الثلاثاء، 29 أغسطس، 2017

التدليس التاريخي بين أحادية الوثيقة وقدسية المقابلة

مقال نشر لي في ٣-١١-٢٠١٥ في جريدة الجريدة

التاريخ أبو العلوم وجدّها، ويكاد لا يوجد مركز للدراسات الاستراتيجية أو الهيئات الحكومية ليس من ضمن الصفوف الأولى فيه مؤرخ، نظراً لأن هذا المقال صحافي لا علمي فسأحاول اختصار الفكرة لتناسب المساحة المتاحة لي في هذا العمود، ولذلك أستميحكم العذر أيها القراء الأعزاء إن وجدتم الفكرة مقتضبة!
في الآونة الأخيرة برزت دراسات تاريخية من أكاديميين وبعض الباحثين في تاريخ الكويت خصوصاً وتاريخ الخليج عموماً يحاولون من خلاله إبراز أدوار تاريخية غير موجودة لخدمة طائفة أو طبقة أو حتى تيار سياسي معين. هذه الدراسات في غالبها اعتمدت على تحليل وثائق أعطتها قدسية عالية، وربطتها ببعض المقابلات الشفهية التاريخية، وأعطت المتحدث في هذه المقابلات نوعا من التقديس، ولكم أيها الأعزاء أن تتخيلوا سبب هذا الفعل؟
من ينكر أهمية الوثيقة التاريخية أو المقابلات الشفهية لا يعرف أبجديات علم التاريخ، إشكالي ليس مع الوثيقة بحد ذاتها لكن كل وثيقة تاريخية لها روابط معقدة مع شقيقاتها في الفترة نفسها، فإذا كانت الوثيقة مثلا مختصة بتاريخ الكويت وهي بريطانية فستكون لها وبلا شك لها أهمية، لكن ارتفاع قيمتها تزداد عند إيجاد رديف لها في الوثائق المحلية، أو ربما تزيد أهميتها عندما يتمكن الباحث من استخدام وثائق أخرى في تحليل منطقي لنقضها أو تفنيدها.
أما المقابلات الشفهية فهذه بحد ذاتها لها أسس علمية لإجرائها، وبمراجعة كتب منهجيات البحث العلمي ينجلي الغبار عن فهم أسسها، فمن المبالغات في المقابلات الشفهية أن يذكر أحدهم سكن أسرته لمدينة أو دولة قبل تأسيسها حتى! ويناقض بذلك آراء المعاصرين لذلك القرن أو تلك السنة والفارق السني بين الحدث الذي يذكره وتاريخ المقابلة أكثر من ٤٠٠ سنة، والطامة أن يطير بهذه المعلومة المدلسون أو من لا يفقهون من التاريخ إلا قشوره ويبدأون ببناء وهمٍ أكبر من وهم صاحب المقابلة.
من عجائب المقدسين لآحاد الوثائق والذاكرة أنهم يقتطعون الفترات الزمنية التي لا تناسبهم حتى تظهر قيمة الوثيقة أو المقابلة التي لديهم؛ إذ إن رسم الصورة كاملة للقارئ سيظهر ضعف الدليل الذي يستندون إليه، ومن هنا كان لزاماً عليهم في حال رغبتهم في وضع مساحيق التجميل على التدليس التاريخي أن يراهنوا على عدم إلمام القارئ بالتفاصيل الدقيقة لهذه المرحلة التاريخية، لماذا يكون هذا القطع منهم؟ وهل له علاقة بأهداف أخرى في أذهانهم غير الكتابة التاريخية؟
أنا مؤيد لدراسة جميع القضايا التاريخية دون خطوط حمراء نهائياً، ومع التأريخ للجميع دون تمييز أو تحيز، لكن في الوقت ذاته لست مع التطبيل الثقافي الذي نراه اليوم لبعض من يحملون شهادات عليا في التاريخ، إذ إن المعضلة مع حامل هذه الشهادة أنه يدرك الخطأ الذي يرتكبه لكنه في الوقت ذاته يعلم أن الخجل الاجتماعي سيمنع بعض الناس من فضحه، والمصالح الخاصة ستمنع آخرين، والجهل بالحدث سيمنع البقية، ولذلك تراه ينشر تدليسه في وسائل التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب.
النقد العلمي الهادف البعيد عن شخصية الكاتب والمتعلق بالمضمون، مطلوب تبنيه وبشدة من مراكز الأبحاث التاريخية وأقسام التاريخ في الجامعات، إذ إن سكوتهم عن مثل هذا التدليس التاريخي في بعض المواضع والسماح للمتطفلين على العلم حتى إن حازوا الشهادات العليا، يضعهم أمام محكمة ضمائرهم، ومحاكم الباحثين الجادين في قادم الأيام؛ إذ سيقال: دلس فلان وهذه المراكز لم تتحرك! ونصيحة أخيرة لنفسي أولاً ثم لبقية المهتمين بالتاريخ عامة والتاريخ المحلي خاصة ألا تجاملوا على حساب الحقيقة فالحياة قصيرة!
شوارد:
اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فرواية العلم كثيرة، ورعايته قليلة". علي بن أبي طالب.

الأربعاء، 16 أغسطس، 2017

هل للأكاديمي سمات؟

يعرف القليل من العامة، و الكثير من الخاصة، أنّي أحب مشاهدة كرة القدم، و أنيّ أشجّع فريق ريال مدريد الإسباني، و أتعصّب في تشجيعي له إذا تعصّب المتعصّبون. و على ضوء فوز ريال مدريد البارحة على غريمه التقليدي برشلونه، نشرتُ في حسابي على برنامج الإنستغرام، و في الوتس أب كذلك، مقطعًا مسجّلًا يعبّر عن فرحي بفوز النادي الذي أشجّع! ليس هذا موضوع المقال يا سادة، فموضوع المقال أنني تلقيت رسالة على الوتس أب من شخص محترم يحمل شهادة الدكتوراه في أحد العلوم، يقول لي فيها أنّ نشْر هذا المقطع ليس من سمات الأكاديميين، و أنني الآن أحمل شهادة الدكتوراه، فلا يَحْسُن بمن هم مثلي فعل ذلك! الأمر الذي دعاني للتفكير في كلامه مليًا، و سؤال نفسي: هل للأكاديميين سمات؟

