الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

التاريخ الراكد في خليجنا الكبير!

خلال قرائتي لكتب المنهجيات التاريخية وجدت مصطلحا لعله مصطلح دقيق يسمى ب "التاريخ الراكد" وبحثت في محرك البحث قوقل وسألت بعض الأصدقاء ممن يشاركونني محبة التاريخ وبعضهم يشاطرونني الرغبة في تعلم واتقان المنهجيات وفلسفة التاريخ عن معنى هذا المفهوم لكن للأسف لم أجد عندهم أي معلومات تعطيني فهما كاملا ًوعميقا لمعنى التاريخ الراكد. فرجعت لمن يتقن الفرنسية والعربية والإنجليزية وغيرها من اللغات وهو الصديق العزيز الدكتور اسماعيل لوبر وساعدني مشكورا على ترجمة المصطلح الفرنسي "L'histoire immobile" إلى الإنجليزية "Motionless history" ووجدت بعض المقالات التي تتحدث عنه لكنني لم اطلع عليها بعد. 

استخدامي للمصطلح هنا بمعنى قد يكون مختلفا عن استخدام الفرنسيين له لكوني لا أعرف معناه ولا استخداماته ولم اطلع على ما كتب عنه في منهجيات البحث التاريخي وأطلب من القراء تكرما أن يفيدوني إن كان أحدهم يعرف كيف استخدمت مدرسة الحوليات الفرنسية مصطلح التاريخ الراكد.

 " التاريخ الراكد" في هذا المقال سيكون بترجمة حرفية له من العربية أي تاريخ المعلومات التي لم تطرق والمواضيع التي صارت آسنة راكده. ربما لم تتحرك هذه المواضيع وحجبت عن نظر الباحثين لأسباب عديدة منها: (١) صعوبة الحصول على الوثائق والمصادر، (٢) موت أبطال هذا التاريخ ، (٣) الخوف الاجتماعي والسياسي الذي يمنع الخوض فيه ، (٤) قد يكون الإهمال أو عدم الانتباه له في وقت ماضٍ أحد أسباب هذه الركود.التواريخ الراكدة في خليجنا العربي عموما والتاريخ الكويتي خصوصا بدأ الباحثون بطرقها في الآونة الأخيره أو لنقل في العشر سنوات الماضية تحديدا، فصرنا نشاهد ونقرأ كتابات حركت بعض جوانب راكدة من تاريخنا وصار هؤلاء الباحثون يبحثون في مواضيع مختلفه غير المواضيع السياسية والإقتصادية وأثر النفط على مجتمعات الخليج التي انبهر بها الغرب وتبعنا نحن أهل هذه البلاد هذا الانبهار ولم نبرع في الكثير من الأحيان سوى في تقليدهم.

هذا الوعي التاريخي لدى الجيل الجديد من الباحثين بعد هجران طويل وتركيز عميق على التاريخ السياسي والاقتصادي حتى ألفنا التاريخ بهذه الصورة وتركزت نظرتنا البحثية حوله حتى أصبح واقعا نعيشه ويعصب علينا الانفكاك من إلى أن جاء الجيل الجديد من الباحثين الذين انصب تركيز بعضهم على التاريخ الراكد حتى صار يبحث ويناقش ويعترض على الاتجاه الأحادي الذي كتب التاريخ الخليجي بطريقة واحده. هذه المهمه التي نذر المؤرخون الجدد أنفسهم لها والتي بواسطتها بدأ تاريخنا يتحرر من عقد تاريخية كاذبه شبعنا من سماع تبريرات لها ولم نعد نصدقها. هذه العقد مثل تاريخنا الخليجي لا يحتمل الأبعاد الفلسفية أو التاريخية الأخرى.

بل إن الحديث في السابق عن الموضوعية في تاريخنا المحلي والتي تزعم أن تاريخنا نقل لنا بموضوعية مثلت الماضي كما هو دون اعتبارات أخرى لم تعد تنطلي على الجيل الجديد من المؤرخين الذي يبحث في ما وراء الكواليس التاريخ المكتوب والموجود بين أيدينا عن التاريخ الراكد تحديدا. هذا الأمر انصب كذلك على نزع القدسية عن المؤرخين السابقين في تاريخنا الخليجي محاكمة ما كتبوا ووضع معلوماتهم على ميزان المنهجيات المختلفه وربطها بفلسفات تاريخية غربية حديثة وقديمة. بل صرنا نسمع بمن يتبنى أفكارا وفلسفات في التاريخ ومنهجيات جديدة تهاجم التقاليد المتعارف عليها الغربية منها والمحلية. المثال يوضح المقال في هذه النقطه.في الآونة الأخيرة صرنا نسمع عن مؤرخين يتبنون فلسفة بول ريكور التي تحارب أقطاب التشكيك كما يسميهم مثل ماركس ونيشته وفرويد وغيرهم. بل صار الاستشهاد برأيه موجود في الكثير من الحوارات والمقالات التي تناقش التواريخ المحليه في الخليج ولعل أكثر هذه الاستشهادات رواجا كما أعرف (ليس ضروريا أن ما أعرف هو الصحيح!) هو فكرة بول ريكور والتي أقتبسها نصا من دراسة د.ميلود دومه حول فكر وفلسفة بول ريكور "من الضروري أن يصير التفكير تأويلا لأنه لا يمكنني أن ادرك فعل الوجود في مكان آخر غير مكان الإشارات المتناثره في العالم". بعبارة أخرى استفاد المؤرخون الجدد في تحريك التاريخ الراكد من خلال تفسير ريكور التأويلي الي اعتبر التاريخ عالما من النصوص الفكرية والثقافية. وكذلك قبل هؤلاء الباحثون الآراء التاريخية التي تتحرر من الارتباطات الايدولوجيه في تفسير التاريخ والبعد عن هذا التحيز في أبحاثهم. هناك نص بهذا الخصوص احتفظ به في المفضلة عندي ل كلير راينر حول موضوع الايدولوجيات تقول فيه " إن التاريخ ما يعتقده المؤرخون أنه حدث في الماضي ويفسرونه ويؤولونه في ضوء تحيزاتهم" وأنا اميل إلى تحليل التاريخ دون قواعد انطلاق ايدولوجية حتى يتحرر التاريخ من النطاق الضيق لفلسفه أو فكر ما.

نعود للجيل الذي الذي يحاول تحريك التاريخ الراكد في التاريخ الخليجي والمحلي لوجود فرق بين الباحث الذي يحاول ايجاد جديد في التاريخ ويبحث عن تحريك الركود وبين من يبحث لحاجة في نفسه أو اثبات ما لا يثبت أو يبالغ في تكبير الدليل بحثا عن الشهره العلمية التي سرعان ما تنتهي بعد نقض الباحثين له. في هذا الجزء من المقال سأناقش سوء الفهم عند بعض الباحثين الذين يعتقدون أنهم يحركون التاريخ الراكد لكنهم في حقيقة الأمر ينتقمون من التاريخ المكتوب ولا يمارسون دور المؤرخ إنما دور الروائي الذي تحركه عواطفه خلال كتابته لسيناريو قصته. القصد من تسليط الضوء هنا هو تبيان الفارق بين تحريك التاريخ الراكد وبين كتابة تاريخ ايدولوجي أو طبقي كردة فعل على ما كتب من تاريخ تقليدي في الخليج يتحدث عن أسر معينة ومهن محدده. وقد يكون في قادم الأيام مقال للتعريف بكيفية التعامل مع التاريخ المهمش أو ما يعرف بالتاريخ من الأسفل والذي قد يعتبر جزءا من التاريخ الراكد.

