الإثنين، ٨ فبراير، ٢٠١٠

صاحب الشجرة المظلومة


صاحب الشجرة المظلومة





في الغربة مواقف كثيرة بعضها يرسخ في ذاكرتنا وذكريات أخرى لا نكاد نذكرها ، ذكرياتنا الراسخة سببها جمال الموقف وقوة الأحاسيس فيه وحبنا له وكذلك أبطال الموقف ومواقفهم منه ومنا ، والشجرة المظلومة هي أحد المواقف التي رسخت في عقلي ولم تغب عن خيالي كثيرا وكلما جلست للتأمل في حديقة ارتسمت على شفتاي ابتسامة سببها موقفي مع صاحب الشجرة المظلومة.

رجل في بداية حياته قطري الهوا والنشأة يحب بلده كما يحب عالمه الإسلامي ، اجتماعي متواصل يحب الخير وكذلك مندفع في علاقاته ربما لكونه لم يكمل ال19 في ذلك الوقت تعجبني شخصيته كثيرا فهو لا يتحرج من العلم ويحب الدين ويتمسك به في الغربة رغم أن الكثيرين يتساهلون هناك ، زال عجبي من شخصيته التي تسبق عمره عندما سمعت تحيه أقرانه من أهل قطر له وسؤاله عن والده فانكشف المستور وبان الخافي والده من أصحاب العلم وهو دكتور متخصص في الشريعة في جامعة قطر وكذلك الرجل سليل أسرة وجيهة لها الريادة والسيادة على قبيلتها.

عبد الله هو أسم صاحب الشجرة المظلومة كنت أسير معه متجهان إلى المكتبة للدراسة وكان فصل الخريف قد حل وللخريف جمال في أوربا إذ أنك تتأمل سقوط أوراق الأشجار بشكل كبير وجميل ، قبل الوصول إلى الجامعة ومن ثم إلى المكتبة نمر بحديقة صغيرة ليست كحديقتنا التي جلست فيها مع المتصوف السلفي ، فهذه الحديقة فيها أشجار قليلة وكذلك هى مأوى للمتشردين الذين لا سكن لهم أو ما يعرف في مصطلحهم بالhomeless ، وهم أشخاص مرعبون نسائهم ورجالهم عليهم سمات الرعونة والتهور ودائما ما يشربون الخمر ويكونون خارج نطاق تغطية عقولهم ، ليسوا مسالمين ولكنهم لا يجرئون على التعدي عليك بما أنك في نطاق كاميرات المراقبة ولكن لن يتركك بعضهم في حالك إن وجدوك في زقاق أو مكان مظلم.

نعود للحديقة كنا نسير والأشجار أمامنا عارية من الورق لا تكاد تجد فيها شيئا سألت عبد الله ماذا تعني لك هذه الأشجار فقال لي أتعني هذه الأخشاب الواقفة أرى أن تقطع ويستفيد الناس من حطبها ولا تترك هنا تنثر أوراقها الوسخة في الحديقة وتعيق الروية يا أخي أي منظر تراه فيها إنها والله تشعرني بالحنق والضيق عند رؤيتها.

تبسمت وعندها بادرني بسؤال مستفز هل قلت لك ما يضحكك أم أنك تستخف بي، أجبته بكلام لستيفن كوفي يقول فيه نحن نعتقد أننا نرى العالم كما هو .. لكننا في الحقيقة نراه وفقاً لوجهة نظرنا فقط ، يا عزيزي الشجرة الأن في مرحلة السكون والتفكير والتأمل هل الآن تنتظر الفرصة لكي تعود جميلة كما كانت أنا أرى فيها مأوى للطيور وأعشاشها ومنظرا جميلا للناظرين ومكانا يحتمي الناس به من المطر لماذا نغفل جمالها على مدى السنة وننظر لبشاعتها الآن فقط.
قلت له أشعر أن هذه الأوراق تنادي تصرخ قائلة ما أغربكم يا بني البشر تريدون كل شيء كما تشتهون لماذا لا تفكرون في حال الآخرين من يجلس على عرش المجد والجمال دائما لا أحد للحياة دوره كلنا ندخلها نحن عندما نسقط عن الغصن نفسح المجال للآخرين أن يأخذوا حقهم في الحياة أما أنتم فتتشبثون في الحياة حتى لو يبستم ولا تتركون غيركم يحيا ،سقوطنا عن الغصن لا يعني النهاية بل هو بداية حياة جديدة نستطيع من خلالها أن نرى جانبا آخر من جوانب هذا العالم نطير مع الرياح من مكان لآخر أو يعاد تصنيعنا والإستفادة منا أما أنتم فلا تريدون إلا أن تكونوا كما تريدون التجربة والتغيير صعب على نفوسكم والتضحية من أجل الآخرين ليست في قواميس الكثير منكم.

ليتكم يا بني البشر تنفضون غبار الحزن والسلبية عن عيونكم، وتحاولون توجيه دفه الحياة نحو ما تريدون دون إغفال الظروف التي تمرون بها ، لا تغفلوا عن مقولة لطالما سمعناها منكم: كن جميلا ترى الوجود جميلاً.

توالت الأيام والشهور وصادف أن اجتمعت مع صاحبي الذي ظلم الشجرة فقلت له ما الذي تراه في الشجرة الآن طأطأ رأسه خجلا مما قاله عنها وهمس قائلا أرى أن الحياة أوسع وأجمل من أوراق الأشجار التي تسقط بل النظرة السلبية لا تأتي على الإنسان إلا بالضيق وعدم فهم الأمور على حقيقتها فالدنيا أوسع من العالم الصغير الذي نعيش فيه ، للنزع الأثقال التي نجبر أنفسنا على حملها ونحن نعلم أن لا فائدة منها ، لماذا لا نحاول أن نجرب المفيد من الأمور فمن غير المعقول ولا المنطقي أن كل ما نراه هو الصحيح ولا صحيح غيره ، الدنيا أرحب وأوسع من أن نضيقها بالعباءة التي نرتديها، نحن نعلم هذا الأمر ولكننا لا نريد أن نجربه إما لكسل أو خوف وربما تردد ، يقول الشيخ (علي الطنطاوي) "نحن لا ينقصنا العلم، بل ينقصنا الشروع في العمل بما نعلم. إن كل واحد منا يعلم أن الكذب شر والصدق خير، وكل واحد منا يعلم أن للوالدين حقوقاً وأن صلة الرحم من الواجبات، وأن الغش والظلم والعدوان من أسباب غضب الله، ولكنا لا نعمل بهذا الذي نعلمه. هذا هو المرض الذي طالما أضاع علينا أموالاً ومكاسب وخيرات ومنافع وأفقدنا الدنيا والدين".

للنظر للحياة بنظر أكثر شمولية وواقعية ولنكن كعبدالله الذي رأي الفارق بعينه ولم يحاول ان يحجب الحقيقة بمنخل كما يفعل الكثيرون.


