بن عاقول للفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا في مسلسل درب الزلق. حسينوه في المسلسل أقشر فهو غير مهذب مع خاله وجاره وأخيه ومسؤوله في العمل. يذهب للعصبية بعدما يخالف القوانين أو لا يعجبه الرأي الآخر ولا يضع للأعراف والقوانين العامة والأخلاق والدين مكانا مهما في تصرفاته. هذه التصرفات القشره تدل على شخصية سطحيه وربما أقول أنانية هدفها الرئيس هو الوصول لما تريد دون الاكتراث بالبيئة المحيطة بالحدث وبصاحب الحدث.

على نقيض ذلك الإنسان الصريح هو من يجيب دون قيود عندما يسأل والإجابه تكون بأدب واحترام، لا أعمم هنا إنما أقول هذا الواجب لأن الصراحة بعد السؤال ضرورية إذا امتلك المجيب الحجة والدليل أما الصراحة دون وعي وفهم فهذه بلا شك مرفوضة وقد تصنف ضم الوقاحه. الفارق الثاني بين الصريح والأقشر أن الصريح لا يذهب للأخرين حتى يتحدث معهم فيما لا يعينه لأن ذلك ليس من الذوق في شيء إنما إذا ربطته مع الآخر علاقة فهو يتقدم بالنصيحة من باب الصداقة، الأخوه، العلاقة الخ مع اشتراط امتلاك الخبره والدليل والحجة. أما الأقشر في مثل هذه الأحوال فهو غير لبق يتحدث بحدة لمجرد الحديث أو لأن الأمر لا يعجبه ولا يستمع للرأي والرأي الآخر ويقوده الغضب ناحية افتعال المشاكل بعد اليأس من اقناع المقابل له بحجته الضعيفه.

نعود لقضيتي، بعد مراجعة شاملة لحياتي وجدت نفسي اتحدث بما في عقلي دون اكتراث لمشاعر الاخر وقد يقول أحدكم فعلك هذا ليس من الأدب في شيء! وهو محق إن كانت ردة فعلي وصراحتي على فعل عادي. مثال ذلك، لو زرت أحدهم فقدم لي شيئا لآكله أو أشربه وسألني عن رأيي فيه فكان جوابي له سلبيا، السلبية هنا وقاحة بلا شك فهذا المقال ليس مقام نصح وارشاد إنما مقام احترام المضيف وتقدير اكرامه لك. لست أتحدث عن الصراحة في مثل هذه المواقف إنما صراحتي تكون في ثلاث مسائل محدده هي: (١) المسائل العلمية، (٢) مسائل الصداقة والعلاقات، (٣) التعبير عن الرأي في القضايا العامة.

المقصود بالمسائل العلمية هنا ما يتعلق بتخصصي التاريخ، والتاريخ موضوع محبب للعامة والخاصة فالبعض يعتبره قصصا يستأنس بها والبعض الآخر يجدهم مصدرا للفخر والاعتزاز وآخرين يعتبرونه موضوعا سهلا بالإمكان الخوض فيه دون حاجة للتعمق والتدبر. صراحتي هنا تكون دائما قاسية، وكلمة قسوه هنا وصفها لي بعض الأصدقاء، أما أنا فلا اعتبرها قاسية إنما اعتبرها حوارا جادا. أنا مؤمن بأن العلم رحم بين أهله وأنا لا أعرف أهل العلم كلهم ولذا مثل هذه المواقف تميز لي الغث من السمين في علم التاريخ فمن يتضايق من الدليل الذي يخالف رأيه أو من التحليل الذي يتعارض مع ما يطرحه ولا يقوى على رد الحجة بالحجة ولا يقدر على نقض التحليل المنطقي فالأولى به أخذ الحجج الأخرى والتفكير بها. ولكون تخصص التاريخ الحديث مرتبط بواقعنا الاجتماعي اليوم فنقض ما في أذهان الناس مؤلم للكثيرين وإن كانت الحجة والدليل يسبقان النقض أو النقد وخصوصا في تاريخ الخليج فالاعتزاز بالعائلة والقبيلة والطائفة له سوق رائج والكثير من المصفقين. ردود بعض أفعال الأكاديميين أو المثقفين السطحية هي ما تؤلمني حقا، فعندما نقض مقالا، كتابا، رأيا له بشكل علمي يبدأ بإلصاق التهم الغير الأكاديمية بك ولعل أبرز هذه التهم "هذا الرجل أقشر لا أرغب في الرد عليه". ولعل الأكاديمي أو المثقف نسى أو تناسى أن نقد الدراسات السابقة جزء أساسي من التعليم الحديث خصوصا في الدراسات العليا لأن هذا النقد يطور العلم ويساعد الباحثين على سدد الخلل في أعامل من سبقهم. سدد الخلل هنا لا يعني ضعف ما كتب من قبل إنما تطويره ولذا فمن لا يتقبل النقد برأيي لا يعتبر من العلماء أو المثقفين فكما ذكرت لكم العلم رحم بين أهله وأنا أقول لأصدقائي دائما العلم "رحب" بين أهله!



