الأربعاء، 22 أغسطس 2018

إنجليزي في بلاد العرب


ربما لاحظ الكثيرون ممن يعرفني عن قرب أول يتابعني في وسائل التواصل الإجتماعي كثرة حنيني لأيامٍ عشتها في اكستر   - بريطانيا خلال فترة دراستي للدكتوراة. وقد كتب في مدونتي أيضا مقالاً عنونته ب مأزق تعبيراً عن مشاعري والتصارع الفكري الذي يدور في عقلي حول مسألة العودة للكويت. وهذا الأمر بكل تأكيد لا يخصني وحدي بل في جلسات الصفاء مع بعض الأصدقاء الذين عاشوا فترة من حياتهم في الخارج والغربة تجد أن لهم ذات التفكير وذات الرغبة في العودة للبلد الذي عاشوا فيه ودرسوا. 

بالأمس كان عيد الأضحى أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات ، ومن عوائدنا في الكويت أن يجتمع الناس ويزور بعضهم بعضا وكنت في ديوان عائلتي استقبل من تفضل علينا بكرمه وزارنا محبة في لقيانا. طبعا هناك سؤالين دائما ما يسألني الناس عنهما: الأول هل وجدت جامعة تعمل فيها؟ وبعدها يكون الاسترسال في كيف أن من درس على حسابه في الغرب أو في الشرق مظلوم إلى آخر هذه الديباجة التي اسمعها بأصوات مختلفة بين الفينة والأخرى. هذا الأمر يقود من يحدثني في الغالب إلى السؤال الثاني "هل لازلت تشتاق للعودة إلى اكستر؟" وبالطبع يكون جوابي نعم لكن قبل أن ادخل في تفاصيل الجواب أجد محاوري قد أدار ظهره وبدأ يتحدث في موضوع مختلف مع شخص آخر!

قبل أن أدخل في موضوع هذه المقالة أرغب في الاستطراد قليلا في قضية الجواب المقتضب الذي يحب أن يسمعه غالب الناس الذين عرفتهم أو قابلتهم ولذا عزيزي القارئ بإمكانك تجاوز هذه الفقرة إن أحببت لأن علاقتها بالمقال ليست مباشرة ولكني إن لم أكتبها سيلومني عقلي بعد نشر المقال. فكرة الإستطراد تتمحو حول إجابة الآخر عندما تسأله،  كلمة نعم أو لا ليست فتوى دينية (يجوز أو لا يجوز) أو وصفة طبية (خذ هذا ولا تأخذ هذا) كلمة نعم / لا في الحوار تعني اجابة عامة فيها تفاصيل دقيقة وكثيرة يجب أن نخوض فيها مادمت -أنت كسائل- مهتم بما سألت. نضرب مثالاً يوضح المعنى، "هل تحب الشوكولاته" ، " نعم أحبها" هذا لا يعني أنني أحب الشوكولاته كل يوم وفي كل وقت وعلى مدى الزمان كله. محبتي للشوكولاته لا تعني أنني أحب أنواعها كلها الأبيض والأسود والمخلوط بالحليب والممزوج بالمكسرات والمباع في سويسرا! محبتي للشوكولاته تعني أنني من حيث المبدأ لا أمانع أكلها وأحب وجودها على المائدة أو في حياتي لكن هنا هي بيت القصيد ومربط الفرس ونقطة الإرتكاز ومحور الحديث. لأن لكن ستضيف تفاصيل كثيرة جدا يتشعب الموضوع خلالها وتكون النتيجة غير مرتبطة بفهمك النابع من تجربتك أو علمك أو حتى خيالك.

نعود لقضيتي كتب كتاباً عنونته ب أعرابي في بلاد الإنجليز فيه ناقشت بشكل بسيط جدا وجهة نظر انسان قدم للغرب من أجل دراسة اللغة الإنجليزية وشاهد متغيرات ثقافية أثرت فيه وشذبت أفكاره. اليوم أجد نفسي إنجليزيا في بلاد العرب أو بشكل أدق إكستراوي -نسبة لأكستر- فقد غيرت الغربة تفكيري بشكل كبير. لا أدعي هنا أنني تبرأت من بداوتي فلا أزال ذات الرجل الذي غادر أرضه قبل سنوات لكنني أقول بأن قصة على بن الجهم والخليفة العباسي تفسر حكايتي أكثر. منذ عودتي صرت لا أطيق ثلاثة أمور في مجتمعي الكويتي خصوصا والخليجي عموما: (١) تبرير الخطأ ، (٢) الكسل بشكل العام والكسل العلمي خصوصا، وأخيرا (٣) تفسير الحديث حسب فهم المتلقي.

النقطة الأخيرة هي التي سأتحدث عنها لأنها تؤرقني بصراحة في موضوع رغبتي وأملي في العيش خارج الكويت وأرغب في تفسيرها بشكل مكتوب لأن التاريخ علمني أن الأفكار تموت بموت صاحبها ما لم تكن مكتوبة. بداية دعوني اشرح للمهتم بأن الهجرة صعبة جدا بل ذكرها القرآن الكريم وجعل ألم الهجرة وفراق الوطن بعد ألم الموت فقد قال سبحانه في كتابه العزيز في سورة النساء " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "  أي أن الموت وفراق الأرض صعبٌ جدا على الإنسان وليس بالأمر الهين على النفس البشريه ولذا يا عزيزي الذي تسألني عن رغبتي في الهجرة لا تسأل إن لم يتسع وقت لإجابة طويلة! هل الوطن هي قطعه الأرض التي نعيش عليها فقط؟ أم هي النظام السياسي والثقافة والناس والذكريات والحياة والتاريخ إلى آخر هذه السلسلة الطويلة من الروابط التي تجعل الإنسان مرتبطا في وطنه أو راغبا في مغادرته قسرا. تقسو الأوطان على أبنائها بلا شك والأبناء مطالبون ببر أوطانهم بلا ريب لكن حتى في البر هناك تفاصيل وكما يقول الغرب "الشيطان يقبع بين التفاصيل دائما" ولذا علينا الوصول للتفاصيل حتى يهرب الشيطان ولا يجد لنفسه مكانا يسكنه!