قبل الإجابة على السؤال، راجعتُ نفسي كثيرًا، و راجعتُ المقطع مرارًا، علّه غاب عني مشهدٌ لا يليق بي أولًا، ثم بمتابعيّ الكرام، و فيهم خاصّتي، بل خاصّة الخاصة، و بتّ أتقلب بين نار الريبة، و برد اليقين، فأنا حريصٌ على ما أنشر حرصَ محمدٍ على دينه، و حرص الصدّيق على بتر الردة، لكنّي لم أجد ما يعيب. فلم يكن المقطع يحوي عريًا أو شتيمة، بل كانت مجرد هتافات و أهازيج و أناشيد جماعية من جماهير مدريد على المدرج تشجيعًا للاعبي الفريق و بثًا لروح الحماس و رفع الهمة.

و عودةً لصاحب الرسالة، فلئن ساءني أسلوبه الثقيل، لقد ساءني  أكثر أنّه لم يكلّف نفسه تعريف ماهية سمات الأكادميين لأناقشه، بل اكتفى بإلقاء تعليقٍ عامٍ و فضفاض، تعبيرًا عمّا يؤمن به شخصيًا. و لمّا لم أجد جوابًا واضحًا لسؤالي، بدأت بالتفكير و التفكير و التفكير حول سمات الأكاديميين، و تساءلت: هل كان يعني سمات علماء الدين التي نعرفها في مجتمعاتنا و تاريخنا الإسلامي؟ أستطيع فهم لماذا يجب على عالم الدين التورّع عن بعض ما أحل الله، و كذلك مراعاة بعض الصفات؛ لأنه في النهاية يفتي للناس في الحلال و الحرام، و لعلّ حِمْلَهُ الثقيلَ -باتّخاذه قدوةً- أَوْجبَ عليه التصرف على خلاف طبيعته، وهو أمر لا أوافق عليه الناس بكل تأكيد، لكنّي أتفهّمه، لكونه واقعًا.

نعود لفكرة السمت الأكاديمي و سمات الحاصل على الدكتوراه، و السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهني: هل ثمة فارق بين أخلاق الباحث الشخصية، و أخلاقه المهنية و الأكاديمية؟ نعم، ثمة فرق، و فرق شاسع، بلا شك، أمّا الأخلاق الشخصية فبينه و بين الله -عز و جل- ثم تأتي الناس لتزنها و تقيّمها، أمّا الأخلاق الأكاديمية فميزانها مختلف، إذْ ليس بالضرورة أن يكون الأكاديمي ذا خلق عال أو مروءة، و ربما يكون بلا شهامة و لا رجولة! فهذه الصفات، حسنةً كانت أم قبيحة، بناتُ بيئة المرء، يكتسبها منذ الصغر، و تختلف باختلاف البيئة التي ينشأ فيها، و ليس المتعلّم أكثر تهذيبًا من الأميّ، و لا المنعم بأكثر من المُعدم، و ربّ صفات نبيلة خرجت من رحم المرارة و العسر، و ربّ صفات ذميمة خرجت من رحم الترف و اليسر، بل قد يتحكم عامليْ: الفقر و الغنى في أخلاق الإنسان الأكاديمي الشخصية فيما بعد، و خاصةً في دول الخليج العربي، إذْ إنّ راتب المدرس في الجامعة من أعلى الرواتب في سلم الوظائف، و قد تشبع نفوسٌ بعد جوع، و الخير فيها دخيل، أما النفوس الجائعة بعد شبع، فالخير فيها أصيل، كما قال الإمام.

و هناك أمر آخر يُشْكِلُ على الناس في كل زمان و مكان، ألا و هو عدم التفريق بين الإنسان و عمله إلا في أحيان ضيقة جدًا! هَبْ أنك تكره صاحبَ مكتبةٍ لعبوسه و تجهّمه، فكرهك لا يعني ألّا تشتري منه، طالما يعرض أحسن الكتب و بأسعار تنافسية، فالعلاقة بينك و بين هذا الإنسان ليست علاقة زواج، و لا قرابة، و لا حتى صداقة، إنما هي علاقة عمل، و مصلحة، و قد تكون علاقة عابرة، أو سمّها ما شئت! و قد يسأل سائلٌ: و أين الدعوة إلى مكارم الأخلاق و الحث عليها؟ أليس الأوْلى بصاحب المكتبة الابتسامة حتى يجلب الزبائن إلى مكتبته؟ نعم، كلامك عين العقل و عين الصواب، لكنّ بقاءه على حاله ليس محرمًا، بل مباحًا و إنْ شابَهُ بعض الكراهة، ثمّ إنّ تدخّلك فيما هو مباحٌ له أعظم جُرْمًا من تجهمه و عبوسه، و لعل انصرافك عنه خيرٌ من مناصحته، فهو لم يستنصحك حتى تنصحه، لأن ذلك من التعدّي على خصوصيات الآخرين التي لا تعنينا. هناك فارق كبير جدًا بين النصيحة و التطفل، بين حب الخير للآخرين و جينات أشعب التي تأصلت في عقول و جوارح الكثير منا! فالنصيحة لها آدابها، و لها قواعد كذلك، و ليس هذا المقال بموضعٍ للإسهاب فيها، لكنّ أهم قاعدة -برأيي- أن يكون الناصحُ واعيًا بما ينصح، و ألّا يتكلم لأجل الكلام فقط، و إليك عزيزي المتسرع، أنا لا أتكلم عن النهي عن المنكر هنا! بل أتحدث بشكل واضح عن النصيحة و التي تجوز في أمور الدين و الدنيا، و تجوز في الحلال و المباح أيضًا!