الجمعة، ٢٢ يناير، ٢٠١٠

الإبريز في فهم لغة الإنجليز

تحديث 2

الكتاب يباع حاليا عبر موقع مكتبة النيل والفرات http://www.neelwfurat.com/

تحديث
لمن سيزور معرض القاهره كتابي ترانيم قلب موجود في سرايا 4 عند مكتبة أم القرى للترجمة والنشر



هل تصدقون أنني اشتقت إلى الكتابة عن الغربة لا أدري لماذا ولكن كلما أمسكت القلم لأكتب أحسست بشعور جميل يتغلغل إلى أعماق قلبي باعثا في روحي إحساسا غريبا رائعا لا استطيع وصفه .

الغربة هي غربة الروح وإن كنا في وسط بلداننا فكم من غريب يعيش في بيته ، لا يحتاج أحد للطيران مسافات طويلة لكي يعيش التجربة يكفيه أن يعتنق أفكارا لا يتقبلها من هم حوله ليرى كيف يتحول إلى غريب ، فالغربة غربة الجسد والروح معاً وقد تكون للروح فقط.نعود لنسماتنا الباردة في كامبردج حيث نحول اللغة إلى الإنجليزية للتفاهم مع من يسكنون فيها ، اللغة ليست بالأمر الصعب ولا المستحيل ببساطة تحتاج اللغة إلى كسر حاجز الرهبة ثم الرغبة الجادة في التعلم فمحاولة التمازج مع المجتمع دون الاندماج التام ، اللغة الإنجليزية تحتاج إلى وقت لنتقنها فلا يعتقد أحدا أنه من الممكن خلال 6 أشهر إلى سنه أن يعود وهو إنجليزي الأصل والنشأة لا يعود وهو يعرف التحدث والتفاهم مع من ينطقونها دون أن يكون منهم .



فلا تيأسوا أيها الدارسون فاللغة تحتاج إلى وقت حتى نتكلم كما يتكلمون ولكم فيمن عاش بيننا نحن العرب بل وعاش مع القبائل في الصحراء عبرة وعظه لا يزال يتحدث العربية وأعجميته في لسانه وهم جادون أكثر منا في تعلم اللغة ولكن مهما يكن فلن نتقن لغتهم كما يفعلون هم ولكننا نستطيع الوصول إلى أقرب مستوى كلٌ حسب جهده.


أول ما يصادف دارسوا اللغة الإنجليزية صعوبة الاندماج مع الثقافات المختلفة التي يتعايشون معها فجميع من في معهد اللغة فيما عدا المدرسين ليسو من أهل اللغة ولذلك يتميّز كل عرق عن الآخر بأمور فالشرق آسيويون خصوصا أهل اليابان والصين أقوياء في الكتابة والقراءة والقواعد أما نحن العرب فنتميز بالتحدث وفهم ما يقال لنا –الاستماع- أما الأوربيون وأهل أمريكا الجنوبية فلا يتميزون بشيء معين بل ميزتهم أن لغاتهم الأسبانية والإيطالية والفرنسية والألمانية كلها ترجع مع الإنجليزية إلى اللاتينية وبالتالي سهولة تعلمهم للغة موجود لوجود كلمات كثيرة لها نفس المعنى بالإنجليزية ولكن نطقها وطريقة كتابتها تختلف وأنا أشبه حالهم كحال أهل المشرق العربي عندما يكونون في شمال أفريقيا فاللغة عربية لكن التواصل صعب.


الأمر الآخر والذي عانيت منه أنا شخصيا هو خلفيتنا التربوية الثقافية وهنا أرجوا أن تتريثوا في الحكم على ما تقرءون فالأمر لا يحتمل الظن السيئ أو الطعن في الأخلاق الحميدة التي نشأنا عليها وإنما القصد منه شرح العقبات التي تواجه بعض الدارسين هناك ، كوني نشأت في أسرة متدينة تمنع الاختلاط بين الرجال والنساء من أبناء العمومة وكذلك تدرجي في مراحل حياتي الأولى بين مجتمعات المتدينين الذي حفظونا بعد فضل الله وتربية الوالدين من الدخول في أجواء الانجراف وراء الأهواء والانحراف عن طريق الأخلاق وإن كنا ابتعدنا عنهم اليوم ولكننا لا ننسى فضلهم .


هذه الأجواء خلقت في أنفسنا بعداً ونفورا من الطرف الآخر وأعني النساء هنا فالمرأة تعني خطا أحمر–وأنا مقتنع بذلك- لا يجب الحديث معها دون ضرورة ولا يحق لنا التواصل معها بأريحية وليس من الممكن الحديث معها في الهاتف أو الخروج معها برفقة الآخرين كل ذلك حال دون التواصل مع المجتمع الغربي بالشكل الصحيح وهنا لا أريد الحديث عن أضرار الاختلاط ومحاسنه رغم أننا في الكويت جامعاتنا مختلطة ووزاراتنا مختلطة والحياة ليست بشدة وانغلاق المجتمع السعودي مثلا ولكن مع هذا الإرث الثقافي الذي أحمله منعني من التواصل ولذلك لم أصل إلى هدفي بالشكل الذي خططت له ، فقد كان من الأجدر بي أن أختلط معهم في إطار النشاطات المدرسية حتى تكون الاستفادة أكبر وما منعني عن المشاركة هو أنني لا أضمن عدم التواصل مع أحدى البنات خلال النشاط فآثرت الابتعاد على الوقوع في ما كنت أراه خطا أحمراً ، أما اليوم وبعد التجربة فأنا لا أدعوا إلى الاختلاط وتجاوز أخلاقنا وديننا بحجة التعلم ولكني أدعوا إلى وضع الأمور في موازين معقولة فثقافتنا التي تقول أن جميع العلاقات بين الرجال والنساء تقود إلى الوقوع في الخطأ هي أمر نسبي في المجتمع الغربي ومن هنا لو عدت لأول أيامي فلن أتحجر في قراري وسأندمج معهم في إطار حاجتي للتعلم وهذا بالطبع أمر وقتي غير دائم ، ومع هذا أقول باستطاعتنا التعلم دون الدخول في هذا الباب بحصيلة لا تكون بقدر من يدخله.قد يتساءل البعض هل من المعقول أنه لا يوجد رجالا تقدر على التواصل معهم ، فأقول ومن تجربتي المتواضعة أن الأمر ممكن ولكن عيبه الوحيد أن الرجل الذي ستتواصل معه هو في نفس مستواك في اللغة وقد يفوقك قليلا وربما يقل عنك ولذلك النشاطات التي تقام يكون فيها دائما أناس من الإنجليز وهم أهل اللغة والتعلم منهم موجود ، للرد على من يقول لماذا لا تصادق الإنجليز الرجال إذا فأقول هل تصادق أنت رجلا لا يحسن التفاهم معك؟ وتتحمل تعليمه وتصبر على كلماته الغير مفهومة والأمر الآخر نحن خلال فترة دراسة اللغة لا نتعايش مع الإنجليز إلا مع الأسر التي نعيش معها وهم بطبعهم لا يميلون للتواصل معك بشكل كبير كما هي حياتنا، عموما لا أبرر هنا ما قلته وإنما أحاول رسم صورة كاملة لمن يريد أن يراها.