تغير التفكير ونمط الحياة أمر صعب جدا لكن الأصعب منه هو العودة من نمط جديد صحيح إلى نمط قديم خطأ فمن وجد العدالة في القانون لا يستطيع أن يكسر القانون بحثا عن العدالة! أعلم أن الكثيرين يختلفون مع هذه الفكرة لكن أنا هنا اتحدث عن فهمي وتجربتي لا عن قاعدة فلسفية أو علمية ولذا فإن التعليق والنقد بلا شك سيثريان الموضوع فلا يتردد أحد في طرح وجهة نظره مخالفا أو مضيفا أو معارضا. نمط الحياة العلمي بالتحديد الذي فقدته في الكويت لم اجد له بديل رغم محاولاتي الكثيرة في خلق بيئة مشابهة مع الكثير من الأصدقاء والمثقفين الذين اعتقد أنهم يحملون الهم ذاته لكنني فشلت بصراحة وقد يكون القصور مني أو منهم أو من الظروف المحيطة. فكرت كثيرا في سبب فشل وجود بيئة علمية أو نمط حياة أكاديمي في دولة غنية كالكويت لكنني عجزت عن الإجابة على هذا التساؤل لأن الأسباب من وجهة نظري كثيرة ومتعدده ولعل أبرز ما وصلت له هو عدم وجود رغبة حقيقة لدى المثقفين لتطوير أنفسهم لأن المال الذي يحصلون عليه مقابل وظائفهم العلمية جعل البيئة العلمية فيها نوع من الجمود كما أن بعض الذين على رأس الهرم الثقافي (جامعة - مكتبات - مسارح -نشر علمي وغير علمي ) وغيرها الكثير من أبواب الثقافة همهم إما سياسي أو يحملون ايدولوجية معينه يرغبون في تطبيقها من خلال هذه المؤسسات الثقافية التي يملكونها. أنا لا أقول أبدا أن الغرب ليست لديه ذات المعضلة أن قد اناقش بأن في الغرب هذا الأمر وأمور أخرى يمكن للإنسان أن يتميز من خلالها. فدرجة الوعي والثقافة والحياة المؤسساتيه لدى الغرب جعلت من العلم والثقافة والحياة الأكاديمية لها قيمة على الرغم من تدخل المال والاقتصاد وتحكمه في بعض الأحيان في هذه الجهات.

التعليم وما أدراك ما التعليم في بريطانيا بجميع مستوياته أفضل بسنوات ضوئيه من التعليم هنا الخاص والعام! من تجربتي شاهدت هذا الأمر جليا على ابنائي فقبل ذهابنا لبريطانيا كان أولادي في مدارس خاصة في الكويت وخلال الأربعة سنوات التي قضيناها في بريطانيا كانوا في مدارس حكومية بريطانية والآن في مدارس خاصة مختلفه عن المدارس التي تعلموا فيها في السابق وأقسم بالله أن المدارس الحكومية البريطانية أفضل بكثير جدا من مدارسنا الخاصة والعامة فيما يتعلق بتعليم الطالب / الطفل طريقة التفكير. كما قلت في المقال مرارا أن لا أعمم أن اطرح تجربتي هنا ، ومن باب اثبات الأمر أجد فارقا بين أصغر ابنائي طلال واخويه من خلال طريقة التفكير والنظر للحياة فهو بدأ تعليمه في اكستر والآن يكمله في الكويت ولأنه صغير في العمر فالمجتمع وتأثيره بدأ يظهر كذلك على طلال. ومن خلال العمل والحديث كذلك مع بعض المدرسين في الكويت في القطاع العام والخاص وجدت أن جزء من المشكلة هو عدم وجود استراتيجية واضحه للتعليم بل حتى بعض الأصدقاء الذين يدرسون في الجامعات الحكومية وبعض الجامعات الخاص يشتكون من عدم رغبة بعض الطلبه في التعلم ورغبتهم في الحصول على ورقة الشهادة فقط لأن التعليم عندهم مرتبط بالشهادة لا طريقة التفكير ولا اقول أن هذا الأمر طارئ علينا في الكويت اليوم بل هو قديم بقدم الدولة الحديثة ولذلك بعض من هم على سدة المناصب اليوم الثقافية وغير الثقافية طريقة نظرته للأمور هي طريقة الطالب نفسها وفهم القارئ يكفيه هنا!