نقطة أخرى أود أن أضيفها لمسألة الأخلاق الشخصية للباحث أو الأكاديمي، و هي أن حامل الشهادة العليا حريٌّ به أن يكون ذا خلق عال، لكونه تعلّم، و العلمُ يوسّع مدارك الإنسان، و لا يزيده إلا تواضعًا، و هذا ما نجده غالبًا عند العلماء في الشرق و الغرب من خلق رفيعٍ و سماحة. و هنا يتحتم عليّ أن أوضح أمرًا مهمًا جدًا، وهو أن لفظ العالِم -كما أفهمه- يُطلق على كل إنسان شغوفٍ بالعلم، في أي مجال أو تخصص، و يحب العلم لأجل العلم عينه، و لا يتّخذه طريقًا للوصول إلى شهرةٍ أو مال أو نفوذ، و انطلاقًا من هذه الركيزة، فليس كل دكتور أو بروفيسور بالنسبة لي عالمًا! ذلك أنّ مهنة الأستاذية أو الدكترة من المهن الطارئة المستحدثة التي ابتدعها الإنسان في عصرنا الحديث، و لا تعني بالضرورة حيازة العلم، فالحاصل على الدكتوراه هو الإنسان الذي نال إجازةً في البحث، و شهادةً تتيح له ممارسة العلم بصورة منهجية نوعًا ما، و في غضون ثلاث إلى أربع سنوات من تخرجه يُفترض أن تصبح هذه الأدوات، على قِدَمها، جزءًا من يومه!

أختم قوْلي حول مسألة أخلاق الباحث الشخصية بإضافةِ أنّ ليس كلُّ مباحٍ حرامًا، و ليس كلُّ ما تعتقده من خوارم المروءة في بلدك، قريتك، قبيلتك، طائفتك، مذهبك، ينتقص من الإنسان، فالعالم و العلم و الأخلاق ليست حكرًا على اعتقادك الضيّق، أو على ما ألفته و تعودت عليه، و ليست حصرا في تفكير والديْك اللذين ربيّاك على معايير محدّدة من الأخلاق، لكن الأصل بالنسبة لنا كوننا مسلمين هو الحلال و الحرام، و لغير المسلمين ما تعود عليه جمهور الناس و لم يجدوا فيه الخطأ الظاهر!

أما سمت الأكاديمي فأقول للصديق الذي أرسل لي رسالته: سمت الأكاديمي باختصار يا عزيزي هو أن يكتب الباحث بحوثه بصدق و أمانة، و ينسب المعلومات التي أخذها لأصحابها، و لا يسرق منها أو يحوّرها بطريقة احترافية ثم ينسبها لنفسه! سمت الأكاديمي يا عزيزي أن يشارك الآخرين ما يملك من معلومات و أفكار، و يساهم في خلق بيئة علمية خصبة تكفل للباحثين بذر بذورهم، لتطوير الحقل و الارتقاء به و إثرائه. و من سمات الأكاديمي أن يتقبل النقد العلمي البنّاء، و يشكر الناقد على نصيحته الأكاديمية و يسعى لتطوير نفسه. و من سمات الأكاديمي كذلك أن يطوّر الباحث نفسه و يعترف بتقصيره، و لو سرًا، ثم يقرأ ويقرأ ويقرأ، و ألا يكتفي بتصفيق العامة على أفكاره التي يكررها لسنوات طويلة، لكن لجمهور مختلف!

إنّ من السمت الأكاديمي ألا يكون الباحث أنانيًا يسعى لمنافسة أقرانه لمجرد المنافسة، بل ينافسهم عندما يجد القدرة و المقدرة و المادة التي تجعل من منافسته لأقرانه أحد طرق الارتقاء بالحقل الذي يعمل به. الأكاديمي الذي يملك السمت المنشود يا عزيزي يكون نزيهًا، ساعيًا للفضيلة، محايدًا، يسمع لغيره، يقيّم الحقائق ما استطاع لذلك سبيلًا، و لا يجعل من خصومة فكرية، أو شخصية، أو ربما دينية، سبيلًا له للثأر و الانتقاص من غيره! فالإنصاف عزيزٌ حتى على حملة الشهادات العليا، إلا أولي الذمم منهم!

ختامًا، ما أجمل الأكاديمي إذا جمع سمات الخير و الأخلاق الحسنة! و أضاف عليها جمال النقد و روح التنافس و رزانة العلم و رجاحة الحجة، و إليك عزيزي المتطفل، يا من تعتقد أن تطفلك هو ما يعرف في الدين باسم النصيحة! فِعْلُكَ هو نفسه فعل أشعب الذي يدخل إلى الولائم دون دعوة، و يأكل دون إذن، و يكره الناس وجوده، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أنه ذكي! و ذلك من جهله بالطبع، فإنْ كان و لا بدّ من التمثّل و التماهي، فتمثّل جحا! فهو -على كلّ ما شاع عنه من حماقة- إنسانٌ ظريفٌ في الروايات الصحيحة، و رجلٌ فاضلٌ في الروايات المثبتة!

السبت، 29 يوليو، 2017

حينما يصبح الأعرابي دكتورا!

"ألف مبروك لقد تم منحك شهادة الدكتوراه في التاريخ" عبارة انتظرتها طويلا لمدة تزيد على سبع سنوات. عادت بي الذكريات للوراء متذكرا يومي الأول الذي قدمت به إلى بريطانيا لا أحسن من الإنجليزية سوى كلمات معدودة! كتبت بعد تجربة تعلم اللغة الإنجليزية كتابا سميته أعرابي في بلاد الإنجليز

فعلا كنت ذلك الأعرابي الذي أتى إلى بلد غير بلاده! لم أجد في بريطانيا شيئا يشبه بلدي في الخير أو الشر، بلاد مختلفة تماما عما كنت معتادا عليه. أعرابي لم يؤمن به أحد لكن آمن بذاته وعرف أن الإنسان يذلل الصعوبات مهما كانت عصية، فالنفس كالفرس الأصيلة تأبى الانقياد لغير صاحبها، فما إن يضعف فارسها تجدها تجمح به محاولةً إسقاطه والتفرد بحريتها دون لجام. أعرابي وصل لبيئة علمية لم يعتد عليها، فقوانينهم الأكاديمية مختلفة جدا، وطرق التدريس والمنهجيات لم يسمع بها ولم يعرفها عندما درس البكالوريوس والماجستير في الدول العربية.