المسألة الثانية التي أحب أن أكون صريحا بها هي مسألة الصداقة والعلاقات، فبطبعي لا أحب المجاملات التي أعتبرها نفاقا ويمارسها الكثير. هنا لا بد لي من توضيح ماذا أقصد بالنفاق الاجتماعي وأعرفه حتى يتضح للقارئ الكريم مقصدي ولا يفسر الكلمة كما يفهمها. تعريفي للنفاق الاجتماعي " المجاملات التي نقوم بها تجاه أشخاص لا نحب لقائهم أو الجلوس معهم وربما حتى رؤيتهم بحجة أن العرف ذلك". المثال يوضح المقال بشكل أوضح، هب أن رجلا يخالفني في نظرتي للحياة وطريقة معيشتي وربما نكون متناقضين في كل شيء لكنني عرفته في زمن ما وكانت بيننا علاقة وطيدة ثم نضجت ونضج هو وصارت اللقاءات ثقيلة علي وعليه لكن من باب المجاملة وحفظ الود السابق نستمر في اللقاء دون رغبة من كلا الطرفين أو أحدهما. في مثل هذه الحالات أنا أكون صريحا مع الطرف الآخر بالطلب منه بكل احترام وأدب أن نتوقف عن اللقاء وتبقى بيننا الذكرى التي قد تكون جميلة. هل هذا الأمر سيستمر للأبد؟ طبعا لا لأن القضية قضية فكرية بحته ليست لها علاقة بشكل أو لون إنما تتعلق بعقليتي وعقلية من يقابلني فمتى ما كان المشترك أكثر من المختلف كان التقارب محببا. هل هذه قاعدة عندي؟ طبعا لا في بعض الأحيان تكون الاختلافات كبيرة لكن كلا الطرفين يفهم أن الحوار حق أصيل والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ويفهم كذلك أن الحوارات بين المختلفين ليست ساحات للمعارك إنما مسارح فكرية نشاهد فيها من يختلف معنا ولسنا ملزمين باتباعه إنما بالتصفيق له إذا أحسن ونقده إذا لم نوافقه وفق الأطر العلمية.

ثالث النقاط ولعلها تكون خاصة في الكويت والخليج التعبير عن الآراء في القضايا العامة بشكل واضح. فحينما يطرح موضوع عام للنقاش في السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة أو غيرها وتطرح بعض الأسماء والأفكار فلا قدسية للشخصيات العامة حتى إن كان أحد الحضور من أقارب تلك الشخصية أو اصهارها. وعدم وجود القدسية لا تعني الانزلاق في قلة الأدب أو السخرية من هذه الشخصية إنما نقد الفعل العام الذي قامت به. في الكويت تحديدا نجد نقد الوزراء والنواب يقل في حال وجود شخص في المجلس أو مجموعة الوتس اب قريب من تلك الشخصية احتراما له! أنا لا اعتبر ذلك احتراما إنما نفاقا فانتقاد افعال الشخصيات العامة لا يجب أن يوقفه مجاملة لشخص من الأشخاص متى ما امتلكنا الدليل والحجة لأن المجاملة سوف تجعلنا نغض الطرف عن الأفعال الخطأ بسبب الحرج.

الصراحة لا تعني القشارة الصراحة تعني أنك مؤمن بمبادئك ملتزم بها ولا تجامل في حال معارضة الآخرين لها. الصراحة تعني الأدب واحترام الآخر وتقدير رأيه دون الحاجة لموافقته أو الحرج من الرد عليه بحجج اجتماعية قد تتغير في السنوات القادمة. الصراحة تعني أن الدليل والحجة والبرهان أهم من مشاعر المثقف والأكاديمي والعالم الذي اجتهد فأخطأ ففي العلم النقد مطلوب ويجب علينا أن ننتقد بأدب لكن لا نجامل في نقدنا وننقض الحجة بالحجة ونصحح الخطأ. الصراحة تكون في عدم التصفيق للمخطئ لأننا نعرف قريبا أو حبيبا أو صديقا فالشخصيات العامة لها أثر على حياتنا وحياة الأجيال القادمة وعدم ايقاف الشخصية العامة التي لا تحسن التصرف عند حدها كفيل بأن يهلكنا جميعا!