نعود لحديثنا عن اللغة من العراقيل التي يواجهها الطالب هناك الكسل فغالب الطلبة من الكسالى كون الحكومات الخليجية تدفع الكثير من الأموال للمبتعث فيجد في وقته فسحة يقضيها في الملهيات بدل من قضائها في الدراسة والاجتهاد كما أن ثقافة التخطيط تكاد تكون معدومة عند الخليجيين خصوصا والعرب بشكل عام ، فغالبنا لا يعرف قيمة الوقت ولا يحسن استغلاله بل هناك أمر غريب لمسته عند 95% من المغتربين الخليجيين وهو أن الدراسة في وقت المعهد أو الجامعة وبعد ذلك هو وقت للترفيه والاستمتاع ولذلك معروف عن العرب أنهم أبطأ الطلبة تجاوزاً للمستويات في المعهد إلا ما رحم ربي.


ولو نظر أحدنا للطلبة الذين معه لوجد أن الصينيين واليابانيين يقضون في المكتبة وقتا يعادل الوقت الذي يقضونه في المعهد وربما زادوا على ذلك ، كما أن الثقافة بالنسبة لهؤلاء الطلبة وغيرهم من الأوربيين والقادمون من أمريكا الجنوبية أن العطلة والراحة تكون في نهاية الأسبوع ولذلك هم يقضون أوقاتهم بإخلاص في هذه الأيام ويستمتعون بها وهذا حق مشروع لهم فطوال الأسبوع يكونون في عمل ، كما أن لضيق اليد دور كذلك في خلق هذا المفهوم عندهم وأذكر أنه لما زال الملك عبد الله بن عبد العزيز بريطانيا أعطى لكل طالب سعودي راتب إضافي وهو ما يعادل 800 جنيه إسترليني الأمر الذي جعل طالبه من تايوان تقول 800 جنية ولا تكفيكم أنا راتبي الشهري 350 جنية ومع ذلك أوفر منه ، ولكن بالطبع هم يعيشون في غرفة مع شريك ونحن لا نقبل بمثل هذا الأمر ومع ذلك فثقافة الإنفاق هي ما نحسنها ولا نعرف معنى التدبير والناظر لحال الطلبة وحتى الموظفين في بلداننا الخليجية يجد أن غالبهم نهاية الشهر يكون على وشك الإفلاس أو أنه مفلسٌ حقا.الاجتهاد عندما يكون قريناً لأي شخص مهما كانت ثقافته وهويته فإن ينجز ويصل لمبتغاة وهدفه وأنا أضحك كثيرا من بعض السذج الذين يقولون أن الله تعالى قد أعطى للغرب التميّز لأنه حفظ لنا ذلك الأمر في الآخرة فأين هذا الساذج من أجداده الذي لو كانوا في زماننا هذا لأخذوا جوائز نوبل وغيرها ولكن الفارق بيننا وبينهم أن عندهم حكومات ترغب في تطوير شعوبها ونفوس ترغب في الرقي ببلدانها وحرية وعدل يعطيان المجتهد حقه ويرفعانه.



لم أسطر هذه الحروف لأقول لكم أننا لا نستحق الصدارة بل سطرتها لأقول نحن أهل الصدارة وأهل الإنجاز ولكننا نسينا ذلك ويكفي أن نذكر أن ديننا يحث على العمل والقراءة والبذل وقد منحنا أجرا على نياتنا الحسنة فكيف بأعمالنا ، أدعوكم لأن نحاول أن نعود للعب دور البطولة بعد أن أصبحنا اليوم متفرجين وفي الصفوف الأخيرة.

لكم ودي

الخميس، ٧ يناير، ٢٠١٠

أول مولود


بفضل من الله وكرمٍ منه وصلني اليوم خبر طباعة كتابي الأول



"ترانيم قلب"


الذي سيكون متاحا للبيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب نهاية شهر يناير

وقريبا سيكون متوفرا في الكويت والسعودية وكذلك مكتبة النيل والفرات على الإنترنت :)

دار النشر :مؤسسة أم القرى للترجمة والنشر
مصر المنصورة

هاتف : 0502362634
جوال:020105725222

ودعواتكم لنا بالتوفيق :)

الجمعة، ١ يناير، ٢٠١٠

أوراق الماضي

نظرت إلى ساعتي اليوم فوجدت تاريخها هو الواحد والثلاثون من شهر ديسمبر ، ذهلت مما رأيت هل انتهى العام، لماذا غادرنا بسرعة وكأنه شهر، بالأمس كنا نناقش ماذا سنفعل هذا العام وما هي منجزاتنا وكيف السبيل إلى تحقيق طموحاتنا ، كانت النفوس مملوءة بالأمل والتفاؤل واليوم هاهي لا تدري كيف مر العام وقد ضلت طريقها وحادت عن مسارها المرسوم أول العام المنصرم!!

نحن من قلائل البشر الذين يخططون دون النظر لحالهم ، نرسم الأفكار رسما متقناً ونصيغ الكلمات بحروف من همة عالية وندونها في دفاتر الأمل ولكننا غفلنا عن أننا تائهون فكيف للتائه أن يخطط! ، لو جلس احدنا مع نفسه جلسه مصارحة ونظر عن يمينه كيف هي أيامه التي قاضها في سنين مضت من رصيده، أتراه حقق ما يرجوا ويطمح؟ هل هو في مكانه الصحيح حيث حلم ورسم وخطط؟ ، أم لا يزال يلقي بأسباب فشله على مجتمعه وعلى القضاء والقدر ، وإن كان في مكانه الصحيح –وهذا نادر حدوثه- هل عنده هدف واضح لما سيكون بعد ذلك أم أن حدود طاقاته وقمة أهدافه أن يكون صاحب أسرة وينجب من يدعوا له بعد وفاته! ويكون لدية بيت ورصيد في المصرف وسيارة فاخرة .


لو أن الرهان حلال لراهنت بكل ما أملك بأن هذا هو حال معظمنا وللأسف ، نتساءل كثيرا لماذا نحن متخلفون بعدما كنا سادة الأرض وسلاطين الزمان ، أين ذاك التاريخ المشرق أين هم السلاطين العظام هل سيأتي اليوم الذي يقوم فيه القدر بإرجاع كل هذه المميزات لنا؟ ، أم ربما يقوم أحد أمراء المؤمنين من قبره بمعجزه إلهية فيقود الأمة نحو النصر بكبسة زر ، أين أمجاد بدر وحطين وعين جالوت وبلاط الشهداء ، نحن مثلهم عرب مسلمون بل لربما نحن في ميزان التطور والتميز والرفاهية أفضل منهم بدرجات كثيرة فلِمَ هذا التخلف .