أعرابي كان على سجيته صاحب قلب أبيض يعتقد أن من يعمل في الجامعات الغربية كلهم علماء حقيقيون متناسيا أنهم بشر فيهم الصفات الحميدة والذميمة فدنيا افلاطون الفاضلة ليس لها وجود لا في الغرب ولا في الشرق. أعرابي دلف إلى حياة علمية جديدة وللوهلة الأولى أوصد أحد الحمقى الأبواب في وجهه ولم يدرك أن الأعراب لا يستسلمون، ففطرتهم تدعوهم لإعادة التجربة والترحال حتى يجدون ضالتهم.


أعرابي دخل وهمه التاريخ، ولا شيء غير التاريخ، التاريخ بحقيقته وجوهره، لا تاريخ الشكليات والكماليات التي يكتبها الكثير من المؤرخين في خليجنا العربي وللأسف. أعرابي سمع يوما بأهمية تاريخ الأفراد والناس فحاول تحريك التاريخ الراكد واتباع مدرسة التاريخ الجديد دامجا معها فهمه لمدرسة الحوليات. أعرابي أدرك بعد جهد وتفكير ووقت أن الفلسفة جزء لا يتجزأ من التاريخ وأن هيغل وفولتير وفيكو وكانط وتوينبي وغيرهم ليسوا شرا كما قيل لنا في جامعاتنا ومدراسنا من معلمين لا يحسنون فهم الروابط بين العلوم، وليس لديهم العمق الكافي في فهم منهجيات العلم كون الكثيرين منهم تلقنوا العلم تلقينا ولم يتعلموه ويمسكوا آلاته.


أعرابي وجد مجتمعا سلبيا من الأعراب حوله في بلاد صاحبة الجلالة، همّ بعضهم، إن لم يكن الكثير منهم، لقب الدكتور وصورة حفل التخرج. أعرابي صدمته سلبية بني جلدته وسوداوية نظرتهم وطموحهم، صدمه أيضا تعليق فشلهم على عنصرية الغرب واحتقارهم لنا كأعراب وربما طمعهم في مالنا دون أن ينتقدوا طريقة تفكيرهم وحياتهم الاستهلاكية حتى في الدراسة والعلم! أعرابي أدرك أن التعميم خطأ، فبحث وبحث عن أعراب يشاركونه همَّ العلم لذات العلم، وبعد جهد وتجربة ووقت وَجَدَهُم وتمسك بهم. أعرابي لم يعد يرفض الجديد لمجرد الرفض، بل صار يفكر في العلاقة الجديد وما يعرف ويحاول تعلمه مدركا أن التصدر في بلداننا وأقل منه في بلدان بني الأصفر لا يكون في الغالب عن جدارة بل عن علاقات وشبكات اجتماعية.


أعرابي عرف أنه حتى في الغرب هناك مجموعات، lobbies، تحارب الجديد وتحابي من يساند أفكارهم ويطورها ويمدح إسهاماتهم العلمية. أعرابي أدرك أن لا علاقة بين الهوية والجنسية والجنس واللون في العلم، فحياة العالم الشخصية أمر مختلف ومنفصل عن إسهامه العلمي. أعرابي استوعب أن ما يكرره الباحثون ليس شرطا أن يكون صحيحا، لذا كان لزاما عليه أن يعيد قراءة المصادر والمراجع ويبحث بنفسه أملا بأن يجد أفكارا جديدة وقد كان له ما أراد. أعرابي فهم أن الدنيا ليست كما يصورها الناس، فهذه الصور هي تجاربهم لا أكثر وقد يجدها في تجربته هو أو يعيش غيرها.


أعرابي آمن بأن الله على كل شيء قدير، وأن بيده مفاتيح كل شيء، لكن في الوقت ذاته، لله نواميس وقوانين في هذا الكون على الناس أن تتبعها، فالمتواكل لن يصل إلا أن يشاء الله ذلك! أعرابي علمته الحياة أن القلق من المستقبل أمر غير محمود لأن العمل أساس كل شيء فمن جدّ وجد ومن زرع واهتم بزرعه لا شك سيحصد. أعرابي علمته تجربته أن الكثير من شعوب الخليج تفكيرهم في المادة والتصدر الاجتماعي أكبر من تفكيرهم في العلم وتطويره، وأن هذا جزء من مشكلة أكبر، بعضهم فهمها ولم يتحرك والآخر لم يهتد لرؤيتها بعد!


"رسالتك إسهام جديد وإثراء لما كُتب في تاريخ الخليج وتاريخ الناس فيه واتمنى أن أُشاهد هذه الرسالة مطبوعة في كتاب!" إطراء وصلني من برفسور إسرائيلي هو المختبِر الداخلي إيلان بابيه Ilan Pape، هو أحد من اختبرني، فسبحان الله كيف جعل إطراء مؤرخ إسرائيلي عظيم مثله مدحا بالرغم من كامل إيمانه بقضية فلسطين التي يدافع عنها بضراوة واضعا على باب مكتبه عبارة " لا عودة إلا بحق العودة". "أنت وبعض الشباب ممن التقيت سيكون لكم شأن في إعادة كتابة تاريخ الخليج" ثناء مشرفي وصديقي الذي ساندني في جميع مراحل دراستي علميا ومعنويا، وكان مؤمنا بقدراتي يومَ رفضني غيره بحجة ضعف اللغة الإنجليزية! Valeri Marc مارك فاليري أنا ممتن لك جدا فأنت أعرابي مثلي لكنك ولدت في فرنسا! والشكر موصول للمختبر الخارجي الدكتور عبد الله با عبود الذي وجدت منه الثناء على ما كتبت.