نعود لموضوعنا حول الباحثين الجدد الذين يظنون أن كتاباتهم الغير منهجية ، وأحيانا غير حيادية، جزء من المساهمة في تحريك التاريخ الراكد. فظهرت في تاريخ الخليج عموما والكويت خصوصا كتابات غير محايده تماما تلوي أعناق النصوص التاريخية لتثبت هوية المجتمع بإتجاه ايدولوجي معين (سلفي ، صوفي ، ليبرالي ، علماني ، سلطوي ، معارض، شيعي الخ). المشترك بين هذه الكتابات فيما لاحظت هو اقتطاع النص التاريخي عن سياقه وعدم رسم خارطة منهجية واضحه يستطيع النقاد من خلالها تبيان عيوب أو مدح انجاز. هذه الكتابات اشتركت أيضا بالسرديه التاريخية الغير مألوفه من خلال الاستشهاد بدليل في بدايات القرن التاسع عشر مثلا ثم ربطه بدليل قد يطابقه في منتصف القرن العشرين دون وضع اعتبارات للمؤثرات التاريخية المختلفه بين هذه الحقب الزمنية أو حتى الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئات والعوامل المؤثره في تشكيل أي حدث تاريخي وقع في تلك الفترات المتباعده. هذا السرد يفتقد في الكثير من الأحيان الأمانه العلمية في النقل ويحاكي قراء في غالب الأحيان يبحثون عن روابط تاريخية لأشياء تهمهم خصوصا وأن مجتمعاتنا ، وهذا خارج فكرة المقال، تغيب عنها مفاهيم الهوية والإنتماء بشكل واضح وجلي.

الصنف الثاني من الباحثين الذين يحاولون تحريك التاريخ الراكد بطريقة خاطئة هم أولئك الذين يكتبون بطريقة طبقيه ذات اتجاه احادي فيكتبون عن قبائلهم أو أسرهم وينشرون الوثائق والأدلة دون الانتباه إلى أن مجرد الكتابة عن قبيلتك وعائلتك وربما منطقتك التي نشأت فيها فيه نوع من أنواع التعصب الغير محمود. قد يقول قائل لكن إن لم يكتب هؤلاء فمن يكتب؟ وهو سؤال في محله لكن ماذا لو كتب هؤلاء بصورة أشمل ووسعوا أبحاثهم قليلا حتى يتجازوا التعصب الذي سيكون موجودا بلا شك حتى وإن حاولوا الحياد. هذا الأمر قد يكون خاصا في الخليج العربي فالضغوطات الإجتماعية على ما يكتب في التاريخ كبيرة من مدح وذم فمن يكتب عن شيء بعينه بطريقة نقدية لن يسلم من الأذى الاجتماعي ومن يمدح شيء بعينه سينال من المدح والتقدير الشيء الكبير. هذا الصنف من الباحثين اكبر اشكالياته المنهجية أنهم يبدأ البحث وهو يعرف ما هي نتائجه ولذا خلال عمله هو يبحث عن الأدله التي تؤكد صحة نظريته ولا يبحث عما إذا كان افتراضاته غير صحيحة أو ضعيفه أو غير واقعيه. هو بفعله هذا لا يضع فرضيته على ميزان العلم والمنهج ليختبر صلابه فكرته وتماسكها ولذلك يسهل على الناقد تفكيك فكرته ودحضها لأن أساسها العلمي غير مكتمل. وقد لاحظت من خلال قرائتي لمثل هذه النوعيات من الكتب والمقالات اعتمادهم على المقابلات الشفهيه مع بعض المعاصرين للحدث التاريخي خصوصا في التاريخ الحديث والمعاصر لكن لضعفهم المنهجي هو يأخذون كلام شاهد العيان على أنه جزء من الحقيقة إن لم يكونوا يعتبروا هذه الشهادة هي الحقيقة بعينها. وضع المقابلات الشفهيه على المقاييس المنهجية يقويها ويزيد من قيمتها لأن المقابله له تفاصيل كثيرة من خلال طريقة اجرائها وأسباب انتقاء هذه الشخصيات تحديدا وهل غطت المقابلات الشرائح كلها وغيرها من التفاصيل التي تزخر بها الكتب المنهجية في العلوم الاجتماعية والانسانية.

تحريك التاريخ الراكد من محاسن الجيل الجديد من المؤرخين في خليجنا الكبير لكن في ذات الوقت الخوف كل الخوف من تحوير هذا التحريك لأهداف صغيره قد يكون ضررها على التاريخ أكبر من نفعها. أحد أشكال هذا الضرر اعتماد الباحثين الغربيين على مثل هذه الدراسات التي من خلالها يبنون اطارا مشوها لنظريات تكون غير واقعية بسبب النتائج الغير واقعيه في أبحاث بعض أبناء الخليج. وقد يشعر بعضنا ممن يشارك في المؤتمرات التي تعقد في الغرب عن تاريخ وسياسة الخليج أن نظرة الغربيين للخليج فيها نوع من أنواع المبالغة لعل أحد أسبابها أبحاث أبناء الخليج! وحب الغربيين للمبالغات والأخبار الغريبه كما فعل من قبلهم الرحالة الذين زاروا الخليج فكتبهم زاخره بالمبالغات التي يكذبها العقل الخليجي والعربي!


شوارد:

"إن شعبا لا يقوم بتدريس تاريخه لهو شب فاقد لهويته"فرانسوا ميتران

















الخميس، 2 نوفمبر 2017

الأقشر


الأقشر في لهجتنا المحلية تعني صاحب المشاكل الذي يخافه الناس، وفي أحيان أخرى تعني الانسان الذي لا يستطيع التفاهم مع الآخرين بتفاهم وربما كان الانسان القاسي. تطلق كلمة أقشر على الزمان والإنسان والمكان أيضا فمثلا يقال "الوقت أقشر" أي صعب ويقال فلان أقشر وفلانة قشره وكل المعاني سلبية لكلمة أقشر لم أجد لها معنى ايجابي وقد يكون موجودا لكنني لم أصل له.

منذ سنوات عديدة غيرت طريقتي في التعامل مع الناس صرت رجلا يصرح برأيه دون مراعاة للمشاعر في أحيان كثيره متى ما امتلكت الدليل أو الحجة. هذا الفعل كي أكون صادقا معكم فض الكثيرين من حولي وصار الأغلب يتحاشى الحديث معي خوفا مما سيأتيه مني. بعد عودتي من رحلة الدراسة في بريطانيا ترسخ مفهوم الصراحة عندي بشكل أكبر حتى صار الأصدقاء من حولي يقولون لي "عبد الرحمن انتبه لن تفيد أحد خفف من حدتك!" وآخرون ينقلون لي تندر بعضهم على من خلال قولهم " لن تأخذ من عبد الرحمن شيء فهو أقشر!" والشيء هنا متعلق بالوثائق والتاريخ لا شيء آخر. 

لن أكذب على نفسي وعليكم وأقول إن مثل هذه الأقوال لم تؤثر بي سلبا أو تدفعني للتفكير مرارا بفعلي وطريقة حياتي. هذا التفكير قادني لكتابة هذا المقال الذي أشرح فيه فهمي للفرق بين الصراحة والقشاره! بين قول الحق دون خشيه سوى من الله وبين المجاملات الاجتماعية التي ابتلى بها العالم بشكل عام ونحن في الخليج بشكل مبالغ فيه. هذا الفارق "قد" يعرفه من هم حولي أو من يعرفني عن قرب. فالفارق بين أن تكون صريحا وبين أن تكون أقشرا فارق كبير جدا. أول هذه الفروقات أن القشاره في الغالب يرافقها نوع من قلة الأدب وعدم احترام الآخر أو تقدير الكبير والصغير! وبصراحة أكثر مثال يمر على خيالي وأنا اكتب المقال هو شخصية حسين بن عاقول للفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا في مسلسل درب الزلق. حسينوه في المسلسل أقشر فهو غير مهذب مع خاله وجاره وأخيه ومسؤوله في العمل. يذهب للعصبية بعدما يخالف القوانين أو لا يعجبه الرأي الآخر ولا يضع للأعراف والقوانين العامة والأخلاق والدين مكانا مهما في تصرفاته. هذه التصرفات القشره تدل على شخصية سطحيه وربما أقول أنانية هدفها الرئيس هو الوصول لما تريد دون الاكتراث بالبيئة المحيطة بالحدث وبصاحب الحدث.

على نقيض ذلك الإنسان الصريح هو من يجيب دون قيود عندما يسأل والإجابه تكون بأدب واحترام، لا أعمم هنا إنما أقول هذا الواجب لأن الصراحة بعد السؤال ضرورية إذا امتلك المجيب الحجة والدليل أما الصراحة دون وعي وفهم فهذه بلا شك مرفوضة وقد تصنف ضم الوقاحه. الفارق الثاني بين الصريح والأقشر أن الصريح لا يذهب للأخرين حتى يتحدث معهم فيما لا يعينه لأن ذلك ليس من الذوق في شيء إنما إذا ربطته مع الآخر علاقة فهو يتقدم بالنصيحة من باب الصداقة، الأخوه، العلاقة الخ مع اشتراط امتلاك الخبره والدليل والحجة. أما الأقشر في مثل هذه الأحوال فهو غير لبق يتحدث بحدة لمجرد الحديث أو لأن الأمر لا يعجبه ولا يستمع للرأي والرأي الآخر ويقوده الغضب ناحية افتعال المشاكل بعد اليأس من اقناع المقابل له بحجته الضعيفه.