وبعد كل هذه التساؤلات التي طرحناها على أنفسنا ، نقوم ببرود لا مثيل له بإدارة رؤوسنا نحو شمائلنا نتأمل في المستقبل الحالم ، نرى فيه العربات الفارهه والقصور العالية ، نرى فيه الخدم والحشم بل أن بعضنا قد بنى له ما فاق قصر الحمراء جمالا وتجاوز قصور ملوك اليوم تطورا ، ونعود فنسأل أين هي أمجادنا؟!


أمجادنا يا كرام لا تعود بالأحلام ، فالقصور في الأحلام هي بضاعة الحمقى وثروة المجانين وأوهام الكسالى ، إن أردنا أن يكون عامنا هذا مميزاً فليكن الطموح لدينا أن نكون علماء أو فقهاء أو أطباء ، لنجعل سلوتنا في الكتابة ونقضي فراغنا في القراءة ونحشو عقولنا بالايجابية ، ليترك كل منا الأنانية ونظر الأنا لذاته وليجعل حياته كلها من أجل أمته ودينه ، ليبتعد كل واحد منا عن التشبه في الغرب وأخذ فضلاتهم وترك محاسنهم .

نفوسنا يا ساده كالخيل الأصيلة ، فلا يعاقب أحنا نفسه بل ليسسها سياسة الفارس الخبير يكرمها إذا شدت ويحثها إذا كسلت ويدربها إذا فرغت ويريحها إذا تعبت ،ليجعل كل منا هذا العام عام الصعود والارتقاء ، لنرفه عن أنفسنا فالنفوس إذا كلت ملت ، ولكن ليكن شعار الترفيه عنده على قدر أهل العزم تأتي العزائم!!

قد قرأت حكمة أعجبتني كثيرا يقول قائلها (إن السفن آمن ما تكون بالمرفأ لكنها لم تصنع لذلك ..!! وإن الرجال آمن ما يكونون في بيوتهم ولكنهم لم يخلقوا لذلك..!! فكن ربانا ولا تخشى البحر!!)

نعم لنكن قادة أسطول سفن الإبداع في بحر التميز ، نرخي حبال مراكبنا وليبحر كل واحد في ذاته يغوص فيخرج الدرر الكامنة داخله ، لا نريد أن نكون كلنا كتاباً أو أدباء ، لكن نريد أن نرى متميزون في كل مجال ، لا تستصغر أي أمر فمعظم النار من مستصغر الشرر ، لنقطع حبال الكسل بسكين العمل ، هيا بنا نهمش من يجعل حياتنا هامشية بل ليتنا نطرده خارجها ، وليكن في عقولنا دائما بأن الهمة العالية توصل للمراتب الراقية ، إقرؤا سير الأولين وعظم بذلهم واستشعروا جهدهم اتخذوهم قدوات وليتنا نبدأ كلنا اليوم قراءة كتاب الشيخ عبد الفتاح أبوغدة صفحات من صبر العلماء ومن كان يظن أنه قد بذل الكثير فسوف يشعر بعد قراءة الكتاب-وأنا اجزم هنا- بأنه قزم في دنيا التضحيات!


دقائق معدودة ويشرف عامنا هذا على الرحيل وليس في ديننا سوى عيدين ونحن لا نبارك لكم هذا العام لأنه عيد بل نبارك لكم فيه لأن صفحته ستطوى ولن تعود أبدا ، فنجعل من نهايته فرصة للعفو والتسامح ولنرضي نفوسنا ربما حملت في طياتها سخطا إما لفعل نجهله أو تقصير تمادينا به ، لنعتذر ممن أسئنا إليه ولنصفح عمن أساء إلينا ، ليكن عنوان دقائقنا المتبقية هو (أنا أعتذر فأرجوك أقبل أسفي) ، ولا ننتظر جزاءا من أحد بل لنترك الجزاء لصاحب الكرم والعفو.


كل عام وأنتم للخير اقرب ، كل عام وهممكم تناطح الثريا ، كل عام وأنتم قادة وسادة ، كل عام ونفوسنا ممتلئة بالمحبة والمودة ،كل عام وكسلنا للفناء أقرب ، كل عام وأنتم بخير.

اختم هذا العام بأبيات رائعة للأبيوردي يقول فيها:

تنكر لي دهري ولم يدر أنني / أعز وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الدهر كيف اعتداؤه / وبت أريه الصبر كيف يكون

الثلاثاء، ٢٩ ديسمبر، ٢٠٠٩

الحديقة والجلوس في الصومعه مع صوفي






الجلوس في حديقة غنّاء تحفك فيها الأزهار من كل جانب ويمتد بساط عشبي أخضر نضر بلا صفرة تغشاه على مد بصرك ، ونسمات من هواء عليل تمر بقربك فتعطيك شعورا بأن العافية تمكنت من نفسك والنشاط سرى في عضلات جسمك تنعشك وأنت في قمة كسلك فيا الله ما أجمل تلك النسمات ، خلال هذا الشعور الرائع تنزل على المكشوف من جسدك أشعه الشمس البنفسجية الدافئة لتضفي على جمال الجو حرارة المشاعر شعور جميل لو أحسسنا به في مواقف عديدة لسهل علينا حل مشكلاتنا وفهم آراء الآخرين.


الغربة تضفي على النفس شعورا جميلا يزيد من جمال العشب وعذوبة رائحة المطر المتغلغل في الطين يا لجمال هذه الرائحة لو كانت تباع سأكون أول من يبتاعها فهي تذكرني بذكريات جميلة في حديقة مدينة كامبردج العظيمة ، هذه الحديقة التي زرعت في فؤادي حب الخلوة والطبيعة حب التأمل والسكون وزادت من خلوتي فكما أظلمت في عيني الدنيا أشعلت الحديقة أضواء التفائل والراحة بالمنظر الذي تحتويه فيا لهناء كل صاحب بيت له حديقة.



هدوء المشاعر وسكون النفس إن كانت حاضرة في وجود صاحبٍ أديب فقيه غير متعالم ينظر للحياة بغير نظرة العاديين لها ويقرأ بين سطور الكتب ما عجز بعض المتفيهقين عن فهمه أو تحاشى بعضهم بسبب قصر نظرة ترك عقله يقلبه بين أفكاره لعل في التقليب غربله لمفاهيم أو إعادة ترتيب لفكر أكل الدهر عليه وشرب ، إن حصل لك ما قد حصل لي فإنك محظوظ.