"هاجر إذا ما دام الأمر لا يعجبك هنا فأنت لا تحمد الله على النعمة"، هناك اشكاليتين في الجملة  السابقة الأولى هل مجرد الرغبة في الهجرة يجعلها ممكنه؟ وهل كون الخلل موجود ووضع الإصبع عليه مؤلم يكون الحل بالهجرة؟ بالنسبة لي شخصيا أفضل الهجرة على الإصلاح لأن طموحي في هذه الدنيا هو أن اكتب نظرية في التاريخ تكون جديدة أو على الأقل أحاول فعل هذا الأمر ولذا تعديل الخلل ليس من أولوياتي وللأسف وأنما ايجاد البيئة العلمية التي تناسبني أولى من أي شيء آخر لكن هذا لا يمنع الآخرين من المحاولة والإصلاح وسد الخلل. النقطة الثانية ما علاقة حمد الله على نعمته وفضله وكرمه علينا بقضية النقد والرغبة في الهجرة وهل نعمة الأمان كثرة المال مثلا تغنينا عن نعمة العلم؟ وهل شكرنا لنعمة المال والأمن يجعلنا جاحدين في حال انتقدنا كسر القانون وثقافة الواسطة وسطحية بعض المثقفين والمؤسسات الثقافية؟ بالنسبة لي الإجابة "لا" وبكل ثقة ودون تفاصيل! لكن اترك لك عزيزي القارئ حرية الإجابة.

شوارد:

قال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق. رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني.

الأحد، 10 يونيو 2018

النشر العلمي بين الوجاهة والإفادة

في الآونة الأخيرة، بدأت في التفكير في النشر العلمي المحكم حيث يُقيّم بحثك قبل نشره متخصصون من نفس المجال، ويعطونك ملاحظات، وربما يرفضون نشر بحثك، وفي القليل من الحالات يُنشَر بحثك كما هو.
من خلال رحلة البحث عن مجلة علمية باللغتين العربية والإنجليزية، وجدت أن هناك الكثير من الفروقات بين النشر في اللغتين، خصوصًا فيما يتعلق بجودة الفكرة وتماسك البحث ومدى إسهامه في الحقل العلمي. لست أدّعي أن جميع المجلات العلمية التي تصدر باللغة الإنجليزية ذات معايير عالية، ولكنْ على الأقل فإنّ معظمها لديه معايير واضحة. وكلما زادت قوة المجلة العلمية زادت عدد المقالات التي تتقدّم إليها بطلب النشر، وزادت -على إثرها- نسبة الرفض فيها، بينما في المجلات العربية قلما تجد هذه المعايير الصارمة.

خلال الفترة الماضية، تحدثْتُ مع بعض الزملاء ممّن يحملون شهادات عليا في تخصصاتهم، وبعضهم بلغ مرحلة الأستاذ الدكتور (البرفسور) - تحدّثنا عن النشر العلمي في منطقتنا العربية، وعن فكرة النشر العلمي عند الأكاديميين العرب (الخليجيين على وجه الخصوص). وكان النقاش يدور حول فكرتين رئيستين: أهداف النشر الصحيحة من جهة، وغير الصحيحة من جهة أخرى، بناءً على خبرة كل أكاديمي منهم. وهنا تجب الإشارة إلى أن المقال لم يُبْنَ على دراسة علمية، أو بحث، أو استبيان، وإنما بُني على خبرة الزملاء من حملة
شهادة الدكتوراه في الجامعات الخاصة والحكومية في معظم دول الخليج، وبالتأكيد على تجربتي الشخصية.

لعل من التساؤلات المهمة: لماذا ينشر الباحث بحثًا أو يكتب كتاباً علمي؟ وما الهدف من وراء ذلك؟ ذلك أنّ الهدف والدافع من يحددان مسيرة هذا النشر وقيمته. ولأنّ أسباب النشر عديدة، فإنّ بعضها سوف يُصَنَّف على أنّه سلبيّ وبعضها الآخر إيجابيًا.

أؤمن وبشدة بأنه كلما زادتْ إيجابية الدوافع والأسباب من وراء النشر تطورتْ الحقول العلمية في البلد الذي تنشر منه الأبحاث، وزاد رقي الجامعات؛ لأن ارتقاء الجامعة مرهونٌ برقي العاملين فيها، وهنا أنا لا أتحدث عن الأخلاق الراقية -وإن كانت مهمة- إنما أقصد الارتقاء العقلي والبحثي من خلال نشر ما ينفع، وبدوافع علمية نبيلة.

أحد أهم الدوافع النبيلة والصحيحة للنشر -فيما أعتقد- هو الرغبة في تطوير الحقل العلمي الذي يعمل به الباحث، وهذا التطوير ليس حكرًا على التخصصات العلمية كالطب والهندسة والصيدلية، وإنما يشمل جميع العلوم الأخرى، حتى وإن اختلف التجريبيون معي في تسمية العلوم الأخرى علومًا! ولكنّ تطوير الحقل العلمي هدف نبيل، وغاية كل باحث جاد. والتطوير لا يكون في اكتشاف شيء علمي جديدٍ فحسب، بل في نقض فكرة ما، قائمة، أو سد خلل في فلسفة معينة، أو إيجاد إطار منهجي جديد، أو تطوير أحد المناهج الموجودة.

من الدوافع النبيلة والصحيحة كذلك، هو قياس فكرة علمية من خلال النشر، ومن ثَمَّ ردود المتخصصين على هذه الفكرة، وإثرائها، فتكون الفائدة مشتركة للحقل العلمي، وللباحث، وللنقاد. ولعل أشهر من يستخدم هذا الأمر هم طلبة الدكتوراه حيث يحرصون على نشر جزء من فكرتهم من أجل تقييمها قبل خضوعهم للمناقشة وحصولهم على الدكتوراه. مثل هذه الخطوة تكفيهم عناء الحرج والعمل بعد المناقشة. حتى وإن لم ينشر المقال، فبمجرد تقييم المقال (الفكرة) من قبل محكميْن اثنيْن وقبولها أو رفضها، هو بحد ذاته نقد بنّاء وتطوير للفكرة.