نعود لقضيتي، بعد مراجعة شاملة لحياتي وجدت نفسي اتحدث بما في عقلي دون اكتراث لمشاعر الاخر وقد يقول أحدكم فعلك هذا ليس من الأدب في شيء! وهو محق إن كانت ردة فعلي وصراحتي على فعل عادي. مثال ذلك، لو زرت أحدهم فقدم لي شيئا لآكله أو أشربه وسألني عن رأيي فيه فكان جوابي له سلبيا، السلبية هنا وقاحة بلا شك فهذا المقال ليس مقام نصح وارشاد إنما مقام احترام المضيف وتقدير اكرامه لك. لست أتحدث عن الصراحة في مثل هذه المواقف إنما صراحتي تكون في ثلاث مسائل محدده هي: (١) المسائل العلمية، (٢) مسائل الصداقة والعلاقات، (٣) التعبير عن الرأي في القضايا العامة.

المقصود بالمسائل العلمية هنا ما يتعلق بتخصصي التاريخ، والتاريخ موضوع محبب للعامة والخاصة فالبعض يعتبره قصصا يستأنس بها والبعض الآخر يجدهم مصدرا للفخر والاعتزاز وآخرين يعتبرونه موضوعا سهلا بالإمكان الخوض فيه دون حاجة للتعمق والتدبر. صراحتي هنا تكون دائما قاسية، وكلمة قسوه هنا وصفها لي بعض الأصدقاء، أما أنا فلا اعتبرها قاسية إنما اعتبرها حوارا جادا. أنا مؤمن بأن العلم رحم بين أهله وأنا لا أعرف أهل العلم كلهم ولذا مثل هذه المواقف تميز لي الغث من السمين في علم التاريخ فمن يتضايق من الدليل الذي يخالف رأيه أو من التحليل الذي يتعارض مع ما يطرحه ولا يقوى على رد الحجة بالحجة ولا يقدر على نقض التحليل المنطقي فالأولى به أخذ الحجج الأخرى والتفكير بها. ولكون تخصص التاريخ الحديث مرتبط بواقعنا الاجتماعي اليوم فنقض ما في أذهان الناس مؤلم للكثيرين وإن كانت الحجة والدليل يسبقان النقض أو النقد وخصوصا في تاريخ الخليج فالاعتزاز بالعائلة والقبيلة والطائفة له سوق رائج والكثير من المصفقين. ردود بعض أفعال الأكاديميين أو المثقفين السطحية هي ما تؤلمني حقا، فعندما نقض مقالا، كتابا، رأيا له بشكل علمي يبدأ بإلصاق التهم الغير الأكاديمية بك ولعل أبرز هذه التهم "هذا الرجل أقشر لا أرغب في الرد عليه". ولعل الأكاديمي أو المثقف نسى أو تناسى أن نقد الدراسات السابقة جزء أساسي من التعليم الحديث خصوصا في الدراسات العليا لأن هذا النقد يطور العلم ويساعد الباحثين على سدد الخلل في أعامل من سبقهم. سدد الخلل هنا لا يعني ضعف ما كتب من قبل إنما تطويره ولذا فمن لا يتقبل النقد برأيي لا يعتبر من العلماء أو المثقفين فكما ذكرت لكم العلم رحم بين أهله وأنا أقول لأصدقائي دائما العلم "رحب" بين أهله!



المسألة الثانية التي أحب أن أكون صريحا بها هي مسألة الصداقة والعلاقات، فبطبعي لا أحب المجاملات التي أعتبرها نفاقا ويمارسها الكثير. هنا لا بد لي من توضيح ماذا أقصد بالنفاق الاجتماعي وأعرفه حتى يتضح للقارئ الكريم مقصدي ولا يفسر الكلمة كما يفهمها. تعريفي للنفاق الاجتماعي " المجاملات التي نقوم بها تجاه أشخاص لا نحب لقائهم أو الجلوس معهم وربما حتى رؤيتهم بحجة أن العرف ذلك". المثال يوضح المقال بشكل أوضح، هب أن رجلا يخالفني في نظرتي للحياة وطريقة معيشتي وربما نكون متناقضين في كل شيء لكنني عرفته في زمن ما وكانت بيننا علاقة وطيدة ثم نضجت ونضج هو وصارت اللقاءات ثقيلة علي وعليه لكن من باب المجاملة وحفظ الود السابق نستمر في اللقاء دون رغبة من كلا الطرفين أو أحدهما. في مثل هذه الحالات أنا أكون صريحا مع الطرف الآخر بالطلب منه بكل احترام وأدب أن نتوقف عن اللقاء وتبقى بيننا الذكرى التي قد تكون جميلة. هل هذا الأمر سيستمر للأبد؟ طبعا لا لأن القضية قضية فكرية بحته ليست لها علاقة بشكل أو لون إنما تتعلق بعقليتي وعقلية من يقابلني فمتى ما كان المشترك أكثر من المختلف كان التقارب محببا. هل هذه قاعدة عندي؟ طبعا لا في بعض الأحيان تكون الاختلافات كبيرة لكن كلا الطرفين يفهم أن الحوار حق أصيل والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ويفهم كذلك أن الحوارات بين المختلفين ليست ساحات للمعارك إنما مسارح فكرية نشاهد فيها من يختلف معنا ولسنا ملزمين باتباعه إنما بالتصفيق له إذا أحسن ونقده إذا لم نوافقه وفق الأطر العلمية.

ثالث النقاط ولعلها تكون خاصة في الكويت والخليج التعبير عن الآراء في القضايا العامة بشكل واضح. فحينما يطرح موضوع عام للنقاش في السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة أو غيرها وتطرح بعض الأسماء والأفكار فلا قدسية للشخصيات العامة حتى إن كان أحد الحضور من أقارب تلك الشخصية أو اصهارها. وعدم وجود القدسية لا تعني الانزلاق في قلة الأدب أو السخرية من هذه الشخصية إنما نقد الفعل العام الذي قامت به. في الكويت تحديدا نجد نقد الوزراء والنواب يقل في حال وجود شخص في المجلس أو مجموعة الوتس اب قريب من تلك الشخصية احتراما له! أنا لا اعتبر ذلك احتراما إنما نفاقا فانتقاد افعال الشخصيات العامة لا يجب أن يوقفه مجاملة لشخص من الأشخاص متى ما امتلكنا الدليل والحجة لأن المجاملة سوف تجعلنا نغض الطرف عن الأفعال الخطأ بسبب الحرج.

الصراحة لا تعني القشارة الصراحة تعني أنك مؤمن بمبادئك ملتزم بها ولا تجامل في حال معارضة الآخرين لها. الصراحة تعني الأدب واحترام الآخر وتقدير رأيه دون الحاجة لموافقته أو الحرج من الرد عليه بحجج اجتماعية قد تتغير في السنوات القادمة. الصراحة تعني أن الدليل والحجة والبرهان أهم من مشاعر المثقف والأكاديمي والعالم الذي اجتهد فأخطأ ففي العلم النقد مطلوب ويجب علينا أن ننتقد بأدب لكن لا نجامل في نقدنا وننقض الحجة بالحجة ونصحح الخطأ. الصراحة تكون في عدم التصفيق للمخطئ لأننا نعرف قريبا أو حبيبا أو صديقا فالشخصيات العامة لها أثر على حياتنا وحياة الأجيال القادمة وعدم ايقاف الشخصية العامة التي لا تحسن التصرف عند حدها كفيل بأن يهلكنا جميعا!


شوارد:

"من لا يتقبل النقد فهو لا بد يخفي شيئا"

هلموت شميت
    


الجمعة، 20 أكتوبر 2017

مأزق!