شوارد:

"من لا يتقبل النقد فهو لا بد يخفي شيئا"

هلموت شميت
    


الجمعة، 20 أكتوبر 2017

مأزق!

منذ عودتي من اكستر اعترف بأنني أصبحت كثير الانتقاد لواقعي ، لم يعد يعجبني أي شيء ولم أعد استطيع تحمل الخطأ الظاهر مثل التجاوز الكبير على قوانين المرور ، استسهال الاعتداء على حرية الآخرين الفكرية والشخصية دون أسس علمية أو حوارات مبنية على مبادئ ، وفقداني شخصيا للبيئة الأكاديمية العلمية والمكان الذي أجد فيه خلوتي. الكسل والتسويف وربما سلبية من لديهم القدرة على النهوض بفكر وعقلية المجتمع الذي نعيش فيه. جميع ما سبق سوف أتحدث عنه بمزيد من التفصيل في قادم المقال لكن دعوني أطرح عليكم ردة فعل بعض الناس ، ممن هم حولي ، تجاه طريقتي في التعاطي مع الحياة والعزله الشعورية التي أجدها بشكل شبه دائم.

سوف انطلق من سؤال طرح علي " لماذا أنت متحيز للغرب؟ أنت تعلم أن سلبياتنا موجودة في الغرب كذلك فما الفارق؟" لست متحيزا للغرب أبدا واعتقد لو ذهبت لليابان او سنغافورة  في أقصى الشرق فقد تكون ردة فعلي مشابهه لما أنا عليه اليوم. القضية لست في البلد ذاته إنما في سلوك أهل وحضارتهم ولست معنيا في هذا المقال أن اعرف ما هو السلوك وما هي الحضارة وهل السلوك الذي نشاهده منطلقه الخوف من القانون أم القناعة بالمبدأ هذه التساؤلات لها تقديرها وهي منطقية لكن ليس هذا مكانها. الفكرة الرئيسية هي البيئة الحاضنه للانسان وهل يتغير الإنسان بتغير بيئته، والتغيير الذي اقصده هنا التغير الفكري العقلي لا السلوكي إذ بإمكان الإنسان أن يتطور فكريا وتتسع مدارك عقله ويبقى محافظا على السلوك الحسن الذي عنده حتى وإن كان في أعراف من استقر عندهم خطأ. مثال ذلك سلوك الكرم عندنا كعرب ومسلمين له قيمة عالية بينما عند الانجليز ، وهم من عشت بينهم، يعتبر مضيعه للمال فهل تغيري الفكري يستوجب علي تغيير سلوكي الصحيح؟ بالطبع لا والأمثلة كثيرة على ذلك. وكلما تحدثت في موضوع التطور الفكري والعقلي في قضية تغيير البيئة جذبني عقلي ناحية قصة علي بن الجهم المشهورة مع الخليفة العباسي المتوكل عندما مدحه في قصيدة مطلعها "أنت كالكلب في حفاظك للود" فكان من ذكاء الخليفة أن جعله يعيش في دار على نهر دجلة وبعد مدة من الزمن اتسعت مدارك عقله وعرف أن العالم أوسع كثيرا من البادية التي كان يعيش فيها وبزر اثر الحضارة عليه فقال قصيدة أخرى من عيون الشعر العربي يقول في مطلعها " عيون المها بين الرصافة والجسر / جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري!" فمن غير الكلب والتيس أجلكم الله إلى المها والهوى؟ تأثير الحضارة عليه بلا شك. وحين عدت تاريخيا للأمم التي سادت العالم وأضافت للعلم وجدتها أمم متحضرة في وسط عالم جاهل! وكما ذكرت في بداية المقال أنا لست معنيا بشرح مفاهيم الحضارة هنا إنما تأثيرها على الانسان.