وكذلك من الدوافع الايجابية في النشر العلمي، وهنا أتحدث عن مجال التاريخ تحديدًا، هو نشر نوادر الوثائق والمخطوطات، وإتاحتها للباحثين حتى يتمكنوا من البناء حول ما نشرت، أو ربما إرشاد الباحثين من خلال النشر إلى مواضيع قد تكون دقيقة، لكنها مهمة للآخرين، لبناء نقاش أعمق. على سبيل المثال: في دراسات الخليج، ولكثرة الباحثين غير الخليجيين أو غير العرب، يحتاج الباحثون الخليجيون إلى الكتابة بشكل أكبر، والتوسّع بمسائل ومواضيع دقيقة لن يتمكن الباحثون الغربيون من فهمها، ما لم يعيشوا بين ظهراني المجتمع الخليجي زمنًا طويلًا، وأمثال هؤلاء الباحثين كثير في الجامعات الغربية. ومن هنا يكون الإسهام كبيرًا جدًا في حقل دراسات تاريخ الخليج، ويساعد على تطوره وتحليله دون احتكار للفهم أو المعلومة أو الوثيقة عند "البعض".

 ننتقل إلى الدوافع السلبية في النشر، وسأبدأ بالدوافع التي وجدتها مشتركة عند "بعض" الباحثين في الغرب والشرق، وأول هذه الدوافع السلبية هو النشر لأجل الحصول على المال. قد يكون ذلك واضحًا عند المشتغلين في العلوم التطبيقية، إذْ إنّ أبحاثهم تستخدم في التسويق لمنتجات عديدة يحتاجها الناس، ولذا تحرص الشركات على دفع وتمويل العديد من المشاريع العلمية، والأبحاث المحكمة؛ من أجل التسويق لمنتجاتها. والإنسان في الغالب يضعف أمام شهوة المال، ولذا كان لزامًا على الباحث فَهْمَ الدافع الأساسي من وراء الدعم المقدم من أي جهة.

ليست العلوم التطبيقية فحسب ممّن تقع تحت وطأة تأثير المال، إنما العلوم الإنسانية والاجتماعية أيضًا. فعلى سبيل المثال، نجد الكثير من المراكز البحثية في العديد من الجامعات العريقة، وغير العريقة، مدعومة من دول وشخصيات مؤثرة تُدير مسار البحث العلمي باتجاهٍ معين، وأهدافٍ لربما تكون سياسية، اقتصادية، اجتماعية، لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية مرسومةٍ ومحدّدة، دونما مراعاة للجانب العلمي بشكل محض. هذه المشكلة تتفاقم في العالم ولو بحثت عزيزي القارئ في قوقل عنها ستجد مئات المقالات أو ربما الآلاف عنها.

من الدوافع السلبية للنشر العلمي كذلك، وهذا ما وجدته في عالمنا الشرقي أكثر، والخليجي تحديدًا، وأنا هنا لا أعمّم، أنْ يسعى المرء إلى النشر العلمي بغيا الحصول على ترقية علمية. بكل تأكيد هناك تفاوت في كل مجال وحقل علمي من حيث قوة الأبحاث ورصانتها، ولكن في الغالب الذي شاهدته وسمعت عنه هناك الكثير -وربما يحق لي أن أقول الأغلب- من الأبحاث كُتبت لتنشر، وربما سُرقت لتنشر. هناك حساب للدكتور "موافق الرويلي" على تويتر يفضح مثل هذا التلاعب، وخصوصًا في قضية الحصول على شهادات علمية من جامعات وهمية تجد معظمهم تغريداته على وسم #هلكوني.

المؤلم حقًا في هذه النقطة أنك تجد بعض الأساتذة ممن وصلوا لمرحلة الأستاذ الدكتور، معظم نشره العلمي في مجلات يغلب عليها جانب المجاملات الاجتماعية أو مشهور عنها النشر مقابل المال. وهذا قد يكون أحد أسباب تدهور مجال البحث العلمي في عالمنا العربي عمومًا والخليجي خصوصًا.

أكرر أن هذا ليس تعميمًا، وإنما الحديث عن شيء موجود! ولعل المتخصصين في هذا المجال يبحثون في مدى صحة هذا الأمر ويضعون الحلول له ويقيسون أسباب وجود مثل هذه الشخصيات بيننا.

من الأمور السلبية في النشر العلمي أيضًا، هو الرغبة في جعل السيرة الذاتية كبيرة. إذ إنّ الكم لدى البعض أوْلى من الجودة والكيف. وهذا الأمر لمسته عند الغربيين والشرقيين على حدٍّ سواء، حيث تجد سيرهم الذاتية محشوةً بالكثير من الأعمال منها ما له تأثير، ومنها ما ليس له أي تأثير، بل إنّ بعضهم يضع أعمالاً غير منشورة وغير معروضة على جهات نشر، من باب الاستعراض ليس إلّا.

هذه النقطة تقودني إلى نقطة أخرى وهي مفهوم "الخبير الصغير". هذا المصطلح يعبر عن واقع استشعرته مثلما استشعره نفرٌ غيري، إذ تجد أحدهم متخصص في التاريخ السياسي الحديث، أو التاريخ الإسلامي، أو التاريخ الأوروبي، لكنه يتحدث في كل مجالات التاريخ، ويلقي محاضرات، ويظهر على شاشات التلفزة، وأحيانًا يشارك في مؤتمرات في مجال تاريخي غير مجاله، لربما من باب حبه للشهرة، أو لأهداف خاصة عند هذا الباحث. ولذا تجده يساهم في أي عمل أكاديمي يعرض عليه دون وجود القدرة العلمية عنده، وربما دون وجود الرغبة حتى، والتي تعتبر أحد أهم أسباب البحث العلمي إذا رافقها الشغف.