يا أيها الأعراب أنتم أمة عظيمة لكن الكسل نال منها، والسطحية دخلت مناهجها التعليمية، والاستهلاكية تعمقت في تفكيرها، ورفض الآخر أصبح نمطا في حياتها، والتقديس غير المُسَوَّغ سلوك بعض علمائها ومثقفيها. أنتم جزء من خير أمة أخرجت للناس، ومن أعلى الناس هِمَماً والتاريخ يشهد لكم. وأنت أيها الأعرابي الطموح لا تدع تثبيط من حولك يقتل طموحك، وثق أن حسن التدبير والتخطيط والصبر وطول الأناة يوصلونك بعد توفيق الله لهدفك، وأنا مثال على ذلك! فمِن أعرابي لا يحسن من الإنجليزية شيئا إلى أعرابي يحمل شهادة في الدكتوراه!


شوارد:

يقول من لا أعرف!

"تجاهل الناس الذين يرددون مستحيل"


الثلاثاء، 11 يوليو، 2017

بين مسجد المطبه وبيان الجمعية التراثية هل يضيع التاريخ؟

بلا شك أن تأسيس الجمعية الكويتية للتراث خطوة للأمام في الحفاظ على تراثنا الكويتي. والمفرح في تأسيس هذه الجمعية أن فيها من المؤسسين مجموعة كبيرة من حملة لواء الحفاظ على التراث الكويتي ولديهم مخزون كبير من هذا التراث. والأجمل في هذا الأمر كله أن جهودهم التي كانت فردية في حفظ التراث تمأسست وصارت عملا جماعيا يشار له بالبنان.



ولكن لكل شيء نقص وفي كل أمر عيب والكمال لله وحده سبحانه، وأنا أكتب هذا المقال من أجل التراث والتاريخ الكويتي فقط. هذا المقال للتعليق على ما ورد في بيان الجمعية يوم الإثنين الموافق ١٠-٧-٢٠١٦ بخصوص الحل الذي توصلت له عائلة الشملان والحكومة في اعطاء مساحة جديدة للمسجد مقابل هدمه. وقد ذكر بيان الجمعية نقاطا عديدة أرغب في تفنيدها والرد عليها. فالأمر بالنسبة لي وربما لغيري لا يتعلق بعائلة الشملان الكريمة لوحدها بل هو تراث كويتي ينبغي المحافظة عليه فيكفينا ما نالنا من هدم وضياع هوية منذ ١٩٥٧ عندما هدم سور الكويت وتبع ذلك هدم المدينة القديمة معالم كويت الماضي التي لم يبق منها سوى المقابر والمساجد في الغالب!




قضية مسجد الشملان (المطبه) ليست قضية جديدة أبدا فقد كانت هناك محاولات لهدم مسجد الساير والمطبه وقد انشأت أنا  صفحة في الفيس بوك منذ سنة ٢٠١٠ تحمل عنوان لا لهدم مسجد الساير والمطبه. فتطوير الدائري الأول كان قد وقع منذ وقت طويل وبفضل الله تم الحفاظ على مسجد الساير لكن للأسف سينال الهدم مسجد المطبه الذي بني ١٨٩٣ كما يذكر الباحث عدنان الرومي في كتابه مساجد الكويت القديمة ويشير الرومي إلى أن المسجد تم ترميمه مرتين المرة الأولى في عام ١٩٤٧ والثانية في عام ١٩٦٥. 




بيان الجمعية الكويتية للتراث يقول ما نصه " ... أن المسجد المقام حاليا تم تجديده قريبا بالكامل في ستينيات القرن الماضي وبالتالي فهو ليس المسجد الأصلي... " الغريب أن يصدر عن الجمعية مثل هذا التبرير والأمر هنا سوف أناقشه من ثلاثة زوايا:




أولا حسب معرفتي واتصالاتي بالأمانة العامة للأوقاف أن جميع المساجد التراثية تم عمل رفع لها ويوجد لها مخططات تفصيلية حتى الشروخ التي في الحيطان تم تحديدها ولم يهدم سوى مسجد واحد أو مسجدين، حسب مصدري، وتم تصوير المساجد خلال مرحلة الترميم علما بأنه تم الاستعانة بخبير من الأمم المتحده متخصص بالمباني القديمة. هذا ما وردني في قضية تراثية المسجد فإن لم يكن مسجد المطبة أحد المسجدين اللذين هدما فهو قد رمم على اساسه وأتمنى من الأمانة العامة للأوقاف اصدار بيان رسمي يوضح تراثية هذه المساجد من هدمها فترك الأمر على عواهنه أمر محير ويترك للظنون مجال أن تأخذ من الناس والباحثين مأخذها. ثم إن هذا الأمر أحد مسؤوليات الأمانه العامة للأوقاف وأتمنى أن نرى منها بيانا واضحا يتعلق في هذا الأمر. أعيد ما بدأت به هذه الفقرة، ما ذكرته من معلومات هي معلومات حصلت عليها ولم أطلع على أوراقها وأتمنى من الأمانه العامة للأوقاف تبيان الأمر وتوضيحه.




القضية الثانية لو سلمنا جدلا بإعادة بناء المسجد في عام ١٩٦٥ هذا أيضا مفهوم مخالف لمفهوم الحفاظ على التراث الصادر بمرسوم أميري رقم ١١ لسنة ١٩٦٠ بقانون الآثار في الفقرة الثالثة تحديدا يقول ما نصه:




 "كل ما صنعه الإنسان أو أنتجه أو شيده قبل أربعين سنة ميلادية، يعتبر من الآثار الواجب دراستها وتسجيلها، وصيانة ما تجدر صيانته منها" فمن تاريخ التجديد الى اليوم يكون قد مضى على بناء (تجديد / ترميم) المسجد ٥٢ عاما بالتمام والكمال.


القضية الثالثة هي هل نقل المسجد إلى مكان جديد سينقل المطبه وذكرياتها ؟ هل سيكون مسجد الشملان الجديد في نفس الشكل والطريقة التي بنى عليها في الماضي؟ وحتى إن نقل في منطقة المطبه ذاتها فهل عجزت العقول الهندسية عن ايجاد حل لعدم نقل المسجد؟ نعم كلنا يريد تطوير البلاد لكن هدم السور والمدينة القديمة في الخمسينيات كان بقصد التطوير أيضا.