منذ عودتي من اكستر اعترف بأنني أصبحت كثير الانتقاد لواقعي ، لم يعد يعجبني أي شيء ولم أعد استطيع تحمل الخطأ الظاهر مثل التجاوز الكبير على قوانين المرور ، استسهال الاعتداء على حرية الآخرين الفكرية والشخصية دون أسس علمية أو حوارات مبنية على مبادئ ، وفقداني شخصيا للبيئة الأكاديمية العلمية والمكان الذي أجد فيه خلوتي. الكسل والتسويف وربما سلبية من لديهم القدرة على النهوض بفكر وعقلية المجتمع الذي نعيش فيه. جميع ما سبق سوف أتحدث عنه بمزيد من التفصيل في قادم المقال لكن دعوني أطرح عليكم ردة فعل بعض الناس ، ممن هم حولي ، تجاه طريقتي في التعاطي مع الحياة والعزله الشعورية التي أجدها بشكل شبه دائم.

سوف انطلق من سؤال طرح علي " لماذا أنت متحيز للغرب؟ أنت تعلم أن سلبياتنا موجودة في الغرب كذلك فما الفارق؟" لست متحيزا للغرب أبدا واعتقد لو ذهبت لليابان او سنغافورة  في أقصى الشرق فقد تكون ردة فعلي مشابهه لما أنا عليه اليوم. القضية لست في البلد ذاته إنما في سلوك أهل وحضارتهم ولست معنيا في هذا المقال أن اعرف ما هو السلوك وما هي الحضارة وهل السلوك الذي نشاهده منطلقه الخوف من القانون أم القناعة بالمبدأ هذه التساؤلات لها تقديرها وهي منطقية لكن ليس هذا مكانها. الفكرة الرئيسية هي البيئة الحاضنه للانسان وهل يتغير الإنسان بتغير بيئته، والتغيير الذي اقصده هنا التغير الفكري العقلي لا السلوكي إذ بإمكان الإنسان أن يتطور فكريا وتتسع مدارك عقله ويبقى محافظا على السلوك الحسن الذي عنده حتى وإن كان في أعراف من استقر عندهم خطأ. مثال ذلك سلوك الكرم عندنا كعرب ومسلمين له قيمة عالية بينما عند الانجليز ، وهم من عشت بينهم، يعتبر مضيعه للمال فهل تغيري الفكري يستوجب علي تغيير سلوكي الصحيح؟ بالطبع لا والأمثلة كثيرة على ذلك. وكلما تحدثت في موضوع التطور الفكري والعقلي في قضية تغيير البيئة جذبني عقلي ناحية قصة علي بن الجهم المشهورة مع الخليفة العباسي المتوكل عندما مدحه في قصيدة مطلعها "أنت كالكلب في حفاظك للود" فكان من ذكاء الخليفة أن جعله يعيش في دار على نهر دجلة وبعد مدة من الزمن اتسعت مدارك عقله وعرف أن العالم أوسع كثيرا من البادية التي كان يعيش فيها وبزر اثر الحضارة عليه فقال قصيدة أخرى من عيون الشعر العربي يقول في مطلعها " عيون المها بين الرصافة والجسر / جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري!" فمن غير الكلب والتيس أجلكم الله إلى المها والهوى؟ تأثير الحضارة عليه بلا شك. وحين عدت تاريخيا للأمم التي سادت العالم وأضافت للعلم وجدتها أمم متحضرة في وسط عالم جاهل! وكما ذكرت في بداية المقال أنا لست معنيا بشرح مفاهيم الحضارة هنا إنما تأثيرها على الانسان.

عند عودتي للكويت وجدت أن هناك هوة حضارية كبيرة لا أستطيع ردمها الفكرة ذكرها أحمد الزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي في الباب الخامس ما نصه " غزا نابليون مصر سنة ١٧٩٨...{كانت} الجماعة العلمية التي صحبت هذا القائد العظيم لم تصدها القلاقل والحرب عن غرس بذور الحضارة في مصر، فأنشأوت مدرستين وجريدتين ومسرحا للتمثيل ومجمعا علميا ومطبعة ومعامل كيميائية ومراصد فلكية، وسهلوا للناس النظر إليها ...واستطاع الناس أن ينظروا ؛ ولكن ماذا رأوا؟ رأوا أنهم في القرن التاسع عشر، وأن الغرب واقف منهم موقف الإنسان العاقل من الحيوان الأعجم يرميهم بنظرات السخرية وهو دائب في سبيل الحياة الصحيحة، مجد في تذليل المادة، فبهتوا ودهشوا"

لن اكذب إن قلت أنني وجدت وصفه ينطبق علينا حتى بعد دخولنا للقرن الحادي والعشرين! ووجدت أيضا تحليلة لنظرة الغرب صحيح فلازلت وسأستمر انصدم عند حضوري للمؤتمرات الغربية الخاصة بتاريخ الخليج من طريقة تحليل الغربيين لنا! وكأننا من كوكب آخر مختلف عن كوكبهم. لكن عندما يتدخل العقل في الأمر تجد أن من يلام نحن وليس هم! نعم فنحن علي الإمكانيات التي عندنا خصوصا في دول الخليج لم نصنع سوى المباني والمظاهر التي لا تأتي بخير على العقل ولا تصنع حضارة حقيقية. ولك في أن تتأمل لأي مؤتمر علمي يقام في التخصصات المختلفه كيف أن السجاد الأمر والبوفيه والتصوير مقدم على الفكر والنقاش العلمي بل بعض المؤتمرات خصوصا في التخصصات الإنسانية مواضيعها لا تخدم العقل البشري بل في بعض الأحيان تكون معارضة للمنطق والعقل والحضاره!

نعود لفكرة المقال الأساسية وهي هل التركيز على اخطاء المجتمع وانتقادها أمر سلبي؟ أم هو وسيلة من وسائل التنبيه وتعليق الجرس على رقبة المشكلة؟ هل السلبية تكون في رؤية الخلل والسكوت عنه أم في الحديث عنه واظهاره للغير؟ بالنسبة لي وجدت أن تكرار ذكر شوقي للعودة لاكستر يضايق بعض الأحباب والأصحاب ، ولذا تجدهم يقولون من يسمع نحيبك على اكستر يخيل إليه أنك من مواليدها. والحقيقة أنني ولدت في اكستر من جديد فعقلي تطور كما اظن عند استقراري فيها بل اجد أن عقول ابنائي تطورت كذلك هناك. هل الشوق لاكستر يعني الملل وعدم الوفاء للوطن؟ بالطبع لا فالكويت على سبيل المثال من الناحية الاجتماعية ونواحى أخرى عديدة أفضل بمراحل من الغرب وهو أمر محمود بلا شك لكن ليس هذا ما أطمح إليه في حياتي ولذا وجوده يسعدني لكن عدم وجوده لن يسبب لي مشكله. الجانب الفكري والعقلي والبيئة العلمية هي ما اهتم به جدا وقد حاولت ، حتى لا يصفني أحد بالسلبية ، أن أكون بيئة علمية خاصة نجتمع من خلالها لتبادل الأفكار وقراءة الكتب والنقاش العلمي لكني وجدت معظم الرفقاء قد انشغلوا في حياتهم الخاصة وفي التدريس ولم يعد لديهم الوقت الكافي لمثل هذه الأنشطة. 

هذا تحديدا ما افتقده في الكويت عدم وجود جهد مؤسساتي قائم على تطوير الفكر العلمي والبحث والمجتمع ثقافيا لازال في بداية التطور ولذا من الصعب أن تطلب منه الكثير ، والحق يقال أن وجود مجموعات القراءة وغيرها من مظاهر الثقافة في الكويت مشجعة لكن نحتاج أيضا أن نطور وسائل التفكير وأدوات البحث والرأي والرأي الآخر وغيرها من الوسائل التي تساعد علي النهوض الحضاري. أعتقد أن قضية وجود القراءة فقط لا تصنع مجتمعا متحضرا لكنها تفصل بين المجتمعات المتخلفه وشبه المتخلفه! فالقراءة لوحدها (قد) تطور فكر أشخاص بعينهم لكنها لن تقود لنهضة حضارية إذ لا بد من تمازج الأدوات البحثية وخلق بيئة للنقاش العلمي وتطوير مناهج التعليم لنستطيع نقل العقول من الجمود أو الجمود الجزئي إلى الحياة. ولعلنا نلاحظ في حياتنا أن هناك فارق بين المتعلم وحامل الشهادة فليس كل حامل شهادة من الثانوي إلى الدكتوراه متعلم! والعكس صحيح. المتعلم يكون قادرا على التحاور والتفكير وهمه في الغالب البحث عن الحقائق وإن كانت نسبيه وليس استعراض العضلات في الإعلام أو في شبكات التواصل الإجتماعية. المتعلم الذي كلما قابلته وجدت فيه تغير وتطور ورجوع عن آراء وتوسع في آراء أخرى أما الدارس فلا يكاد ينفك من تكرار انجاز قام به قبل عشرات السنوات ربما كرسالة للدكتوراه أو بحث كتبه ووفق فيه وهذا ظاهر عند بعض من نسميه مفكرين وأساتذه الجامعة في الكويت على الأقل!