النشر العلمي متعة يشعر بها الباحث الجاد الذي يجد في العلم بابًا للشغف والدهشة وليس بابًا للرزق وكسب المال فقط. النشر العلمي لذة حاضرة وماضية، فكم من مقال علمي كتب قبل عشرات السنوات ويستمتع بقرائته باحث اليوم. النشر العلمي الحقيقي يبقى، ولا يندثر مع الزمن، ويترك لصاحبه أثرًا واحترامًا وتقديرًا حتى وإن لم يدرك من ذلك شيئًا أثناء حياته. النشر العلمي يطور الباحث ويجعله إنسانا أفضل. النشر العلمي حياة!

شوارد:

"العلم كالأرض لا يمكننا أن نمتلك منه سوى القليل" 

فولتير

الأحد، 1 أبريل 2018

هل تاريخنا ناصع البياض؟ا

الجلوس مع المهتمين بالشأن التاريخي متعة ، فهم يختصرون في الكثير من الأحيان عليك شراء بعض الكتب من خلال تلخيصهم لمحتواها ويكون بإمكانك اتخاذ قرار تجاه شراء هذه الكتب. المهتمين بالتاريخ من جميع شرائحهم ، الأكاديمي ، القارئ ، صاحب المكتبة الضخمة وأيضا المحب للتاريخ كلهم لهم اسهامات بطريقة أو بأخرى على نظرتك للتاريخ. هذه العقول تجعلك تفكر في طريقة استخلاصها للنتائج ، سواء كانت سلبية أم ايجابية، ويقودك تفكيرك في بعض الأحيان إلى فكرة تخرجك عن اطار المألوف في التفكير التاريخي في مجتمع وربما تكون هذه الفكره سبيلك للتميز على أقرانك.


هل التاريخ ناصع البياض؟ بلا شك لا التاريخ هو حياة الناس في الماضي ولا يوجد مدينة فاضلة ولا حياة يوتوبيا لا شر فيها  بل كان هناك الصالح والطالح والخير والشر والخطأ والصواب. القارئ للتاريخ قراءة دون تمحيص ولا تدقيق ولا بحث عن الحقيقة سيجد التاريخ كما كان يتصوره قبل القراءة فما بالك بمن يقرأ بعين ايدولوجيه أو دينية؟ التاريخ ليس كتابا مقدسا نزل من عند الله فلا أخذ فيه ولا رد عند المؤمنين بهذا الكتاب. التاريخ وصل الينا من طرق عديدة ووجهات نظر متعدده وآثار مختلفه وقد يكون كتب بطريقة ملائكية من محب وبحروف شيطانية من كاره. 

تاريخ الأمم هو أشد هذه التواريخ خطورة ووعوره ثم يأتي بعد ذلك تاريخ الدول القطرية اليوم وامتدادها الإمبرطوري في السابق. مثال يوضح المقال ، عندما نناقش المسلم في تاريخه خصوصا ما بعد عصر النبوه تجد ، في الكثير من الأحيان، سرد لتاريخ ملائكي لا أخطاء فيه وكأنه تاريخ نزل من عند الله! ولذا عندما يبدأ النقاش بين صاحب هذه النظره وآخر يعارضه تتضح معالم عدم نصوع هذا التاريخ. أشرح هذه الفكره بطريقة أخرى تاريخنا الإسلامي يضم تاريخ ملل ونحل وطوائف محسوبة اليوم ضمن إطار الإسلام مثل السنة والشيعة وهاتان الطائفتان أوضح مثال ونجد غيرها من الملل والنحل التي ألف عنها علماء الإسلام ذاتهم كتبا ينتقدونهم فيها، هذا على الجانب الفكري. أما على الجانب العسكري وتأسيس الممالك والدول فالتاريخ يختلف باختلاف الراوي ومكان وجوده يوم وقوع هذه الحوادث وانتمائه الفكري أيضا. 

من أمثلة اختلاف وربما اختلاق الروايات هو ما رواه ابن خلكان في كتاب وفيات الأعيان أنه لما اقترب جيش الأسبان من الجيش الإسلامي، ألقى طارق بن زياد خطبته التي قال في أولها «أيها الناس  أين المفرُّ؟! والبحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله إلاَّ الصدق والصبر». حلل الكثير من المؤرخين هذه الرواية بقولهم كيف لطارق وهو رجل أمازيغي أن يخطب ببلاغة وجيشه في غالبه أمازيغ ربما لا يجيدون اللغة العربية! هل يعقل هذا؟ قد يلوم البعض ابن خلكان على ذكره للحادثه وهذا ممكن لكن الأصح أن يلام من أتى بعد ابن خلكان وغيره ، متخصصا كان أم قارئا، خصوصا في عصرنا هذا حيث من السهل الحصول على المعلومه والمقارنه والتحليل. وليست هذه الحادثة الوحيده ولكن هناك حوادث أخرى كثيره في تاريخنا الإسلامي ينظر لها الكثيرون أنها بطولة وقد تكون من وجهة نظر الآخرين خيانه! 