عند عودتي للكويت وجدت أن هناك هوة حضارية كبيرة لا أستطيع ردمها الفكرة ذكرها أحمد الزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي في الباب الخامس ما نصه " غزا نابليون مصر سنة ١٧٩٨...{كانت} الجماعة العلمية التي صحبت هذا القائد العظيم لم تصدها القلاقل والحرب عن غرس بذور الحضارة في مصر، فأنشأوت مدرستين وجريدتين ومسرحا للتمثيل ومجمعا علميا ومطبعة ومعامل كيميائية ومراصد فلكية، وسهلوا للناس النظر إليها ...واستطاع الناس أن ينظروا ؛ ولكن ماذا رأوا؟ رأوا أنهم في القرن التاسع عشر، وأن الغرب واقف منهم موقف الإنسان العاقل من الحيوان الأعجم يرميهم بنظرات السخرية وهو دائب في سبيل الحياة الصحيحة، مجد في تذليل المادة، فبهتوا ودهشوا"

لن اكذب إن قلت أنني وجدت وصفه ينطبق علينا حتى بعد دخولنا للقرن الحادي والعشرين! ووجدت أيضا تحليلة لنظرة الغرب صحيح فلازلت وسأستمر انصدم عند حضوري للمؤتمرات الغربية الخاصة بتاريخ الخليج من طريقة تحليل الغربيين لنا! وكأننا من كوكب آخر مختلف عن كوكبهم. لكن عندما يتدخل العقل في الأمر تجد أن من يلام نحن وليس هم! نعم فنحن علي الإمكانيات التي عندنا خصوصا في دول الخليج لم نصنع سوى المباني والمظاهر التي لا تأتي بخير على العقل ولا تصنع حضارة حقيقية. ولك في أن تتأمل لأي مؤتمر علمي يقام في التخصصات المختلفه كيف أن السجاد الأمر والبوفيه والتصوير مقدم على الفكر والنقاش العلمي بل بعض المؤتمرات خصوصا في التخصصات الإنسانية مواضيعها لا تخدم العقل البشري بل في بعض الأحيان تكون معارضة للمنطق والعقل والحضاره!

نعود لفكرة المقال الأساسية وهي هل التركيز على اخطاء المجتمع وانتقادها أمر سلبي؟ أم هو وسيلة من وسائل التنبيه وتعليق الجرس على رقبة المشكلة؟ هل السلبية تكون في رؤية الخلل والسكوت عنه أم في الحديث عنه واظهاره للغير؟ بالنسبة لي وجدت أن تكرار ذكر شوقي للعودة لاكستر يضايق بعض الأحباب والأصحاب ، ولذا تجدهم يقولون من يسمع نحيبك على اكستر يخيل إليه أنك من مواليدها. والحقيقة أنني ولدت في اكستر من جديد فعقلي تطور كما اظن عند استقراري فيها بل اجد أن عقول ابنائي تطورت كذلك هناك. هل الشوق لاكستر يعني الملل وعدم الوفاء للوطن؟ بالطبع لا فالكويت على سبيل المثال من الناحية الاجتماعية ونواحى أخرى عديدة أفضل بمراحل من الغرب وهو أمر محمود بلا شك لكن ليس هذا ما أطمح إليه في حياتي ولذا وجوده يسعدني لكن عدم وجوده لن يسبب لي مشكله. الجانب الفكري والعقلي والبيئة العلمية هي ما اهتم به جدا وقد حاولت ، حتى لا يصفني أحد بالسلبية ، أن أكون بيئة علمية خاصة نجتمع من خلالها لتبادل الأفكار وقراءة الكتب والنقاش العلمي لكني وجدت معظم الرفقاء قد انشغلوا في حياتهم الخاصة وفي التدريس ولم يعد لديهم الوقت الكافي لمثل هذه الأنشطة. 