 والسؤال الذي لا أعرف جوابه هل فعلا الموافقة على هدم ونقل المسجد مرتبطة بأسرة الشملان أمر بالتراث الكويتي فهذا مسجد وليس ديوانا أو مكانا تجاريا أو قصرا يكون لهم لوحدهم حق الانتفاع به. ولذلك أتمنى من الأمانة العامة للأوقاف توضيح ما اذا كانت أرض المسجد وقفا أم ملكا لأسرة الشملان. فالباحث عدنان الرومي يذكر في كتابه مساجد الكويت القديمة أن المسجد بناه شملان من ماله الخاص بمساعدة آخرين ولكن لا أدري إن كانت أرض المسجد وقفا أم لا. فشملان رحمه الله تعالى رمز للكرم والجود وهو صاحب مدرسة السعادة للأيتام وصاحب الأيادي البيضاء التي لا زال التاريخ يذكرها. فإن كانت الأرض وقفا فلماذا لا تلجأ الأمانة العامة للقضاء بدل التسوية؟ 

أتمنى من كل قلبي تدخل جمعية المحامين للنظر في القضية من زاوية قانونية بحته فإن كان في المستطاع وقف هدم المسجد قانونيا فليتهم يتحملون مسؤوليتهم الوطنية والتاريخية ويتخذون اجراءات قانونية تمنع الشركة المنفذه من هدم جزء من تراث الكويت. كما أتمنى من أخواني في الجمعية الكويتية للتراث إعادة وجهة نظرهم في بيانهم والعمل على منع تنفيذ الهدم. وقد شاهدنا جميعا كيف أن أهل الكويت تفاعلوا في السنة الماضية في قضية هدم المسجد فهو أمر يتعلق بالهوية الوطنية لا بأسرة معينه في الكويت.

هذا المقال من أجل التاريخ ومن أجل تعليق الجرس وكذلك من أجل تشجيع المسؤولين في اتخاذ قرار في ايقاف العبث في تراثنا وهدمه فالدول والشعوب بدون تراث تصبح بلا هويه!

الاثنين، 3 يوليو، 2017

فلسفة ومناهج أم استعراض عضلات؟

منذ دخول تويتر إلى حياتنا كخليجيين وأنا أفكر فيه كمصدر رئيسي لتطوير فكر الشعب العربي والخليجي بشكل خاص. لكنني مع مرور الوقت بدأ الإيمان عندي يزيد بأن تويتر صار انعكاسا للواقع الخليجي الذي نعيشه في كل يوم. في هذا المقال ، وهذه نصيحة للقارئ المندفع، أنا أناقش وجهة نظري في مؤرخي الخليج تحديدا والعالم العربي بشكل أقل. أعيد هدف المقال بعبارة أخرى، أنا هنا لا أحاول التنظير إنما أحاول وضع اصبعي على الجرح الذي قد يؤلم البعض كما أنني أحاول تشجيع الفلاسفة والمنظرين على نقد العقل الخليجي!

قبل أيام شاهدت حوارا بين رجلين لهما اهتمام بالتاريخ، كلاهما حافظ للوثائق وأماكن المعلومات وكلاهما أيضا له اطلاع لا بأس به على المخطوطات والكتب لكن يعيب الرجل الأول أنه بدأ في مرحلة دراسة الماجستير. نعم أعني ما أقول بداية الدراسة والعلم قد تكون أمرا سيئا لمن لا يدرك قيمة العلم لذاته. حتى أفسر أكثر هناك ثلاث أنواع من الباحثين الخليجين والعرب وغيرهم قابلتهم في حياتي حتى اللحظة النوع الأول الذي يريد أن يحصل على الشهادات العليا للوظيفة فهو يحصل على الماجستير والدكتوراه من أجل راتب أعلى وساعات عمل أسهل. أما النوع الثاني فهو نوع صاحبنا وهو الذي يريد العلم حتى يتميز عن غيره، وغيره هنا تعني عوام الناس والمهتمين لا أهل التخصص فهو يريد جذب الأضواء لنفسه من أجل أغراض خاصة به وهنا قد يجمع صاحب النوع الثاني طموح النوع الأول بالاضافة إلى ما ذكرنا.

النوع الثالث وهو قليل في المشرق والمغرب هو الذي يبحث عن العلم لأجل العلم ويفتش في المعرفة ليزداد يقينا بأن ما يجهله أكثر مما يعرفه. قد كنت أظن أن مفهوم التواضع عند العلماء محصور في حضارتنا الإسلامية وجزء من ديننا حتى شاهدت محاضرة لأحد أعظم علماء وفلاسفة هذا القرن نعوم تشومسكي يقدم فيها نصائح ومن ضمن النصائح قوله بتصرف " ثق تماما أنك كلما علمت كلما زادت معرفتك بأن جهلك أكبر!". والأمثلة كثيرة وكثيرة جدا في حضارتنا الإسلامية وعلمائنا اليوم في الأمتين العربية والإسلامية وهذا الإستدراك لمن يرفض أي شيء قادم من الغرب!

نعود لأصحاب القصة، صاحبنا الأول الذي بدأ دراسة الماجستير يبدو أنه قد أخذ محاضرة عن منهجيات التاريخ قبل أن يبدأ نقاشه مع الطرف الآخر فكان مما قاله لخصمه ما هي المنهجية التي تفترضها؟ وهل استخدمت منهجية معينة في رفضك؟ هذه الكلمة شدت انتباهي فأنا متابع للرجل منذ فترة وما عهدته إلا وصفيا ناقلا من بطون الكتب وفي أحيان يخفي بعض المعلومات التي يمكن أن تؤدي بالمتابعين له للإنسحاب لأنها مست قبائلهم أو دولهم أو بعض من مات من حكامهم. رجعت فقرأت كامل الحوار بينها ووجدت أن اقحام المنهجية في خلاف على صحة معلومة أمر غير دقيق. كلا الرجلين متمسك بحقيقة تاريخية قرأها ويعتقد صوابها وكلاهما أيضا استقى معلوماته من كتب مطبوعة حديثا وكلاهما أيضا يتهم الآخر بعدم الموضوعية في الطرح فأي منهجية يجب أن تناقش هنا؟

