
صاحب الشجرة المظلومة
في الغربة مواقف كثيرة بعضها يرسخ في ذاكرتنا وذكريات أخرى لا نكاد نذكرها ، ذكرياتنا الراسخة سببها جمال الموقف وقوة الأحاسيس فيه وحبنا له وكذلك أبطال الموقف ومواقفهم منه ومنا ، والشجرة المظلومة هي أحد المواقف التي رسخت في عقلي ولم تغب عن خيالي كثيرا وكلما جلست للتأمل في حديقة ارتسمت على شفتاي ابتسامة سببها موقفي مع صاحب الشجرة المظلومة.
رجل في بداية حياته قطري الهوا والنشأة يحب بلده كما يحب عالمه الإسلامي ، اجتماعي متواصل يحب الخير وكذلك مندفع في علاقاته ربما لكونه لم يكمل ال19 في ذلك الوقت تعجبني شخصيته كثيرا فهو لا يتحرج من العلم ويحب الدين ويتمسك به في الغربة رغم أن الكثيرين يتساهلون هناك ، زال عجبي من شخصيته التي تسبق عمره عندما سمعت تحيه أقرانه من أهل قطر له وسؤاله عن والده فانكشف المستور وبان الخافي والده من أصحاب العلم وهو دكتور متخصص في الشريعة في جامعة قطر وكذلك الرجل سليل أسرة وجيهة لها الريادة والسيادة على قبيلتها.
عبد الله هو أسم صاحب الشجرة المظلومة كنت أسير معه متجهان إلى المكتبة للدراسة وكان فصل الخريف قد حل وللخريف جمال في أوربا إذ أنك تتأمل سقوط أوراق الأشجار بشكل كبير وجميل ، قبل الوصول إلى الجامعة ومن ثم إلى المكتبة نمر بحديقة صغيرة ليست كحديقتنا التي جلست فيها مع المتصوف السلفي ، فهذه الحديقة فيها أشجار قليلة وكذلك هى مأوى للمتشردين الذين لا سكن لهم أو ما يعرف في مصطلحهم بالhomeless ، وهم أشخاص مرعبون نسائهم ورجالهم عليهم سمات الرعونة والتهور ودائما ما يشربون الخمر ويكونون خارج نطاق تغطية عقولهم ، ليسوا مسالمين ولكنهم لا يجرئون على التعدي عليك بما أنك في نطاق كاميرات المراقبة ولكن لن يتركك بعضهم في حالك إن وجدوك في زقاق أو مكان مظلم.
نعود للحديقة كنا نسير والأشجار أمامنا عارية من الورق لا تكاد تجد فيها شيئا سألت عبد الله ماذا تعني لك هذه الأشجار فقال لي أتعني هذه الأخشاب الواقفة أرى أن تقطع ويستفيد الناس من حطبها ولا تترك هنا تنثر أوراقها الوسخة في الحديقة وتعيق الروية يا أخي أي منظر تراه فيها إنها والله تشعرني بالحنق والضيق عند رؤيتها.
تبسمت وعندها بادرني بسؤال مستفز هل قلت لك ما يضحكك أم أنك تستخف بي، أجبته بكلام لستيفن كوفي يقول فيه نحن نعتقد أننا نرى العالم كما هو .. لكننا في الحقيقة نراه وفقاً لوجهة نظرنا فقط ، يا عزيزي الشجرة الأن في مرحلة السكون والتفكير والتأمل هل الآن تنتظر الفرصة لكي تعود جميلة كما كانت أنا أرى فيها مأوى للطيور وأعشاشها ومنظرا جميلا للناظرين ومكانا يحتمي الناس به من المطر لماذا نغفل جمالها على مدى السنة وننظر لبشاعتها الآن فقط.
قلت له أشعر أن هذه الأوراق تنادي تصرخ قائلة ما أغربكم يا بني البشر تريدون كل شيء كما تشتهون لماذا لا تفكرون في حال الآخرين من يجلس على عرش المجد والجمال دائما لا أحد للحياة دوره كلنا ندخلها نحن عندما نسقط عن الغصن نفسح المجال للآخرين أن يأخذوا حقهم في الحياة أما أنتم فتتشبثون في الحياة حتى لو يبستم ولا تتركون غيركم يحيا ،سقوطنا عن الغصن لا يعني النهاية بل هو بداية حياة جديدة نستطيع من خلالها أن نرى جانبا آخر من جوانب هذا العالم نطير مع الرياح من مكان لآخر أو يعاد تصنيعنا والإستفادة منا أما أنتم فلا تريدون إلا أن تكونوا كما تريدون التجربة والتغيير صعب على نفوسكم والتضحية من أجل الآخرين ليست في قواميس الكثير منكم.
ليتكم يا بني البشر تنفضون غبار الحزن والسلبية عن عيونكم، وتحاولون توجيه دفه الحياة نحو ما تريدون دون إغفال الظروف التي تمرون بها ، لا تغفلوا عن مقولة لطالما سمعناها منكم: كن جميلا ترى الوجود جميلاً.
توالت الأيام والشهور وصادف أن اجتمعت مع صاحبي الذي ظلم الشجرة فقلت له ما الذي تراه في الشجرة الآن طأطأ رأسه خجلا مما قاله عنها وهمس قائلا أرى أن الحياة أوسع وأجمل من أوراق الأشجار التي تسقط بل النظرة السلبية لا تأتي على الإنسان إلا بالضيق وعدم فهم الأمور على حقيقتها فالدنيا أوسع من العالم الصغير الذي نعيش فيه ، للنزع الأثقال التي نجبر أنفسنا على حملها ونحن نعلم أن لا فائدة منها ، لماذا لا نحاول أن نجرب المفيد من الأمور فمن غير المعقول ولا المنطقي أن كل ما نراه هو الصحيح ولا صحيح غيره ، الدنيا أرحب وأوسع من أن نضيقها بالعباءة التي نرتديها، نحن نعلم هذا الأمر ولكننا لا نريد أن نجربه إما لكسل أو خوف وربما تردد ، يقول الشيخ (علي الطنطاوي) "نحن لا ينقصنا العلم، بل ينقصنا الشروع في العمل بما نعلم. إن كل واحد منا يعلم أن الكذب شر والصدق خير، وكل واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً وأن صلة الرحم من الواجبات، وأن الغش والظلم والعدوان من أسباب غضب الله، ولكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه. هذا هو المرض الذي طالما أضاع علينا أموالاً ومكاسب وخيرات ومنافع وأفقدنا الدنيا والدين".
للنظر للحياة بنظر أكثر شمولية وواقعية ولنكن كعبدالله الذي رأي الفارق بعينه ولم يحاول ان يحجب الحقيقة بمنخل كما يفعل الكثيرون.