هذا تحديدا ما افتقده في الكويت عدم وجود جهد مؤسساتي قائم على تطوير الفكر العلمي والبحث والمجتمع ثقافيا لازال في بداية التطور ولذا من الصعب أن تطلب منه الكثير ، والحق يقال أن وجود مجموعات القراءة وغيرها من مظاهر الثقافة في الكويت مشجعة لكن نحتاج أيضا أن نطور وسائل التفكير وأدوات البحث والرأي والرأي الآخر وغيرها من الوسائل التي تساعد علي النهوض الحضاري. أعتقد أن قضية وجود القراءة فقط لا تصنع مجتمعا متحضرا لكنها تفصل بين المجتمعات المتخلفه وشبه المتخلفه! فالقراءة لوحدها (قد) تطور فكر أشخاص بعينهم لكنها لن تقود لنهضة حضارية إذ لا بد من تمازج الأدوات البحثية وخلق بيئة للنقاش العلمي وتطوير مناهج التعليم لنستطيع نقل العقول من الجمود أو الجمود الجزئي إلى الحياة. ولعلنا نلاحظ في حياتنا أن هناك فارق بين المتعلم وحامل الشهادة فليس كل حامل شهادة من الثانوي إلى الدكتوراه متعلم! والعكس صحيح. المتعلم يكون قادرا على التحاور والتفكير وهمه في الغالب البحث عن الحقائق وإن كانت نسبيه وليس استعراض العضلات في الإعلام أو في شبكات التواصل الإجتماعية. المتعلم الذي كلما قابلته وجدت فيه تغير وتطور ورجوع عن آراء وتوسع في آراء أخرى أما الدارس فلا يكاد ينفك من تكرار انجاز قام به قبل عشرات السنوات ربما كرسالة للدكتوراه أو بحث كتبه ووفق فيه وهذا ظاهر عند بعض من نسميه مفكرين وأساتذه الجامعة في الكويت على الأقل!



فقد البيئة العلمية الصحيحة وغياب التحضر السلوكي وضعف القوانين ودخول السياسة في كل الأمور وعدم وجود تحفيز للمبدعين كل هذه الأمور سبب في تخلفنا وحنين من هم مثلي لدول العالم الأول! وعلى ذكر المبدعين ألا تلاحظون أن معظم المبدعين في مجتمعنا من صغار السن؟ السؤال ماذا يحدث لهم بعد عشر سنوات لماذا لا نسمع بمزيد من ابداعهم هل غاب الاعلام عن تغطيه ابداعهم أم مات الابداع بسبب الإحباط والبيئة الطارده؟ تساؤلات مشروعة لا أعرف لها جوابا!

سأستمر بالحنين لاكستر وسأستغل أول فرصة تتاح لي للعودة إليها ليس كرها في بلدي ووطني حاشا لله لكن لعدم ايماني أن الحل سيكون قريبا في بلد أعشق ترابه وسأكون أول من يساهم في تطويره إن وجدت الإراده والبيئة المناسبة لكن أن نعيش على تفاؤل غير واقعي أو أمل لا يكاد يصح أن نطلق عليه أمل فهذا مما يدمر الإنسان ذاتيا ويقتله علميا ويبعده عن انسانيته! وهنا دعوة لأصحاب القرار من سياسيين والوزاء ومدراء وغيرهم ابتعدوا عنا واتركوا المجال لمن يريد التطوير والتعليم والحضاره! أعلم أن آخر جملة تصنف من الجمل العاطفيه لكنها يجب أن تقال حتى لا ننسى فسادهم!

شوارد:

“استبقاكَ من عاتبك، وزهد فيك من استهان بسيئاتك“ ابن حزم الأندلسي









الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

ترانيم أعرابي : أرشيفنا الوطني إلى أين؟

مقال نشر لي في ١٦-٨-٢٠١٦

حياة البشر توثقها أمور عديدة؛ الكتابة والتصوير والمعالم التي يتركونها خلفهم وكذلك الروايات الشفهية، في دول الخليج أصبح التاريخ المحلي أمرا ملحوظا، فانتشرت المدونات والمواقع وحسابات "الإنستغرام" و"تويتر" في السنوات الخمس الأخيرة، بعضها هاوٍ فهو يخلط بين علم الأنساب وعلم التاريخ وهواية جمع الطوابع والصور، والبقية مدرك لأهمية التاريخ يعرف كيف يسبر أغواره، لكنه يتوقف عندما يشعر بأنه سيتجاوز القيود الاجتماعية والسياسية فيتوقف عن نشر الحقيقة ويحتفظ بوثائقه لنفسه ولخاصته. 
أما الجانب الحكومي في دول الخليج فهناك اختلاف في درجات الدخول للأرشيف وما المسموح والممنوع، وكلها تشترك في محظور واحد، وهو أن ليس من حقك أن تأخذ من الأرشيف ما تنتقد به بعض السياسات أو تصحح معلومات تاريخية غير مرغوب في تصحيحها، على الرغم من انتشار العديد من مراكز البحوث الخليجية لعل أشهرها دارة الملك عبدالعزيز، ومكتبة الديوان الأميري الكويتي، ودارة الشيخ سلطان القاسمي والأرشيف الوطني في أبوظبي وغيرها الكثير.
الوثائق اليوم صارت السبيل الوحيد للرجوع إلى الزمن الماضي، ونعني هنا بالوثائق أي كل ما كتب أو تم تصويره أو حتى رسمه، فغالب من عاشوا تلك الفترات هم في ذمة الله اليوم، ولا يمكننا الاعتماد عليهم في نقل الوقائع التاريخية أو تحليلها، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الباحثون في الكويت لحفظ التاريخ الشفوي، وعلى رأسهم المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان حفظه الله، فإنها كانت جهودا فردية لم تُبن على أسس أكاديمية علمية، وبكل أسف أقول إن جهود العم سيف في حفظ تراثنا الأدبي ضاعت كما ضاع الكثير من أرشيفنا الحكومي في وزارة الإعلام إما بسبب الغزو أو الإهمال!
منذ أن بدأت دراسة الدكتوراه في جامعة إكستر ولدي نظرة سوداوية عن مراكز البحوث والدراسات في الكويت، وهذا بسبب تجربتي السابقة معها قبل أن أخوض في الدراسة الأكاديمية، فكثير من المراكز تضع أشخاصاً غير مناسبين على مقاعد الاستقبال، هؤلاء الأشخاص يسببون بعلم أو بدون علم ضررا ثقافيا كبيرا لسمعة المراكز التي يعملون فيها من خلال عدم استقبالهم الباحثين بشكل لائق أو عدم درايتهم الكافية بما تحتويه هذه المراكز، لكن للأمانة العلمية يجب الإشادة بمركز البحوث والدراسات الكويتية خصوصا تفاعل الدكتور عبدالله الغنيم والأستاذ عبدالعزيز الخطيب، وكذلك أمين مكتبة المركز الأستاذ عبدالرحيم الطاهر، فقد بذلوا جهدهم لمساعدتي وسهلوا لي الكثير من العقبات، والشكر موصول في الوقت ذاته للعم عبدالعزيز البابطين والأستاذة سعاد العتيقي على تسهيلهما الأمر لي في تصوير ما أحتاج من أرشيفهما الكبير، فلهما الشكر والامتنان، كما أن المكتبة الوطنية والأستاذ نصار بولبقة ورابطة الأدباء وأمينها العام طلال الرميضي سهلوا لي المهمة وتعاونوا بشكل إيجابي فللجميع الشكر.
الإشكالية الكبرى التي يواجهها الباحثون في تاريخنا المحلي هي وجود العديد من الوثائق والكتب التي نفدت طبعاتها لدى بعض جامعي الأنتيك والتحف الذين يغالون في أثمانها بشكل مبالغ به جدا، فأحيانا تجد وثيقة ليس لها قيمة تاريخية بأسعار تتجاوز المئة دينار، وكتاب آخر متوافر لكن لكونه طبعة أولى يكون سعره فوق الألف دينار، وقد استفسرت من المهتمين بالمخطوطات والوثائق حول هذه الأسعار، فقال بعضهم إنها مبالغات لكن في السوق من يدفع! ما يؤلمني كباحث هو احتكار المعلومة لديهم وعدم السماح حتى بتصوير هذه الكتب أو الوثائق التي لا يمتلكها سواهم، وكما لم أعمم في في قضية مراكز البحوث في نظرتي السوداوية، فلن أعمم هنا وسأشكر أصحاب الأراشيف الخاصة والكتب النادرة الذين زودوني بما تحتاجه دراستي بكل نبل وابتسامة، منهم الباحث العم عدنان الرومي والأستاذ فهد العبدالجليل والأستاذ يحيى الكندري والأستاذ أحمد العدواني والأستاذ محمد عبدالعزيز العتيبي والأستاذ إبراهيم الجامع، وأعتذر ممن سقط اسمه سهواً من أكرمني بما عنده من كتب نادرة ووثائق.
تبقى أن أناشد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن يسعى جاهدا ويسير على خطى دارة الملك عبدالعزيز أو الأرشيف الوطني في أبوظبي، ويجمع هذا الأرشيف الوطني المميز، أو على الأقل يدعم مركز البحوث والدراسات الكويتية، حيث إنهم يبذلون جهدا كبيرا في محاولة الحفاظ على تراثنا المحلي، كما أدعو الباحثين والأسر الكويتية التي تمتلك وثائق أن يساهموا في تصويرها وإيداعها لدى مركز البحوث، فهو الجهة التي يقصدها الباحثون، وكذلك لديه آلية واضحة في التعامل معهم.
شوارد:
"أمة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها" 
لا أعرف قائلها!