فقد البيئة العلمية الصحيحة وغياب التحضر السلوكي وضعف القوانين ودخول السياسة في كل الأمور وعدم وجود تحفيز للمبدعين كل هذه الأمور سبب في تخلفنا وحنين من هم مثلي لدول العالم الأول! وعلى ذكر المبدعين ألا تلاحظون أن معظم المبدعين في مجتمعنا من صغار السن؟ السؤال ماذا يحدث لهم بعد عشر سنوات لماذا لا نسمع بمزيد من ابداعهم هل غاب الاعلام عن تغطيه ابداعهم أم مات الابداع بسبب الإحباط والبيئة الطارده؟ تساؤلات مشروعة لا أعرف لها جوابا!

سأستمر بالحنين لاكستر وسأستغل أول فرصة تتاح لي للعودة إليها ليس كرها في بلدي ووطني حاشا لله لكن لعدم ايماني أن الحل سيكون قريبا في بلد أعشق ترابه وسأكون أول من يساهم في تطويره إن وجدت الإراده والبيئة المناسبة لكن أن نعيش على تفاؤل غير واقعي أو أمل لا يكاد يصح أن نطلق عليه أمل فهذا مما يدمر الإنسان ذاتيا ويقتله علميا ويبعده عن انسانيته! وهنا دعوة لأصحاب القرار من سياسيين والوزاء ومدراء وغيرهم ابتعدوا عنا واتركوا المجال لمن يريد التطوير والتعليم والحضاره! أعلم أن آخر جملة تصنف من الجمل العاطفيه لكنها يجب أن تقال حتى لا ننسى فسادهم!

شوارد:

“استبقاكَ من عاتبك، وزهد فيك من استهان بسيئاتك“ ابن حزم الأندلسي









الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

ترانيم أعرابي : أرشيفنا الوطني إلى أين؟

مقال نشر لي في ١٦-٨-٢٠١٦

حياة البشر توثقها أمور عديدة؛ الكتابة والتصوير والمعالم التي يتركونها خلفهم وكذلك الروايات الشفهية، في دول الخليج أصبح التاريخ المحلي أمرا ملحوظا، فانتشرت المدونات والمواقع وحسابات "الإنستغرام" و"تويتر" في السنوات الخمس الأخيرة، بعضها هاوٍ فهو يخلط بين علم الأنساب وعلم التاريخ وهواية جمع الطوابع والصور، والبقية مدرك لأهمية التاريخ يعرف كيف يسبر أغواره، لكنه يتوقف عندما يشعر بأنه سيتجاوز القيود الاجتماعية والسياسية فيتوقف عن نشر الحقيقة ويحتفظ بوثائقه لنفسه ولخاصته. 
أما الجانب الحكومي في دول الخليج فهناك اختلاف في درجات الدخول للأرشيف وما المسموح والممنوع، وكلها تشترك في محظور واحد، وهو أن ليس من حقك أن تأخذ من الأرشيف ما تنتقد به بعض السياسات أو تصحح معلومات تاريخية غير مرغوب في تصحيحها، على الرغم من انتشار العديد من مراكز البحوث الخليجية لعل أشهرها دارة الملك عبدالعزيز، ومكتبة الديوان الأميري الكويتي، ودارة الشيخ سلطان القاسمي والأرشيف الوطني في أبوظبي وغيرها الكثير.
الوثائق اليوم صارت السبيل الوحيد للرجوع إلى الزمن الماضي، ونعني هنا بالوثائق أي كل ما كتب أو تم تصويره أو حتى رسمه، فغالب من عاشوا تلك الفترات هم في ذمة الله اليوم، ولا يمكننا الاعتماد عليهم في نقل الوقائع التاريخية أو تحليلها، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الباحثون في الكويت لحفظ التاريخ الشفوي، وعلى رأسهم المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان حفظه الله، فإنها كانت جهودا فردية لم تُبن على أسس أكاديمية علمية، وبكل أسف أقول إن جهود العم سيف في حفظ تراثنا الأدبي ضاعت كما ضاع الكثير من أرشيفنا الحكومي في وزارة الإعلام إما بسبب الغزو أو الإهمال!
منذ أن بدأت دراسة الدكتوراه في جامعة إكستر ولدي نظرة سوداوية عن مراكز البحوث والدراسات في الكويت، وهذا بسبب تجربتي السابقة معها قبل أن أخوض في الدراسة الأكاديمية، فكثير من المراكز تضع أشخاصاً غير مناسبين على مقاعد الاستقبال، هؤلاء الأشخاص يسببون بعلم أو بدون علم ضررا ثقافيا كبيرا لسمعة المراكز التي يعملون فيها من خلال عدم استقبالهم الباحثين بشكل لائق أو عدم درايتهم الكافية بما تحتويه هذه المراكز، لكن للأمانة العلمية يجب الإشادة بمركز البحوث والدراسات الكويتية خصوصا تفاعل الدكتور عبدالله الغنيم والأستاذ عبدالعزيز الخطيب، وكذلك أمين مكتبة المركز الأستاذ عبدالرحيم الطاهر، فقد بذلوا جهدهم لمساعدتي وسهلوا لي الكثير من العقبات، والشكر موصول في الوقت ذاته للعم عبدالعزيز البابطين والأستاذة سعاد العتيقي على تسهيلهما الأمر لي في تصوير ما أحتاج من أرشيفهما الكبير، فلهما الشكر والامتنان، كما أن المكتبة الوطنية والأستاذ نصار بولبقة ورابطة الأدباء وأمينها العام طلال الرميضي سهلوا لي المهمة وتعاونوا بشكل إيجابي فللجميع الشكر.
الإشكالية الكبرى التي يواجهها الباحثون في تاريخنا المحلي هي وجود العديد من الوثائق والكتب التي نفدت طبعاتها لدى بعض جامعي الأنتيك والتحف الذين يغالون في أثمانها بشكل مبالغ به جدا، فأحيانا تجد وثيقة ليس لها قيمة تاريخية بأسعار تتجاوز المئة دينار، وكتاب آخر متوافر لكن لكونه طبعة أولى يكون سعره فوق الألف دينار، وقد استفسرت من المهتمين بالمخطوطات والوثائق حول هذه الأسعار، فقال بعضهم إنها مبالغات لكن في السوق من يدفع! ما يؤلمني كباحث هو احتكار المعلومة لديهم وعدم السماح حتى بتصوير هذه الكتب أو الوثائق التي لا يمتلكها سواهم، وكما لم أعمم في في قضية مراكز البحوث في نظرتي السوداوية، فلن أعمم هنا وسأشكر أصحاب الأراشيف الخاصة والكتب النادرة الذين زودوني بما تحتاجه دراستي بكل نبل وابتسامة، منهم الباحث العم عدنان الرومي والأستاذ فهد العبدالجليل والأستاذ يحيى الكندري والأستاذ أحمد العدواني والأستاذ محمد عبدالعزيز العتيبي والأستاذ إبراهيم الجامع، وأعتذر ممن سقط اسمه سهواً من أكرمني بما عنده من كتب نادرة ووثائق.
تبقى أن أناشد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن يسعى جاهدا ويسير على خطى دارة الملك عبدالعزيز أو الأرشيف الوطني في أبوظبي، ويجمع هذا الأرشيف الوطني المميز، أو على الأقل يدعم مركز البحوث والدراسات الكويتية، حيث إنهم يبذلون جهدا كبيرا في محاولة الحفاظ على تراثنا المحلي، كما أدعو الباحثين والأسر الكويتية التي تمتلك وثائق أن يساهموا في تصويرها وإيداعها لدى مركز البحوث، فهو الجهة التي يقصدها الباحثون، وكذلك لديه آلية واضحة في التعامل معهم.
شوارد:
"أمة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها" 
لا أعرف قائلها!