هل هذا فقط في التاريخ الإسلامي أو تاريخ الأمم بشكل عام؟ بلا شك لا ونحن هنا لا نتكلم عن المبالغات في الوصف لكننا نتكلم عن كتابة تاريخ بلا أخطاء أو عيوب ، كتابة تاريخ السرد فيه يشعرك بأن أهل ذاك الزمان نزلوا من الجنه بأخلاق عالية وأن المجتمع لم يكن فيه سوى الأقوياء الشرفاء العقلاء وأعداؤهم حمقى جبناء عديمي الشرف. في تاريخ الخليج والكويت الذي ادرسه نجد ذلك واضحا في المؤلفات التي كتبت منذ تأسيس الدول القطرية إلى اليوم فلم نجد تاريخ اللصوص في الكويت مثلا أو تاريخ الحمقى والمغفلين في السعودية ولا تاريخ الكسالى في الإمارات أو تاريخ العقوق في عمان ولا تاريخ الفقر في قطر! عندما تتصفح كتب التواريخ الخليجية تجد الكثير من البياض وكأن مجتمعاتنا كانت مجتمعات مثالية ولم يكن يعيش بيننا اللصوص ولا العاهرات ولا الكذابين ولا حتى أهل النفاق. 

تظهر جليا إشكالية التاريخ الناصع عند الإختلاف السياسي المعاصر ، فخذ على سبيل المثال مهاجمة الدولة العثمانية من قبل كارهي تركيا الحالية ومهاجمي الدولة السعودية الأولى من قبل كارهي دول الخليج. لا يقف التطرف في الاستشهاد  عند هذا الحد بل يصل إلى الفكر الذي كان ناصعا قبل الخلافات فالدواعش هم نتاج الدولة السعودية الأولى والتصوف والعلمانية هم نتاج الدولة العثمانية! وهنا ننتقل بفعل الهوى من تاريخ ناصع البياض إلى تاريخ شديد السواد مع امكانية تبييضه مستقبلا.

ما الحل وكيف يمكننا تجاوز هذه المعضله؟ الحل بيد المؤرخين ، هنا علي تعريف المؤرخ، لأن كثره حملة الدكتوراه في التاريخ جعل الناس يظنون أن كل حامل للدكتوراه هو مؤرخ أو عالم تاريخ! المؤرخ الباحث كما يعرفه الدكتور عماد عبدالسلام "فهو قاضٍ يقف خارج الحدث بمسافة زمنية تقيه من مغبة التحيز إلى أيٍّ من أطراف الحدث، وهو كالقاضي عليه أن يترجل عن منصة القضاء إن وجد نفسه، أو وجده الناس، متحيزًا غير منزهٍ في متابعة القضية المطروحة أمامه، وعلى خلاف ما أبيح للشاهد، فإن القاضي، أو الباحث هنا، باحث عن الحقيقة؛ فهو الذي عليه أن يطالب بالحيدة والنزاهة والصدق.. إلى غير ذلك من صفات القضاة الحميدة، إنه يستقصي شهادات الشهود، أصحاب الروايات المعروضة أمامه، يقارن بينها، ويتأمل جزئياتها ببرودة أعصاب، ليتوصل إلى الحقيقة، فلا يختلف عمله هنا عن عمل القاضي إلا بفارق واحد، وهو أنه يتعامل مع شهادات مات أصحابها، فلم يعد ممكنًا مراجعتهم فيما شهدوا به، ولكنه مع ذلك قادر على أن يتفحصها، ويتعرف على ما هو صحيح أو أقرب إلى الصحة منها، أو نبذها أحيانًا، إن اتبع في ذلك قواعد علم التاريخ، أو ما سُمِّي منهج البحث التاريخي، وهو مثل القاضي، يستطيع أن يفتح ملف أي قضية تاريخية، إذا توفَّر له من الوثائق والمصادر الجديدة ما من شأنه أن يغير نتائج الأحكام، أو القناعات السابقة".

إذا المؤرخ قاض وقاضيان في النار وقاض في الجنه! فما بالكم بمن يكتب التاريخ على هواه. للتخلص من معضلة التاريخ الناصع البياض علينا أولا أن نصدق بأن التاريخ ليس ناصع البياض ! كما أن علينا عدم انتقاء النصوص التاريخية التي توصلنا فقط لمرادنا بل على المؤرخ اتباع المنهجية العلمية الصحيحة للوصول إلى أقرب صوره لما كان عليه التاريخ في زمن البحث. النقطه الثانية نشر ثقافة النقد وتقبل الرأي الآخر إذا وجد الدليل فوجود لص في عائلة ما لا يعني أن كل العائلة لصوص! ووجود كذاب في طائفة ما لا يعني أن المؤمنين بهذه الأفكار كلهم كذابون، ووجود عاهره في مدينة لا يعني أن أهلها أهل زنا وخنا. العدل والانصاف جزء رئيسي من عمل المؤرخ لأن الانصاف عزيز كما يقال ولذا فذكر المحاسن بالدليل عليه أن يقابل بذكر العيوب بالدليل أيضا. فثقافة النقد خصوصا التاريخي يجب علينا نشرها في مجتمعاتنا الثقافية والتاريخية حتى يتقبل الناس النقد المرتبط بالدليل أو التحليل المبني على أسس علمية.