جلست مع أحد إخوتي الذين يصغرونني بالعمر ويكبرونني في القدر والعلم رجل لن اذكر لكم اسمه ولكنه سيعرف أنه المقصود حال قراءته للمقال ، التقيت به في الغربة صدفة وما أجملها من صدفة تلاقت قلوبنا وإن كانت لم تلتقي من قبل وما أجمل التقاء القلوب التي تحمل فكراً واحداً فلذة هذا اللقاء لا تعدلها لذة أبدا ، جلست معه أياما ننتقل بين بستان الأدب وروض الفقه وحدائق الفكر ، أسامره في بعض المسائل فأجده صاحب عقل متفتح يسحبك لحب فكره سحبا وأفضل من ذلك يتقن مالا أتقنه وهو فن الإنصات وحسن الاستماع .

هو سلفي القلب والعقيدة والالتزام ولكنه متصوف الفكر والطبائع لم أجد فيه مخالفة لأوامر الله ولا لأوامر رسوله بل كان من المتمسكين بها بغير شدة تغلبه ولا لين يبعده عنها ، حاولت مرارا أن اختبره كما هي عادتي حين التعرف على صديق فما وجدته إلا واثقا من نفسه قويا في حجته لينا في مناصحته.

ناقشته في موضوع التقرب إلى الله عبر الاستغفار ولماذا يستغفر أحدنا أحيانا ألف مره ولا ينال مراده رغم أن الآية صريحة (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا ) ، والحديث (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) فلماذا نستغفر ولا ننال مطالبنا بل ندعو ولا يستجاب لنا ونحن قد تجنبنا أسباب عدم الاستجابة وبعدنا عن مواطن الشبهات .

قال لي بلهجة الواثق هل كانت نيتك من وراء الاستغفار استحضار عظمه الله وقدرته أم أن الأمر عندك لم يتعدى مسألة الأخذ والطلب! ، هل تفكرت في كلمه استغفر الله أم تركت لسانك يرددها دون تمعن في معناها وماذا يراد من ورائها ، كلماته هذه أصابتني بالذهول الإجباري فلم استطع أن أخالفه استمر حديثنا ورجعت لأفكر كيف لهذا السلفي أن ينحى بفكره هذه الناحية أليست الصوفية هي من تدعوا لمثل هذه الأمور ، هل يعقل أن أكون سلفيا بتفكيري وعقليتي على منهاج أهل السنة والجماعة وأفكر بهذا التفكير.

جلست وبقربي كوب شاي مطعمٍ بالنعناع الذي يضفي طعمه على العقل راحة يحتاجها وبدأت أترك لقارب تفكيري الإبحار في هذه الإشكالية هل التفكر فيما نقول وندعو ونعتقد يدعونا إلى التقرب من الله أكثر ، وهل استحضار عظمه الله من خلال ترديد ما نقول بشكل أعمق يزيدنا قربا من الله كما يدعي الصوفية ولا يفعلون! ، نحن بحاجه إلى ترقيق القلوب وإطلاق الفكر نحو التفكر أكثر من أكثر من استقبال التلقين دون فهم أو إدراك لما نقول ، هل تفكر احدنا لماذا نستغفر الله ولماذا بالاستغفار نحقق لأنفسنا ما نريد ونرضي الله بما فعلنا ؟ هل خطرت في بال أحدنا أن يقول استغفر الله وهو يتفكر بمعنى أن الله هو الملك وسرح في خياله واستشعر عظمه الله وانه واقف على بابه يطلبه الرحمة والغفران والحصول على بغيته ومراده.

الله هو الملك وهو الغفور وهو الرحيم والرازق والرزاق هل استشعرتم يوماً وقوفكم على باب الملك تطلبونه وترجونه أن يفتح لكم ، من أدمن قرع الباب فتح له كلمه قرأتها ولكن يعلم الله أنني بدأت أطبقها على نفسي واستشعر بأنني اطرق باب الملك الجبار الوهاب وأرجوه أن يفتح لي وأتخيل وأتفكر بملكوته وقوته وعظمته سبحانه فلا أجد نفسي سوى جرم صغير بل أصغر من الصغير نفسه وهو يسمعني وينظر إلي ويحس بي بل ويتبسم ويعجب من دعائي ، استغفره وأنا اعلم أن الاستغفار باللسان لن يوصلني إلى مرضاه الملك العلاّم بل إن استغفاري له بجناني ووجداني يوصلني إلى مرضاته سبحانه .

عندما دخل السفاح عبد الله بن علي عم أبي العباس السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام قتل من بني أمية الكثير وجعل جثثهم تحت السماط وجلس وأكل عليه وقال لقومه من ينكر عليّ قالوا ما نعلم أحدا ينكر عليك غير الإمام الأوزاعي فدعاه وعندها علم الإمام الأوزاعي أنه مقتول لا محالة فتحنط وتكفن وودع أهله وخرج يؤم مجلس عبد الله بن علي ودخل عليه وجثث الأمويين على جانبي المجلس فسأله ما قولك يا أوزاعي في ما فعلناه ، فرد الإمام قال حدثنا فلان عن فلان عن جدك عبد الله بن عباس لما نظر رسول الله إلى الكعبة فقال مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك ولَلمؤمن أعظم عند الله حرمة منك ،فغضب الأمير وأرعد وأزبد فما كان ممن في المجلس إلا أن رفعوا ثيابهم لكي لا يصيبهم دم الأوزاعي ولكن حدث عكس ما توقعوا فالأمير قال للأوزاعي اخرج ، فشاع الخبر وانتشر فلما قيل للأمام ما سر وقوفك وصدعك بالحق أمام هذا السفاح فقال استحضرت عظمه الله وأنني بين يديه فما شعرت إلا وأنني لا أرى من ظلم وجبروت هذا شيئا ، وقد روي أن عبد الله بن علي مر على قبر الأوزاعي بعد وفاته فقال ما كنت أخشى أحدا في هذه البسيطة سوى صاحب هذا القبر!.

هل وصل الإمام الأوزاعي لذلك الشعور عبر تخيله فقط أم أنه عاش فيه وطبقه في حياته وجعل الله نصب عينيه وأمامه ، لولا اندماج الإمام الأوزاعي بذلك الشعور ووصوله لدرجه عاليه من التفكر والخضوع لما صغر أمامه عبد الله بن علي ولكان خوفه هو المسيطر أما من تيقن بأن الله ناصره وحافظه وأن الله على كل شيء قدير يقينا لا قولا كان وقوفه أمام أي إنسان لا يعدل شيئا أمام خوفه من الله أو رجائه بأن يمن الله عليه بالثبات والفرج في أوقات الأزمات والملمات.

بعد هذا الموقف كيف سيكون تفكركم وترديدكم للأذكار والأدعية هل على نمط الترديد كآلات التسجيل والمذياع والمتصوفة أم بطريقة السلف أصحاب التفكر والاعتقاد الصحيح ! اترك لكم الإجابة؟

الأربعاء، ٢٣ ديسمبر، ٢٠٠٩

خلفاء بني مجنون

خلفاء بني مجنون!