لمحمد عابد الجابري رحمه الله هذا الفليسوف العظيم مقولة جميلة "نحن "أي العرب" تحولنا من كائنات لها تراث إلى كائنات تراثية" معنى ذلك أننا نقلنا التاريخ من أساسه الصحيح الذي بنت عليه مدارس تاريخية كثيرة فلسفاتها منذ عصر هيرودوت المؤرخ الاغريقي إلى يومنا هذا إلى اساس هش. جعلنا التاريخ الذي وإن اختلفنا في تفسيره وتحليله ، فلن نختلف أننا لا نعيش فيه! الرجلين تحولا إلى كائنات تراثية تدافع عن التاريخ وكأنه واقعها اليوم بل أكثر من ذلك تستدعي النصوص التاريخية لمساندة خلاف سياسي طارئ ! نعم لا أنكر أن استخدام التاريخ في استشراف المستقبل وتحليل الحاضر أمر أنا مؤمن به ومارسته ، لكن أن نستدعي النصوص فقط ونعيشها وكأننا جزء منها فهذا الذي يستغرب منه العقلاء!

قلة قليلة في الخليج العربي تمارس التاريخ عن فلسفة ومنهجية ، نعم أقولها وأنا ممن يعاني من نقص في هذا المجال أحاول ستره بتعلم ما ينفعني وتطوير ذاتي في المجال النقدي والفلسفي  والمنهجي التاريخي وغيره. هناك من الأصدقاء الحاصلين على شهادات الدكتوراه حينما تناقشه في المنهجيات المتعلقة في بحثه يجيبك بوضوح وشفافية لكن حينما تسأله سؤالا نقديا أو استشكاليا خارج اطار المدرسة أو المنهجية التي يستخدمها تجده يتلعثم ويحاول الإجابة بإجابات عامه أو يتفلسف عن جهل! أنا مدين لأصدقائي الدكتور بدر القلاف والدكتور حامد السهو بالكثير في قضايا المنهجية رغم اختلاف تخصصاتنا. هذان الرجلان كانا يسألاني أسئلة دقيقة في منهجيتي البحثية وكنت انحرج ولا أجد جوابا حتى دفعوني دفعا للبحث عن اجابات ترد على تساؤلاتهم. وقد قرأت مرة "المؤرخ مطالب بالخروج من ضيق التخصص إلى عام المعرفة".

حتى نفهم التاريخ علينا أن نفهم الفلسفة وعلم الاجتماع وفي أحيان الاقتصاد وعلم النفس وربما اللغة والفقة والفكر! البشر الذين عاشوا في زمانهم لم يكونوا فقط كما نقل لنا! ولو كان الأمر كذلك لما تنوعت المدارس التاريخية بين مركز على الأفراد وساع للبحث في الثقافة وتقليدي يؤرخ للثالوث المقدس حتى اليوم الاقتصاد والسلطان والدين!

كنت أجهل أهمية الفلسفة في فهم التاريخ حتى بدأت اقرأ في كتب الفلسفة التاريخية والمناهج البحثية فوجدت أن الفلسفة في التاريخ دورها التعرف على الذات المفكرة وليس الموضوع المفكر فيه فقط، يقول المؤرخ التونسي الهادي التيمومي " المؤرخ ليس بإمكانه التعرف على المنطق الموضوعي للظواهر الإجتماعية وإنما على العقل البشري بواسطة ذاتيته".

بدأت في القراءة في فلسفة التاريخ قبل عدة أشهر وكنت أحسب أنني بعد حصولي على شهادة الدكتوراه سأتصدر المجالس لأنني دكتور في التاريخ! لكنني اكتشفت من قراءة سير فلاسفة التاريخ ورواده أن التصدر لا يزال بعيدا وأن من أراد التصدر والبقاء في الصدارة عليه أن يحفر كرسيه في صخور المعرفة والحفر لا يأتي دون تركيز وجهد وعرق! النظرة للتاريخ الخليجي تحديدا والعربي بشكل عام يجب أن تتغير، لن اتفاءل وأقول لنؤسس مدرسة جديدة في الفلسفة والنقد التاريخي ولكني أقول لنمهد للأجيال القادمة مثل هذه المدرسة وليتنا نخرج من تقديس التاريخ والأشخاص والأحداث ونستعيض بدلا عنها بالحوار معها في البداية ثم تحليلها ونقدها وربما تطويرها! ولنتعلم المصطلحات العميقة دون الاعتماد على ويكيبيديا أو المعاجم لكن لنقرأ أصول المصطلحات حتى ندركها ونستدرك عليها، فما ساد الجهل المركب في أمة إلا أصبحت مثلنا!

شوارد:
"يولد الرجال متساوين مهما اختلف تاريخ ميلادهم ، لكن الفضائل تصنع الفروق فيما بينهم"

تنسب لفولتير!


الثلاثاء، 23 مايو، 2017

النقد والتطوير لماذا ننفر منه؟



في يوليو من عام ٢٠١٦ قدمت ورقة في مؤتمر جامعة اكستر حول العلاقات الكويتية الزبيرية
وكان نموذجي هو عبدالعزيز الرشيد رحمه الله. وقد قرر القائمون على المؤتمر طباعة كتاب يحتوي على الورقات العلمية التي قدمت فيه على شكل فصول لهذا الكتاب.

تحمست كثيرا لفكرة الكتاب خصوصا وأن لغة الكتاب هي اللغة الإنجليزية وقليلة هي الكتابات التخصصية في تاريخ الكويت وأقصد بالكتابات التخصصية هي الكتابات في مواضيع ثقافية واجتماعية تتعلق بتاريخ الكويت أما ما كتب عن تاريخ السياسة في الكويت فهو كثير جدا. لعلك عزيزي القارئ تتساءل وما شأننا نحن بقضية نشرك ومشاركتك في المؤتمر أم هي دعاية مجانية لنفسك؟ والحقيقة أن هذا الفصل هو الذي أتى بفكرة المقال لأنه بعد اعادة الفصل لي من مُحكميّن وجدت اشاده لكنني أيضا وجدت الكثير من الملاحظات التي وضعها هذان المحكمان بعضها جوهري وبعضها شكلي لكن المهم أنني وجدت ثقلا كبيرا في نفسي وحسنا فعلوا عندما لم يظهروا أسماء من راجع الفصل.