 الاعتقاد بأن التاريخ ناصع البياض هو قراءة مثالية للتاريخ تحميل في طياتها حتميه مسبقة لحركة التاريخ وبالتالي تصبح مثل هذه القراءة قراءة جبريه آليه تنفي الفعل الإنساني لصالح روح الشعب أو تتغاضى عن شكل العلاقات الإجتماعية والإنسانية الذي يؤدي إلى نوع من العمى في التحليل التاريخي. إن الإعتقادات المسبقة المغلقة في التحليل التاريخي تؤدي إلى زوال التاريخ نفسه ، فالمؤرخ الذي يتبنى نظرية العقل المتعالي(انظر هيجل وكانت) أو ربما المادية التاريخية الماركسية قد يؤدي به التحليل وأقوم قد إلى دعم انظمة شموليه دكتاتوريه حركتها النظرة المثالية لتحليل التاريخ مثل الحركات النازية والفاشية والشيوعية وغيرها. القراءة المثالية أو التخديريه للتاريخ كما يسميها مالك بن نبي والذي وجد في تاريخنا الإسلامي هو نوع من أنواع التخدير الذي يعزل الفكر والضمير عن الشعور بعظم المصاب لفتره مؤقته لكن هذا العزل يشفي مؤقتا حتى يصحو المعزول من سكرته.

  علينا إن أردنا فهم تاريخنا أو التواريخ الأخرى بشكل أعمق ايقاف نظام "الفزعة التاريخية" لأن التحليل التاريخي ليس ساحة معركة فلا حاجة لنا بالزير سالم والحارث بن عباد ولانحتاج لهتلر وموسيليني، بل نحتاج لمن يكتب بالحجة ويحاول الوصول للتحليل الدقيق قدر استطاعته معتمدا على منهج واضح، وفي مقابله نريد من يقارع الحجة بالحجة دون انتقائية ولا مزاجية وبكل تأكيد دون هرطقه!

شوارد:

"وقائع التاريخ الكبرى عائمات جليد ، طرفها ظاهر فوق الماء وكتلتها الرئيسية تحت سطحه و من يريد استكشافها عليه أن يغوص"

محمد حسنين هيكل













الجمعة، 16 فبراير 2018

تاريخنا واللغة الإنجليزية

تعلم لغة جديدة يعني إضافه فهم جديد للعالم من حولنا ، فاللغة ليست وسيلة للتواصل والاتصال مع الآخرين فقط إنما هي ثقافة وسلوك وطريقة تفكيرٍ وحضاره. اللغة الانجليزية مما لا شك فيه لغة مهمة من لغات العلم والمعرفة اليوم فمن خلالها يتعرف الإنسان على أحدث ما نُشر في الكثير من حقول المعرفة العلمية والاكاديمية. لذلك من وجهة نظري المتواضعه أن تعلمها أمر ضروري في عالمنا اليوم لكل صاحب طموح وهدف ، ولكل من يبحث عن الإنجاز كذلك. ولا يعني تعلم الانجليزية أو أي لغة أخرى انسلاخنا عن هويتنا العربية أو الإسلامية إنما يعني النظر للعالم بطريقة أخرى والقدرة على تطوير مدارك عقولنا والقراءة والبحث بلغتين بدل اللغة الواحده ومن زاد في اللغات فلا إثم عليه. 

هذا المقال لا يناقش أهمية تعلم لغة جديدة ولا يحاول اقناع القراء بتعلم لغات أخرى. الهدف الرئيسي من وراء هذا المقال كما يتضح من عنوانه تسليط الضوء على إشكالية لامستها في مجتمعنا الكويتي بشكل خاص والخليجي ،بإستثناء المملكة العربية السعودية، بشكل عام. الإشكالية تكمن في عناية بعض الباحثين الخليجيين العرب في دراسة تاريخهم وتدريسه باللغة الإنجليزيه لطلبة وطالبات من بني جلدتهم! وعندما سألت عن سبب ذلك وجدت أسباب هذه الظاهره أو لنقل مبرراتها في عذرين: (١) قوانين الجامعة تنص على تدريس هذه المواد بالانجليزيه ، (٢) بعض الطلبه (الخليجيين) لا يفهمون اللغة العربية!

بحثت في النقطة الأولى ووجدت أن الجامعات بعضها حكومي وبعضها جامعات خاصه فعلا تلزم الدكتور على تدريس التاريخ المحلي أو العربي أو الإسلامي باللغة الانجليزيه بل والله وجدت أحد الأكاديميين الخليجيين يضع تدريسه لتاريخ بلده باللغة الانجليزيه كأحد انجازاته! لا أفهم كيف تسمح حكوماتنا الخليجية على وجه العموم والحكومة الكويتية على وجه الخصوص بذلك. هل نسينا كفاح شعوبنا العربية لطرد الإستعمار من بلداننا؟ هل نسينا كيف قاومت الجزائر بمليون شهيد فرنسا وطردتها؟ هل نسينا كفاح أهل مصر وانطلاق شرارة القومية العربية منها والتي صارت في كل بيت عربي؟ هل نسينا جهود مثقفينا الأوائل في الخليج في الدفاع عن هويتنا ولغتنا وحتى تاريخنا ؟ لماذا توضع مثل هذه القوانين التي تبعدنا عن تاريخنا الحقيقي بحجة التطور والتمدن والحضاره! هل يعقل هذا بالله عليكم؟

التبرير الثاني والله هو عذر لم يصل عقلي لمبررٍ له ، ألا يكفي هؤلاء المساكين أن أهلهم لم يهتموا بهم وتركوهم ينسلخون من هويتهم ولغتهم وحضارتهم دون أن يضعوا حدا لهذا الانسلاخ. ثم تكمل هذه الجامعات انسلاخهم من خلال مساعدتهم وتدريسهم تاريخ بلدانهم بلغة أخرى. الإشكال ليس في التدريس باللغة الإنجليزية فقط بل عدم قدره هؤلاء الطلبه على قراءة المصادر العربية التي هي أساس تاريخهم فيقوم الاكاديميون بتقرير كتب كتبت باللغة الإنجليزية لباحثين غربيين وعرب عليها ملاحظات واستدراكات بل ربما سوء فهم وفي أحيان اخرى نظره استشراقية متعاليه لتاريخنا وأجدادنا.