نعم هم خلفاء وأمراء ولكن على نفوس مجنونة ، يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وهم لا ينفعون أحداً لا تتعجبوا ولا تطلقوا الأحكام الآن بل أكملوا المقال إلى آخره فأنا على يقين أن الكثير منكم سيغيّر رأيه ويؤديهم .

القوانين في الغربة تختلف عن القوانين في الأوطان فعندما تتغرب لا يمكن أن تتصرف كما تتصرف في بلدك وخلفاء بني مجنون يصرون على أن يكونوا على ما هم عليه دون فهم للواقع ، المسألة نسبية ما يجوز في بلدي ربما لا يجوز في بلد آخر ولذلك الطبائع تختلف والثقافات تتبدل والعقول تتقلب من بلد إلى آخر لأنه للأرض وللجو وللإرث الثقافي تأثير كبير علينا .

الكرم من طبائعنا التي نفخر فيها نحن العرب بل أعتبرها أنا من أفضل موروثنا الجاهلي إن أضيفت المروءة إليه ، البيئة الصحراوية القاسية تجبرنا على أن نُشرك الآخر في ما عندنا ولا نتكلف بل يكون الأمر واجبا إن كان القادم علينا ضيفاً والأمر هنا يكون بالإكراه لا بالاختيار والكرم لا يعني البذخ بل يعني البذل والإيثار وعقول الكثيرين منا لا تعي هذا الأمر فيكون البذخ رمزا للسخاء والجود رمزه المال والكرم رمزه الإحراج.

خلفاء بني مجنون في الغربة يحورون مفهوم الكرم من بلدانهم إلى بلاد الإنجليز فهم بدلاً من أن يضعوا أمامك خروفاً وطَن من الرز يكفي لخمسين معك،يجبرونك على أن تأكل في المطعم على حسابهم بل إن لم تستجب تكون قليل الحياء وقليل الأدب لا تحسن الرد وليست عندك لباقة بل تكون حديث الساعة في أوساطهم ونظرات عيون الكثيرين منهم تخبرك أنك لست رجلا بل لا تفقه في مبادئ الرجولة شيئا كل هذا لماذا لأنك رفضت دعوتهم في المرة الثالثة أو الرابعة.

ليت خلفاء بني مجنون يجعلون الأمر في الدفع عنك فقط لا فهم يجبرونك بلطف أن يكون الدفع بينك وبينهم مره لك ومره عليك وذلك عبر تحريك مشاعر المروءة والرجولة فيك فمن غير المعقول أن تأكل على حسابهم دون أن تدفع لهم ولو مره وهنا تكمن المشكلة فهم لا يأتون فرادى كما نأتي بل جماعات فهم يدفعون لك وأنت تدفع لجماعتهم وهذا الأمر يكلف الطالب ميزانية كبيرة ليس مضطرا لدفعها.

الطامة الكبرى هي أن الكثير من هؤلاء الخلفاء يكابرون فالغربة كتاب مفتوح لأن الجميع يعرف الناحية الاقتصادية للكل فمعروف أن أهل الإمارات والكويت وقطر يستلمون أعلى رواتب بالنسبة للطلبة يتعبهم أهل المملكة ثم البحرين وعمان وعلى حسب المنطقة التي يسكنها المرء يكون تدبيره لراتبه وفي كامبردج الإيجارات والأكل والمواصلات بالكاد يغطيها الراتب فلماذا هذه العادات الغريبة؟ ولماذا نجعل المجاملات تكون وبالاً على الكثيرين بدل من أن تكون بردا وسلاما ؟
أذكر مرة أنني كنت في المطعم وكان معي مجموعة من الرجال الكرام وكنا نعرف أن كل شخص يدفع ما عليه لأننا نأكل في نفس المطعم كل يوم، جلس بقربنا خليفة من سلالة بني مجنون وأحرج صاحبي وحلف بالطلاق أن يدفع عن المجموعة الأمر الذي أغضبنا فقمت محاولاً التفاهم معه بأن يدفع لصاحبه إن كان مصراً ويتركنا رحمةً بنفسه فدفعني على الكرسي وأمرني بالسكوت وإلا سيطلق زوجته!، دفع ثمن الغداء وخرج ونحن في قمة الضيق والحرج! وعجبت أشد العجب كيف أن زوجته رخيصة عنده فقد باعها بصحن من الأزر.


قد يتساءل البعض وماذا كنت أنت تفعل هل من المعقول أنك لا تشارك الناس حياتهم لا على العكس كنت أدفع وأعيش حياتي بواقعيه فالأصحاب ليسوا بحاجة إلى الدعوة بل كنا ندعو من يزورنا من مناطق أخرى أو رجلٌ نأكل معه للمرة الأولى فنؤلف قلبه بهذا الأمر ولم أكن لوحدي بل يشاركني أخوتي والأمر الأساسي هو أن نحكم عقولنا ولا نضغط على الآخر حتى لا ينفر ولا زلت أحس بالضيق كلما تذكرت دخول بعض خلفاء بني مجنون علي في المطعم إن كنت آكل لوحدي فهم ينهكون الخصوصية ويفتكون بالراحة ويجبرون الضيق والغضب على الحضور.

لا تحسبوا أن الكرم الحاتمي هو عيب بني مجنون الوحيد بل على العكس هو عيبهم الأول من عيوب كثيرة ، مباراة كرة قدم تجمع بين فريقين من بلدين خليجيين ينتهي الأمر بالشجار والضرب وشد الشعر والتجمع الكبير وكأن حرب داحس والغبراء عادت من جديد أين الأخوة أين صله القربى أين الأخلاق أين الإسلام ربما خرج للتماس كما خرجت الكرة ، وعندما حاول الكثيرون من الأخوان معالجة الموقف وجدوا العناد في أحد الأطراف والمسألة كلها كرة قدم بدايتها كانت تسلية ونهايتها ضرب وتكسير عظام بين الأخوان ولا تعجبوا فهم من خلفاء بني مجنون!

من أخبارهم أنهم يأخذون كل ما هو هامشي في الحياة هناك ويتمسكون فيه كثيرا لدرجة أنهم في معهد اللغة يبحثون عن المرأة ولا يبحثون عن العلم ويذكر لي أحد الأصحاب ممن سبقونا في الدراسة حادثة طريفة مرت عليه خلال دراسته للغة يقول كانت هناك فتاة من البرازيل تأتي إلى الطلبة العرب تسألهم من منكم من البلد الفلاني –بلد خليجي- فيقول الكثيرون منهم لسنا منه ولكننا خليجيون هل هناك أمر فتقول لا أريد شخصا من نفس البلد وبعد أسبوع جاء إلى المعهد رجل ملتزم من نفس البلد فقالوا للبنت أن هذا الرجل من البلد الذي تسألين عنه فأتت مسرعة نحو وبعد أن حيّته طلبت منه سجائر للتدخين ؟ أستغرب الطلب وقال لها أنه لا يدخل فأجابت وهي غاضبة فلان صديقي القديم قال لي أن كل مواطني هذا البلد يدخنون ويعطون البنات السجائر مجاناً تعبيرا عن الاحترام والتقدير!