الجمعة، 22 سبتمبر 2017

عاد الخريف فمتى يأتي الربيع!

هل الوداع حكايه أم انه جرح طرى ، او انه غصن رطيب صار ايّبس واعترى ، هو العيون تلألأت بدموع شوق كالثرى،هو القلوب تجمدت وتصلبت فيها العرى،لالا أظن بأنه حبَ تأجل وانطوى،فلا هو الشوق الخفي ولاهو وردٌ يُرى، بل إنه سهم رماه في محيانا الكرى ، وكأننا من بعده صرنا خيالا بل دمى.

لماذا يكون هناك لقاء ووداع ولماذا يكون بعد الوداع شوق للقاء ، هل هي الطبيعه الانسانيه أم أن الأمر فطري ليس لنا يد فيه ، هل اللقاء هو بلسم شفاء لجروح خلفها وداع سابق وكيف يكون اللقاء دون وداع قبله هل له نفس اللذة وفيه الاحساس نفسه.


الوداع أنواع والفراق أشكال والمشاعر في كل نوع تختلف عن غيرها ، ولذلك ليس دائما يكون المودِعُ حزيناً ولا حتى المودَع ، وهناك وداع يخرج منه كل طرف وقد نسي قلبه ومشاعره مع من ودع ، وللوداع بصمات في حياتنا وله محطات ومسارات وفيه آهات وعبرات ومنه عِبرٌ ودورس وإليه مرجع كل انسان فكلنا ذاك المودَعُ في يوم من الأيام.


وقد يشعر القارئ أنني أتحدث عن وداع الإنسان فقط كالحبيب والقريب والوالد والأخ وغيرهم ممن رثاهم الشعراء أو بكى على فراقهم الأدباء ورسم ذكراهم الرسامون. لا يا سادة لست أتحدث عن وداع البشر فقط ولن أرثي صخرا كما رثته الخنساء أو اكتب كما كتب ابن زيدون وابن عامر في ولاده أو حب شعراء وأدباء القرن المنصرم لمي زياده! بل لن أرسم المونوليزا كما فعل بيكاسو. أتحدث هنا عن المشاعر ذاتها مشاعر الوداع لمن تحب واتساءل هل هي قابله للنسيان والمحو؟ أو هل هي قابلة للتطوير والدفع؟ وربما تكون قابلة للتطوير حتى تصل للنسيان!


لماذا نشعر بفراق من لا ينتمي لنا ؟ وهنا أعني أن نقابل من لا يمت لنا بصلة ونجلس معه حتى يصبح جزءا منا ثم لا نستطيع نزعة ولا التخلص منه وإن حاولنا. الغربة ليست غربة الجسد وليست أيضا مفارقة الأهل والولد الغربة هي ذاك الشعور الذي يتلبس الإنسان ويسيطر عليه فيصبح دون روح وهو في بلده ووسط اهله. 


أصعب أنواع الفراق هو الفراق العقلي! فهذا الفراق قاتل أبد الدهر لأنه لا يترك لك مجال فالعقل إن كان يمتلك الأسس المنطقية في التفكير أو بعضها صعب عليه أن ينسى أو يتناسى أو حتى يتغافل. وهنا علي توضيح فكرة مهمة الحديث حول فراق بيئة عقلية ، سأضرب عليها مثالا في الفقرة القادمة، إلى بيئة مستواها العقلي والفكري أقل. 


قبل ذهابي لدراسة الدكتوراه في اكستر كنت قد ألفت حياتنا العلمية في الخليج العربي، طريقة التفكير السائد حتى اللحظة في جامعاتنا ومجالس مثقفينا. وأنا هنا اتحدث عن التخصصات الأدبية تحديدا، فالبيئة التي عايشتها ولا تزال فيما أعتقد موجوده في هذه التخصصات همها التكرار والحفظ وكثرة التحليل القائم على ما في الكتب التي كتبت. وحتى تتضح الفكرة أكثر سأتحدث عن تخصصي ، التاريخ، لازلت اسمع في مجالس محبي التاريخ من اكاديميين ومثقفين طريقة نمطيه في تكرار النصوص وحواراتهم في الغالب قائمة على ما يسمى بمغالطة رجل القش! حيث يقوم طرف بإعادة صياغة حجة من يقابله بطريقة تخرجها من أصلها وتسهل عليه نقضها ويجعلك تشعر بأن تحاور انسانا لا يفهم في التخصص شيئا لكنه في حقيقة الأمر يفهم ولكن لا يمتلك الأدوات ولا الفكر الصحيح لمقارعة الحجه. وهناك في الحوارات أيضا مغالطه أخرى وهي التي تسمى بالإنجليزية Argument from Authority هذه المغالطة في التاريخ الحديث أكثر وضوحا حيث يعزو أحد الأطراف صحة فكرته لوثيقة أو كتاب له اعتباره في الوسط الأكاديمي حتى يحصل على المرجعية لكن في ذات الوقت يكون هذا الاستشهاد قاصرا أو خاطئ. ليس هذا موضوع المقال لكن هذه الأمثلة لإيضاح مدى الغربة التي قد يعيشها أحدنا حينما يتغير عليه النمط الفكري الصحيح الذي اعتاد عليه.


نعود لفكرة المقال الأصليه لماذا نشعر بالإغتراب في أوطاننا خصوصا الإغتراب العقلي الفكري ، والسؤال الأهم ولم أجد له تفسيرا منطقيا حتى اللحظة! لماذا لا يحاول من يشعر بالغربة الفكرية وسط مجتمعه ووطنه أن يغير النمط الفكري الخطأ ويحاول تصحيح المسار من خلال تنوير مجتمعه؟ اكاد أجزم أن من يصل للإغتراب الفكري في وطنه ومجتمعه هو بالضرورة مثقف متعلم إذ أن الغربة الروحية قد تحصل للكثيرين دون الإلتفات للعقل لكن الغربة الفكرية لا تحدث إلا لمن ذاق حلاوة العلم والفكر وبدأ يستخدم وسائل تفكير جديدة كشفت له الخلل في بيئته.


الفراق مؤلم والغربة أشد ألما من الفراق لأنها ابدية إلى اشعار آخر! فالفراق قد يمسح آثاره الزمن أو لقاء من تجد فيه سمات من فارقت أما الغربة فتكاد تكون كالندبة التي تضع أحمالها على جسد أحدنا ولا تفارقه أبد العمر إلا بعمليات تجميليه. أذكر أنني قد ناقشت هذا الموضوع بشكل جزئي في كتابي أعرابي في بلاد الإنجليز حين ذكرت 

 "الغربة هي غربة الروح و إن كنا في وسط بلداننا .. فكم من غريب يعيش في بيته .. لا يحتاج أحدٌ للطيران مسافات طويلة لكي يعيش التجربة , يكفيه أن يعتنق أفكاراً لا يتقبلها من هم حوله , ليرى كيف يتحول إلى غريب , فالغربة غربة الجسد و الروح معاً و قد تكون للروح فقط."

واليوم أخالف هذه المقولة بشكل كبير وأقول أن الغربة هي غربة العقل فالروح قد تجد مستقرا لها في العزلة لكن غربة العقل وفراقة للبيئة الصحيحة من الصعب أن يجد سلوى في مكان آخر أقل من الناحية الفكرية والعقلية للمكان الذي فارقه! البيئة الصحية يا سادتي من الصعب استبدالها وتعويضها فالنسبة لي في هذه اللحظة البيئة الصحية وأقصد من وراء هذا المصطلح البيئة التي تكون أقرب للكمال ومبنيه على أسس منطقية وعقلانية من الصعب تعويضها خصوصا إن انتقل الانسان لبيئة ليس لها قوانين واضحه وإن وجدت هذه القوانين فغالبا تكون مبنيه بطريقة غير علمية!



يا أيها الغرباء ليس لكم سوى الصبر فهو السلوى وهو الملاذ فإذا تسلحتم بالصبر فلا تغفلوا عن تطوير الذات حتى تتمكنوا من الخروج من المستنقع الذي تعيشون فيه فمتى ما استسلمت زادت الأحمال عليكم وألفتم العيش في الطين وقلة الحركة حتى تموتوا وأنتم أحياء!