عندما قرأت النقد لأول مره شعرت بنوع من الحنق والضيق، كيف لهؤلاء الذين انتقدوا أن يفهموا هذا البحث الدقيق في تاريخ الكويت وكيف لهم أن يقيموا عملي؟ في الكثير من الأحيان كانت تعليقاتهم نرجو التوضيح هنا أو من هو هذا العالم أو ذاك. قررت بعد قراءة الرد لأول مرة ألا أرسل الفصل من جديد لهم بعد التعديل فكيف لي أن اتعامل مع من لا يحسن فهم عملي؟ بعد يومين بدأت أفكر وأراجع نفسي هل فعلا كان عملي كاملا؟ وهل رأي الذين اعطوا ملاحظاتهم لا يهم؟ ولماذا يكتبون بطريقة نقدية وأنا اعتبرها هجومية؟ ولماذا يهاجمونني هل يعرفونني أصلا؟

بدأت الفكرة تكبر في عقلي وصرت أتتبع طريقة كتابتي لبحثي هذا ووجدت أنني فعلا كنت مقصرا! في الحقيقة رغم معرفتي بأن الموضوع ليس واضحا في ذهنية الغرب وفيه صعوبة على المتخصص منهم لأنه يتحدث عن زاوية من زوايا تاريخ الكويت لكنني في حقيقة الأمر كتبته دون توضيحات كثيره. ما أقصده مثلا عندما أتكلم عن الفروقات في العقيدة الإسلامية بين الأشاعره وأهل الحديث وغيرهم لا أوضح لغير المتخصص ما أقصد بالضبط ولا أوضح ما هي الفروقات بشكل دقيق. وهذا مثال من أمثلة أخرى خصوصا في عدم التعريف بالكثير من الأعلام عندي والمجهولين عند القارئ! فمثلي كمثل الطاهي الذي أحضر مكونات الوجبة وطبخها على نار هادئة لكنه لم يحسن عرضها وتزيينها وكان ذلك سببا في عدم اقبال الزبائن عليها، فالأفكار كالأطباق متى ما أحسنا تقديمها وعرضها وجدنا إقبالا أكثر عليها.

الأمر الثاني الذي لم أحسن فعله هو أنني كتبت باللغة الإنجليزية لكن بعقلية الأكاديمي العربي. فنحن في التاريخ نميل كعرب لسرد الأحداث وحشد المصادر والنصوص وبعضها ليس له علاقة مباشرة في موضوع البحث بينما طريقة الكتابة الأكاديمية الغربية هو كتابة ما يتعلق بالفكرة دون اسهاب مقل أو ايجاز مضر. لذلك كانت كثرة التعليقات كانت لعدم فهمهم ما هو الرابط بين هذه الفقرة والفكرة العامة أو هذا الاستطراد والفصل بذاته. عندما قرأت الملاحظات شعرت بأن النقد يقول "أنت لست عميقا" لكنني اكتشفت أن مفهوم العمق مختلف بين المدارس الفكرية والتاريخية ومكان ومحل نشر العمل الأكاديمي!

مفهوم العمق في ذهني على الأقل هو أن أكتب شيئا مختلفا وأن أصل لفكرة فريدة لم يسبقني لها أحد أو ربما سبقني لها قله قليلة! لكن مفهوم العمق عند الكثيرين شيء مختلف نوعا ما فقد يكون العمق في ربط الأفكار بطريقة منهجية واضحة وفي أحيان أخرى شرح المفاهيم بصورة أوضح ومرات كثيرة في تبرير سبب اختيار الموضوع وطريقة ربطه بأحداث، أفكار، مواضيع سابقة. هذا العمق وجدت أن الكثيرين من الباحثين في التاريخ الخليجي الذين درسوا ويرغبون في نشر مقالات أو كتب باللغة الانجليزية يعانون منه، وأنا منهم، فمن كان مثل حالتي درس البكالوريوس والماجستير في بلاد العرب ثم ذهب ليدرس في الغرب الدكتوراه يجد هذه الصعوبة لاختلاف طرق التدريس والمنهجيات في التعليم.

في عالمنا العربي اعتدنا على تقديم أقل الجهد والحصول على أكبر المدائح في الكثير من الأحيان، بل أذكر عندما كنت في مرحلة البكالوريوس كان بعض الطلاب يشترون بحوثا مكتوبه ويحصلون على درجات مرتفعه وهذا أصل عند البعض أن نقدك لعملي يعني هجومك الشخصي علي. في الغرب الأمر مختلف نوعا ما هم يدفعون الطالب لتعلم ثقافة النقد ويطالبونه بأن ينتقد ويوضح القصور في الأفكار السابقة ويحلل أسباب ذلك ويربط ما بين فكرة وأخرى بل هم يحاربون السرد محاربة كبيرة. مثل هذه الخطوات أخرجت منهم أشخاص طردوا فكرة التقديس من عقولهم وصاروا يتمردون بشكل علمي وعملي على أفكار سبقتهم ويطورون تلك الأفكار وفي بعض الأحيان يخرجون بمدارس فكرية جديدة. بكل تأكيد أنا لا أعمم أن الغرب كلهم على هذه الشاكله! لكنني أقول أن مثل هذه الثقافة موجودة عندهم في المدارس والجامعات وفي حياتهم الخاصة.

النقد شيء رائع إذا كان من متخصص وكان من أجل تطوير وتنمية وتعديل الأفكار أو السلوك، في أحيان كثيرة أفكر في فكرة النصيحة في ديننا الإسلامي وأراها مشابهه للنقد فالنصيحة تكون هدية للأخرين لتطوير أنفسهم وهي كذلك من وسائل تطور المجتمع لأن الإسلام أوجبها للجميع ومن الجميع.


شوارد:

"رحم الله من أهدى إلي عيوبي"

عمر بن الخطاب