خلفاء بني مجنون من الصعب التحاور معهم ولا يقدرون الخصوصية بل يغضبون إن تطفلوا عليك ونهرتهم لأنك لا تعرف من الرجولة إلا أسمها فعندما يسهرون يجب أن تسهر معهم وعندما يسافرون يجب أن تسافر معهم راضيا أو مكرها فالأمر عندهم سيان وجودك فقط هو المهم لا لأنك مهم بل لأن يحسون بالرضا إن أخذوك معهم ، المفاهيم عندهم مقلوبة والأفكار مشوشة لا يحسون أن فعلهم هذا في بلدانهم يسبب الضيق فما بالكم في الغربة الضيق أشد وأشد.

وحتى لا نظلمهم يجب أن نحق الحق فمنهم أشخاص يفعلون ذلك بنيّةٍ حسنة ويضايقونك غير متعمدين لأنهم جبلوا على هذا الأمر فمن الصعب أن يتخطوه أما البعض الآخر فيفعل هذا الأمر حتى يقال هل رأيتم ماذا فعل فلان وتسير الأقدام بذكره لساعات فيرضى هو عن نفسه ويسخط عليه بعض الناس ، وقد انتشرت بيننا كلمة هناك من كثره ما تضايق البعض من هذه الأفعال بقولنا للآخرين بطريقةٍ مازحة "نحن تركنا هذه الأمور في المطار ولم نضعها في حقائبنا" ويقتنع البعض بها ويخالفنا آخرون.

لست أدعوا إلى رمي كل عاداتنا في الغربة والتخلي عنها بل أدعوا إلى أن يعاد النظر في الكثير منها خصوصا التي لا تمس أخلاقنا أو كرامتنا بل تتعلق بعلاقتنا مع الآخرين ولا مانع من التزاور والتراحم والولائم ولكن بمناسبات معيّنة ودون تكليف أو تعليق دين برقاب الآخرين.

قد يخالفني البعض في رأيي عن خلفاء بني مجنون وهذا حق مشروع للجميع ولكن أتمنى أن لا يكون في النفوس شيء فالأمر هنا غير مسموح فيه أبدا  وجهة نظر عبرت عنها بالعين التي شاهدتها وربما تكون هناك تجارب أخرى ناجحة ولا أضنها كثيرة لأننا في بلداننا نتضايق من تهويل هذه الأمور وربما يشاركني البعض أننا غارقون في المجاملات حتى الموت.

الإثنين، ٣٠ نوفمبر، ٢٠٠٩

وا حرّ قلباه

وا حر قلباه

وصفت لكم في المقال السابق حال المدرسة والمُدرّسة وبما أن الأحاسيس عندي مضطربة فآثرت أن أكتب عن أحاسيس شرقنا ومادية غربهم ، مشاعرنا وجمود مشاعرهم ، بعبارة أخرى وضعهم العملي ووضعنا العاطفي جدهم الخالي من العواطف وعملنا المليء بالأحاسيس والتسويف ، الحواجز التي يضعونها ولا يلغونها في الغالب إلا في وجود مصلحة وأبوابنا المشرّعة على مصراعيها لكل إنسان بغض النظر عن طبعه وصفاته وأخلاقه.

في هذا المقال سأحاول أن أعرض لكم مجموعة مواقف في ترتيب غير زمني فهذه المقالة عاطفية قلبية شعورية كالفرس العصيّة لا تُلجم بل تترك حتى تهدأ ، لجام هذه المقالة هو التعب من الكتابة أو نفاذ الأفكار فهكذا المقالات الارتجالية لا تدري لماذا تكتب ولكنك تكتشف أنك كتبت!!

نعود إلى نسمات كامبردج الباردة التي بدأت تداعبني الآن رغم المسافة التي تفصلني عنها ، في طريق عودتي إلى المنزل كان هناك مركز صغير للتسوق أو ما يعرف بالسوبر ماركت وكان صاحبه هندي الجنسية يهش ويبش في وجهي وزوجته كذلك ولأنني كنت أعتقد أنهما مسلمان فقد كنت أسألهم عن المسجد وموعد الإفطار ومغيب الشمس والبضائع التي تحتوي على خمر وكانا يجيبان بكل صراحة وأريحية ، وفي أحد الأيام دخلت عليهم وكنا في نهار رمضان ووجدتهما يأكلان صعد حاجبي بطريقة لا إرادية وعندها أبتسم صاحب السوبر ماركت وقال أنا بوذي لست مسلما ولكنك لم تسألني يوما عن ديانتي ، صدمت من رده وقلت له إذا لماذا تعاملني بهذه الطيبة وتخصم لي من سعر بعض السلع وتنصحني قال لأنك شرقي وأنا متأكد أنك تفتقد أسرتك وعالمك الذي كنت تعيشه فأردت أن أعوضك ولو بقليل من المشاعر!.




على النقيض تماما منزل العجوز الأولى التي كنت أسكن عندها كل شيء بالمال الدخول على الإنترنت بالمال مشاهده التلفاز بعد 11 مساءا لا بد من أن تدفع مقابل هذه الخدمة ، غسل الملابس بغسالتها بالمال وإن أردتها هي أن تغسل لك لا بد أن تزيدها بل والله إنني أكلت في إحدى المرات وجبه العشاء التي أعدتها وكنت لا زلت أشعر بالجوع فطلب منها زيادة فقالت المدرسة تدفع لي عن وجبه عشاء واحده مع العلم أنني لم أكن أفطر عندها في الصباح كوني صائما فقلت لها أنني سوف أطالب بالمبالغ المتعلقة بالإفطار لهذا الشهر كوني صائم فقالت حسنا هذا الشهر فقط تستطيع أن تطلب طبق آخر على العشاء؟




بل إنها في إحدى المرات عرضت علي أن توصلني إلى وسط المدينة وقد كنت سأذهب في الحافلة فقالت تعال معي أنا ذاهبة إلى هناك وذهبت معها فعلا وأخذت مني بعض المال عندما توقفت لتعبئة البنزين لسيارتها فعرفت أنها أخذتني من أجل هذا الأمر فامتنعت عن الدفع وذهبت إلى أقرب محطة للحافلات ونظرات الغضب تتطاير من عينها ، وبالطبع فليس كل الأجانب هكذا وأنا أتكلم هنا البريطانيين على وجه الخصوص فالعجوز الأخرى التي سكنت عندها على نقيضها تماما لكن القاسم المشترك بينهما أنهما لا يبادرانك في أي أمر بل ردة الفعل هي التي تختلف من شخص إلى آخر.