شوارد:


"وهذه هي سنّة الكون... يومٌ يحملك ويومٌ تحمله"




لا أعرف قائلها






الثلاثاء، 29 أغسطس 2017

التدليس التاريخي بين أحادية الوثيقة وقدسية المقابلة

مقال نشر لي في ٣-١١-٢٠١٥ في جريدة الجريدة

التاريخ أبو العلوم وجدّها، ويكاد لا يوجد مركز للدراسات الاستراتيجية أو الهيئات الحكومية ليس من ضمن الصفوف الأولى فيه مؤرخ، نظراً لأن هذا المقال صحافي لا علمي فسأحاول اختصار الفكرة لتناسب المساحة المتاحة لي في هذا العمود، ولذلك أستميحكم العذر أيها القراء الأعزاء إن وجدتم الفكرة مقتضبة!
في الآونة الأخيرة برزت دراسات تاريخية من أكاديميين وبعض الباحثين في تاريخ الكويت خصوصاً وتاريخ الخليج عموماً يحاولون من خلاله إبراز أدوار تاريخية غير موجودة لخدمة طائفة أو طبقة أو حتى تيار سياسي معين. هذه الدراسات في غالبها اعتمدت على تحليل وثائق أعطتها قدسية عالية، وربطتها ببعض المقابلات الشفهية التاريخية، وأعطت المتحدث في هذه المقابلات نوعا من التقديس، ولكم أيها الأعزاء أن تتخيلوا سبب هذا الفعل؟
من ينكر أهمية الوثيقة التاريخية أو المقابلات الشفهية لا يعرف أبجديات علم التاريخ، إشكالي ليس مع الوثيقة بحد ذاتها لكن كل وثيقة تاريخية لها روابط معقدة مع شقيقاتها في الفترة نفسها، فإذا كانت الوثيقة مثلا مختصة بتاريخ الكويت وهي بريطانية فستكون لها وبلا شك لها أهمية، لكن ارتفاع قيمتها تزداد عند إيجاد رديف لها في الوثائق المحلية، أو ربما تزيد أهميتها عندما يتمكن الباحث من استخدام وثائق أخرى في تحليل منطقي لنقضها أو تفنيدها.
أما المقابلات الشفهية فهذه بحد ذاتها لها أسس علمية لإجرائها، وبمراجعة كتب منهجيات البحث العلمي ينجلي الغبار عن فهم أسسها، فمن المبالغات في المقابلات الشفهية أن يذكر أحدهم سكن أسرته لمدينة أو دولة قبل تأسيسها حتى! ويناقض بذلك آراء المعاصرين لذلك القرن أو تلك السنة والفارق السني بين الحدث الذي يذكره وتاريخ المقابلة أكثر من ٤٠٠ سنة، والطامة أن يطير بهذه المعلومة المدلسون أو من لا يفقهون من التاريخ إلا قشوره ويبدأون ببناء وهمٍ أكبر من وهم صاحب المقابلة.
من عجائب المقدسين لآحاد الوثائق والذاكرة أنهم يقتطعون الفترات الزمنية التي لا تناسبهم حتى تظهر قيمة الوثيقة أو المقابلة التي لديهم؛ إذ إن رسم الصورة كاملة للقارئ سيظهر ضعف الدليل الذي يستندون إليه، ومن هنا كان لزاماً عليهم في حال رغبتهم في وضع مساحيق التجميل على التدليس التاريخي أن يراهنوا على عدم إلمام القارئ بالتفاصيل الدقيقة لهذه المرحلة التاريخية، لماذا يكون هذا القطع منهم؟ وهل له علاقة بأهداف أخرى في أذهانهم غير الكتابة التاريخية؟
أنا مؤيد لدراسة جميع القضايا التاريخية دون خطوط حمراء نهائياً، ومع التأريخ للجميع دون تمييز أو تحيز، لكن في الوقت ذاته لست مع التطبيل الثقافي الذي نراه اليوم لبعض من يحملون شهادات عليا في التاريخ، إذ إن المعضلة مع حامل هذه الشهادة أنه يدرك الخطأ الذي يرتكبه لكنه في الوقت ذاته يعلم أن الخجل الاجتماعي سيمنع بعض الناس من فضحه، والمصالح الخاصة ستمنع آخرين، والجهل بالحدث سيمنع البقية، ولذلك تراه ينشر تدليسه في وسائل التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب.
النقد العلمي الهادف البعيد عن شخصية الكاتب والمتعلق بالمضمون، مطلوب تبنيه وبشدة من مراكز الأبحاث التاريخية وأقسام التاريخ في الجامعات، إذ إن سكوتهم عن مثل هذا التدليس التاريخي في بعض المواضع والسماح للمتطفلين على العلم حتى إن حازوا الشهادات العليا، يضعهم أمام محكمة ضمائرهم، ومحاكم الباحثين الجادين في قادم الأيام؛ إذ سيقال: دلس فلان وهذه المراكز لم تتحرك! ونصيحة أخيرة لنفسي أولاً ثم لبقية المهتمين بالتاريخ عامة والتاريخ المحلي خاصة ألا تجاملوا على حساب الحقيقة فالحياة قصيرة!
شوارد:
اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فرواية العلم كثيرة، ورعايته قليلة". علي بن أبي طالب.

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

هل للأكاديمي سمات؟

يعرف القليل من العامة، و الكثير من الخاصة، أنّي أحب مشاهدة كرة القدم، و أنيّ أشجّع فريق ريال مدريد الإسباني، و أتعصّب في تشجيعي له إذا تعصّب المتعصّبون. و على ضوء فوز ريال مدريد البارحة على غريمه التقليدي برشلونه، نشرتُ في حسابي على برنامج الإنستغرام، و في الوتس أب كذلك، مقطعًا مسجّلًا يعبّر عن فرحي بفوز النادي الذي أشجّع! ليس هذا موضوع المقال يا سادة، فموضوع المقال أنني تلقيت رسالة على الوتس أب من شخص محترم يحمل شهادة الدكتوراه في أحد العلوم، يقول لي فيها أنّ نشْر هذا المقطع ليس من سمات الأكاديميين، و أنني الآن أحمل شهادة الدكتوراه، فلا يَحْسُن بمن هم مثلي فعل ذلك! الأمر الذي دعاني للتفكير في كلامه مليًا، و سؤال نفسي: هل للأكاديميين سمات؟

قبل الإجابة على السؤال، راجعتُ نفسي كثيرًا، و راجعتُ المقطع مرارًا، علّه غاب عني مشهدٌ لا يليق بي أولًا، ثم بمتابعيّ الكرام، و فيهم خاصّتي، بل خاصّة الخاصة، و بتّ أتقلب بين نار الريبة، و برد اليقين، فأنا حريصٌ على ما أنشر حرصَ محمدٍ على دينه، و حرص الصدّيق على بتر الردة، لكنّي لم أجد ما يعيب. فلم يكن المقطع يحوي عريًا أو شتيمة، بل كانت مجرد هتافات و أهازيج و أناشيد جماعية من جماهير مدريد على المدرج تشجيعًا للاعبي الفريق و بثًا لروح الحماس و رفع الهمة.

و عودةً لصاحب الرسالة، فلئن ساءني أسلوبه الثقيل، لقد ساءني  أكثر أنّه لم يكلّف نفسه تعريف ماهية سمات الأكادميين لأناقشه، بل اكتفى بإلقاء تعليقٍ عامٍ و فضفاض، تعبيرًا عمّا يؤمن به شخصيًا. و لمّا لم أجد جوابًا واضحًا لسؤالي، بدأت بالتفكير و التفكير و التفكير حول سمات الأكاديميين، و تساءلت: هل كان يعني سمات علماء الدين التي نعرفها في مجتمعاتنا و تاريخنا الإسلامي؟ أستطيع فهم لماذا يجب على عالم الدين التورّع عن بعض ما أحل الله، و كذلك مراعاة بعض الصفات؛ لأنه في النهاية يفتي للناس في الحلال و الحرام، و لعلّ حِمْلَهُ الثقيلَ -باتّخاذه قدوةً- أَوْجبَ عليه التصرف على خلاف طبيعته، وهو أمر لا أوافق عليه الناس بكل تأكيد، لكنّي أتفهّمه، لكونه واقعًا.