البريطانيون يكادون يفتقرون إلى المشاعر مع الغرباء فأذكر في أحد عطل نهاية الأسبوع ذهبت إلى لندن وتهت في محطة القطار فلم اعرف كيف أصل لوجهتي وكلما حاولت سؤال أحد قال لي أذهب إلى الأعلى فهناك مكتب للاستعلامات والأمر سهل ، ولم يكلف أحدهم خاطره لينظر في الخريطة التي أحملها في يدي ليخبرني أين يجب علي أن أذهب ولو كان الأمر عندنا ربما قطع لك التذكرة ولم يأخذ منك شيء.




افتقدت كثيرا مشاعر التواد والترابط الاجتماعي رغم أنني لا أحبها بشكلها المفرط الذي نعيشه في واقعنا ولكن عندما تعيش النقيضين تتمنى الإفراط على الإقلال ، نظرة الغرب المادية أقصد بها أنه طالما لا تربطني بك مصلحة ولا أرجوا من ورائك منفعة فلا ترتجي مني حتى الحديث معك في القطار ففي الرحلات عندما كنت أذهب وحدي كان أنيسي كتابي وهذا أكثر ما أعجبني في الغرب فلا يتطفل أحد عليك ويتركك في حالك ما لم تبادره أنت بالحديث خصوصا أنك غريب ، وإن بادرته ولم يكن مزاجه رائقا لك فثق أن الحوار سينتهي بالإجابة المقتضبة على ما طلبته.




في الحافلة هناك مكان مخصص للحوامل وكبار السن ودائما ما يكون فارغا وفي حال امتلاء الحافلة ودخول شخص كبير في السن نادرا ما يقوم له أحد الجالسين ليجلس مكانه خصوصا إن كانت المقاعد المخصصة لهم ممتلئة بل على العكس ترى الكثيرين منهم يحاولون النظر عبر النافذة وبالطبع السماعات تكون ملتصقة في الأذن والمرء يعيش في عزلة عن الآخرين ، أذكر أن أحد الزملاء قام لعجوز أتوقع أنها تجاوزت السبعين فجلست مكانه وهي تشكره على فعله وكنت جالسا بقربها وبعد أيام صادفتها في المحطة فهشت وبشت وسألتني عن صاحبي وطلبت مني أن أشكره لأنه قام بعمل نبيل وقدم احترامه للمرأة ، وفي ذات اللحظة كنت أردد في قلبي لو كنتِ تعلمين أن ديننا وثقافتنا تحتم علينا فعل ذلك لزاد التعجب عندك وربما دخلتي في الإسلام.




وعلى ذكر الإسلام أهديت لمدرستي القرآن مترجما كان يوزع في المسجد أملا في أن ينور الله قلبها فيكون إسلامها على يدي ولكن مع الأسف سألتني هل هذا كتابكم المقدس قلت لها لا هذه ترجمة حرفية عنه ، فقالت إذا هو ليس مقدسا قلت لها لا لأنه لا يحتوي على آيات القرآن ولم أفهم مغزى سؤالها إلى بعد أيام عندما رأيت ترجمة القرآن في سلة مهملات الفصل! فسألتها عن السبب فقالت قرأته ولم أجد فيه أي متعه وهو عبء على مكتبتي فرميته في سلة المهملات ليعاد تصنيعه ويستفاد منه! ، أين المجاملة التي نعيش نحن عليها ونقتات منها لم أجدها في هذا الموقف ولم أجدها هناك إلا نادرا.

فكرت كثيرا كيف أجلب لنفسي أحاسيس الشرق ودفء مشاعره كيف أحس واشعر ببعض الصفات الشعورية الجميلة التي تحويها ثقافتنا فوجدت ضالتي في الأناشيد والمحاضرات وبعض القصائد الشعرية ، فكنت أسير وأنا استمع للكثير من المشاعر والأحاسيس واستخدم التكنولوجيا التي يستخدمونها هم في الغالب لينعزلوا عن الواقع استخدمتها أنا لأكون قريبا من واقعي البعيد .




كم هي جميلة لحظات المشي لمدة 25 دقيقة من المنزل إلى المدرسة تحت رذاذ المطر والهواء البارد يحاول التغلغل عبر المعطف الذي أتدثر فيه وصوت حاني يحمل دفء المشاعر يهمس في أذني ما أود سماعه ، يا ضياء الشمس مهلا لا تدعنا للغروب ويصمت المنشد لينطلق صوت آخر يقول يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله ، وعند انتهاء المسافة صوت الأذان بنبرة عذبه تنطلق من أحبال الشيخ القطامي فتضفي على النفس شعورا لذيذا وأقول لذيذا لأنه كان يشبعني كحال الطعام.




هل تصدقون أنني لم أغير كثيرا محتوى ما يحمله جهاز التسجيل iPod ومع ذلك لم أمل منه أبدا يوميا يكرر على مسامعي ما أسمعه كل يوم وأسمعه وكأنني أسمعه للمرة الأولى وكم أفتقد سماعه اليوم ، المشاعر يا سادتي نجلبها وتفرض علينا بحسب الحال الذي نعيشه واللحظات التي نحيا فيها فليس ضروريا إن تكرر الحال يكون شعورنا مماثلا هي لحظات تتشابه ولكنها لا تتكرر.



أقف الآن صامتا مستنشقا عبير ذكريات جميلة باردة أتمنى أن تعود ، ولكنها لن تعود ولو اخترعوا آله الزمن وعزائي الوحيد أن أضمها لقائمة الأمنيات التي أتمناها إن دخلت الجنة برحمة الله ، أن أطلب أن أشاهد غزوة بدر بأحداثها ومعركة القادسية وبعض الذكريات التاريخية التي حرصت على تدوينها حتى لا يخطفها النسيان مني واليوم أدرجت للقائمة ذكريات هذه المقالة.

وأختمها بأبيات لابن زيدون أودع فيها لحظاتي الجميلة حيث يقول:


أَضْحَى التَّنَائِـي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا//وَنَا بَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا

ألا وقد حانَ صُبـح البَيْـنِ صَبَّحنـا//حِيـنٌ فقـام بنـا للحِيـن ناعِيـنـا

مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِـهـم//حُزنًا مع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا

أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا//أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا

إلى أن يقول:

بِنتـم وبنـا فمـا ابتلـت جوانحُنـا//شوقًـا إليكـم ولا جـفـت مآقيـنـا

نكـاد حيـن تُناجيـكـم ضمائـرُنـا//يَقض ي علينا الأسى لـولا تأسِّينـا

حالـت لفقـدكـم أيامـنـا فَـغَـدَتْ//سُود ًا وكانـت بكـم بيضًـا ليالينـا


لكم ودي