نعود لفكرة السمت الأكاديمي و سمات الحاصل على الدكتوراه، و السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهني: هل ثمة فارق بين أخلاق الباحث الشخصية، و أخلاقه المهنية و الأكاديمية؟ نعم، ثمة فرق، و فرق شاسع، بلا شك، أمّا الأخلاق الشخصية فبينه و بين الله -عز و جل- ثم تأتي الناس لتزنها و تقيّمها، أمّا الأخلاق الأكاديمية فميزانها مختلف، إذْ ليس بالضرورة أن يكون الأكاديمي ذا خلق عال أو مروءة، و ربما يكون بلا شهامة و لا رجولة! فهذه الصفات، حسنةً كانت أم قبيحة، بناتُ بيئة المرء، يكتسبها منذ الصغر، و تختلف باختلاف البيئة التي ينشأ فيها، و ليس المتعلّم أكثر تهذيبًا من الأميّ، و لا المنعم بأكثر من المُعدم، و ربّ صفات نبيلة خرجت من رحم المرارة و العسر، و ربّ صفات ذميمة خرجت من رحم الترف و اليسر، بل قد يتحكم عامليْ: الفقر و الغنى في أخلاق الإنسان الأكاديمي الشخصية فيما بعد، و خاصةً في دول الخليج العربي، إذْ إنّ راتب المدرس في الجامعة من أعلى الرواتب في سلم الوظائف، و قد تشبع نفوسٌ بعد جوع، و الخير فيها دخيل، أما النفوس الجائعة بعد شبع، فالخير فيها أصيل، كما قال الإمام.

و هناك أمر آخر يُشْكِلُ على الناس في كل زمان و مكان، ألا و هو عدم التفريق بين الإنسان و عمله إلا في أحيان ضيقة جدًا! هَبْ أنك تكره صاحبَ مكتبةٍ لعبوسه و تجهّمه، فكرهك لا يعني ألّا تشتري منه، طالما يعرض أحسن الكتب و بأسعار تنافسية، فالعلاقة بينك و بين هذا الإنسان ليست علاقة زواج، و لا قرابة، و لا حتى صداقة، إنما هي علاقة عمل، و مصلحة، و قد تكون علاقة عابرة، أو سمّها ما شئت! و قد يسأل سائلٌ: و أين الدعوة إلى مكارم الأخلاق و الحث عليها؟ أليس الأوْلى بصاحب المكتبة الابتسامة حتى يجلب الزبائن إلى مكتبته؟ نعم، كلامك عين العقل و عين الصواب، لكنّ بقاءه على حاله ليس محرمًا، بل مباحًا و إنْ شابَهُ بعض الكراهة، ثمّ إنّ تدخّلك فيما هو مباحٌ له أعظم جُرْمًا من تجهمه و عبوسه، و لعل انصرافك عنه خيرٌ من مناصحته، فهو لم يستنصحك حتى تنصحه، لأن ذلك من التعدّي على خصوصيات الآخرين التي لا تعنينا. هناك فارق كبير جدًا بين النصيحة و التطفل، بين حب الخير للآخرين و جينات أشعب التي تأصلت في عقول و جوارح الكثير منا! فالنصيحة لها آدابها، و لها قواعد كذلك، و ليس هذا المقال بموضعٍ للإسهاب فيها، لكنّ أهم قاعدة -برأيي- أن يكون الناصحُ واعيًا بما ينصح، و ألّا يتكلم لأجل الكلام فقط، و إليك عزيزي المتسرع، أنا لا أتكلم عن النهي عن المنكر هنا! بل أتحدث بشكل واضح عن النصيحة و التي تجوز في أمور الدين و الدنيا، و تجوز في الحلال و المباح أيضًا!

نقطة أخرى أود أن أضيفها لمسألة الأخلاق الشخصية للباحث أو الأكاديمي، و هي أن حامل الشهادة العليا حريٌّ به أن يكون ذا خلق عال، لكونه تعلّم، و العلمُ يوسّع مدارك الإنسان، و لا يزيده إلا تواضعًا، و هذا ما نجده غالبًا عند العلماء في الشرق و الغرب من خلق رفيعٍ و سماحة. و هنا يتحتم عليّ أن أوضح أمرًا مهمًا جدًا، وهو أن لفظ العالِم -كما أفهمه- يُطلق على كل إنسان شغوفٍ بالعلم، في أي مجال أو تخصص، و يحب العلم لأجل العلم عينه، و لا يتّخذه طريقًا للوصول إلى شهرةٍ أو مال أو نفوذ، و انطلاقًا من هذه الركيزة، فليس كل دكتور أو بروفيسور بالنسبة لي عالمًا! ذلك أنّ مهنة الأستاذية أو الدكترة من المهن الطارئة المستحدثة التي ابتدعها الإنسان في عصرنا الحديث، و لا تعني بالضرورة حيازة العلم، فالحاصل على الدكتوراه هو الإنسان الذي نال إجازةً في البحث، و شهادةً تتيح له ممارسة العلم بصورة منهجية نوعًا ما، و في غضون ثلاث إلى أربع سنوات من تخرجه يُفترض أن تصبح هذه الأدوات، على قِدَمها، جزءًا من يومه!

أختم قوْلي حول مسألة أخلاق الباحث الشخصية بإضافةِ أنّ ليس كلُّ مباحٍ حرامًا، و ليس كلُّ ما تعتقده من خوارم المروءة في بلدك، قريتك، قبيلتك، طائفتك، مذهبك، ينتقص من الإنسان، فالعالم و العلم و الأخلاق ليست حكرًا على اعتقادك الضيّق، أو على ما ألفته و تعودت عليه، و ليست حصرا في تفكير والديْك اللذين ربيّاك على معايير محدّدة من الأخلاق، لكن الأصل بالنسبة لنا كوننا مسلمين هو الحلال و الحرام، و لغير المسلمين ما تعود عليه جمهور الناس و لم يجدوا فيه الخطأ الظاهر!

أما سمت الأكاديمي فأقول للصديق الذي أرسل لي رسالته: سمت الأكاديمي باختصار يا عزيزي هو أن يكتب الباحث بحوثه بصدق و أمانة، و ينسب المعلومات التي أخذها لأصحابها، و لا يسرق منها أو يحوّرها بطريقة احترافية ثم ينسبها لنفسه! سمت الأكاديمي يا عزيزي أن يشارك الآخرين ما يملك من معلومات و أفكار، و يساهم في خلق بيئة علمية خصبة تكفل للباحثين بذر بذورهم، لتطوير الحقل و الارتقاء به و إثرائه. و من سمات الأكاديمي أن يتقبل النقد العلمي البنّاء، و يشكر الناقد على نصيحته الأكاديمية و يسعى لتطوير نفسه. و من سمات الأكاديمي كذلك أن يطوّر الباحث نفسه و يعترف بتقصيره، و لو سرًا، ثم يقرأ ويقرأ ويقرأ، و ألا يكتفي بتصفيق العامة على أفكاره التي يكررها لسنوات طويلة، لكن لجمهور مختلف!

إنّ من السمت الأكاديمي ألا يكون الباحث أنانيًا يسعى لمنافسة أقرانه لمجرد المنافسة، بل ينافسهم عندما يجد القدرة و المقدرة و المادة التي تجعل من منافسته لأقرانه أحد طرق الارتقاء بالحقل الذي يعمل به. الأكاديمي الذي يملك السمت المنشود يا عزيزي يكون نزيهًا، ساعيًا للفضيلة، محايدًا، يسمع لغيره، يقيّم الحقائق ما استطاع لذلك سبيلًا، و لا يجعل من خصومة فكرية، أو شخصية، أو ربما دينية، سبيلًا له للثأر و الانتقاص من غيره! فالإنصاف عزيزٌ حتى على حملة الشهادات العليا، إلا أولي الذمم منهم!

ختامًا، ما أجمل الأكاديمي إذا جمع سمات الخير و الأخلاق الحسنة! و أضاف عليها جمال النقد و روح التنافس و رزانة العلم و رجاحة الحجة، و إليك عزيزي المتطفل، يا من تعتقد أن تطفلك هو ما يعرف في الدين باسم النصيحة! فِعْلُكَ هو نفسه فعل أشعب الذي يدخل إلى الولائم دون دعوة، و يأكل دون إذن، و يكره الناس وجوده، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أنه ذكي! و ذلك من جهله بالطبع، فإنْ كان و لا بدّ من التمثّل و التماهي، فتمثّل جحا! فهو -على كلّ ما شاع عنه من حماقة- إنسانٌ ظريفٌ في الروايات الصحيحة، و رجلٌ فاضلٌ في الروايات المثبتة!