بلا أدنى شك أن اللغة الإنجليزية لها أثر كبير في فهم وتحليل تاريخ الخليج والعالم العربي لكون الإنجليز استعمروا أرضنا لسنوات عديده. وللغة الإنجليزية أهمية في تاريخ الخليج على وجه الخصوص لكون المستعمر الانجليزي سجل أحداث المنطقة وحفظها في سجلاته يوم كان الجهل مسيطرا على منطقتنا الخليجية. ولا ينكر باحث في تاريخ وسياسة الخليج العربي أن الأرشيف البريطاني ساهم في كشف الغطاء عن الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي اخفتها السجلات المحلية. الفقره السابقة اقرار واعتراف بأهمية اللغة الانجليزيه في تحليل وكتابه تاريخ الخليج كأداة مساعده وليست رئيسية. ومن خلال دراستي للدكتوراه وجدت أن الباحثين الغربيين الذين يدرسون تاريخ وحضاره وسياسة منطقة الخليج يُفرض عليهم تعلم اللغة العربية لادراكهم أن الكثير من المصادر الاساسية كتبت باللغة العربية كما أنهم يفهمون أن اللغة ليست وسيلة تفاهم فقط بل حضاره وثقافة. وبما أن مصادرنا التاريخية المكتوبة باللغة العربية كثيره وكثيره جدا وهي مهمة لدارسي تاريخ الكويت على سبيل المثال وكونها غير مترجمة إلا ما ندر منها مثل كتاب تاريخ الكويت لأبوحاكمة فكيف يكون تدريسنا لتاريخنا في بلادنا بلغة أجنبية؟ 

أفهم أن تُدرس منهجيات البحث العلمي باللغة الانجليزية كما ادرك أن النظريات التاريخية وفلسفاتها من الممكن أن تدرس بلغات أخرى لكون العالم الغربي هو الرائد اليوم في هذا المجال ، لكن مع وجود حركة ترجمة كبيرة تقوم بها الإمارات العربية المتحده والكويت وقطر لترجمة هذه الكتب إلى اللغة العربية تنتفي الحاجة الماسه لهذه اللغات.

هذه المنهجيات هي أُطر لتحليل التاريخ والسياسة في الخليج لكن السؤال هل تصلح هذه الأطر المعرفية لتحليل عالم مختلف تماما عن العالم الذي نشأت فيه هذه النظريات والمناهج؟ أليس علينا تطوير أو تعديل هذه الأطر حتى تتناسب مع تاريخنا وحركته؟ ألسنا نحن الأقدر على فهم تاريخنا؟ أوليس من واجب المؤرخين الخليجيين أن يفهموا هذه النظريات ومن ثَم يطورونها أو يبنون عليها وربما ينسفونها؟ هل لتقديس ما يأتي من الغرب دور في عدم تصدينا لمثل هذه الأعمال أم هو الإنهزام الثقافي وربما الكسل؟ 

من تجربتي الشخصية أجد أن هناك نقاط مهمة ساهمت في محاولة بعضنا التخلي عن عربيته في الفهم والتحليل ومحاولته الإندماج (الذي لن يحصل) مع الأكاديميا الغربية وتبني أفكارها ربما بدون وعي. أول هذه النقاط أن العالم الغربي اليوم يمتلك الجامعات ومراكز الأبحاث المؤثره في العالم ولذلك يحاول توجيه البحث العلمي والأكاديمي إلى وجهات معينه. في تاريخ الخليج على سبيل المثال حضرت مجموعة من المؤتمرات وورش العمل وكان الشعور الذي انتابني بعد انتهاء هذه التجمعات الاكاديمية هو الاندهاش! الاندهاش الذي انتابني هنا ليس بمعناه الإيجابي وإنما كنت مستغربا هل تحدث بعض من شارك عن الخليج أم عن المريخ وزحل؟ هل نحن كائنات فضائية حتى ينظروا لنا بهذا الإستغراب والتحليل ،الغير منصف، في الكثير من الأحيان؟ وقد ناقشت بعض الأصدقاء ووجدت أن ذات الشعور انتابهم. فبعض الباحثين في الغرب يطبق فهمه وطريقة تطور مجتمعه علينا في الخليج وعندها يجد أن هنا غرابة كبيره وتنافر بين نظريته التي نشأت بناء على فهم واضعها لمجتمع أوربي وبين واقع الخليج. وأنا هنا لا أقول أن لتاريخ الخليج خصوصيه إنما احاول تبيين أن تاريخ الخليج مختلف كما هو الحال لتاريخ فيتنام والهند واليابان وفنزويلا وغيرها من الدول التي تمتلك أرثا ثقافيا وحضاريا مختلفا عن دول أوربا.

النقطة الثانية هي تقصير المؤرخين الخليجيين على وجه التحديد في الإضافه لحقل دراسات الخليج إضافات جوهرية لإنشغالنا بأمور أخرى أو تفضيلنا الكتابات التاريخية السردية وربما الخلاف على جزئيات صغيره قد تفيد البحث التاريخي لكن لا تطوره وقد كتبت مثالا عن مثل هذا الخلاف على الجزئيات عنونته ب تاريخ الأوائل. لعل أحد اسباب هذا الأمر هو عدم فهمنا لمنهجيات البحث العلمي والنظريات التاريخية بشكل عميق ، ومن تجربتي الشخصية التي عانيت من خلالها كثيرا ولا أزال أعاني في قضايا فهم المنهجيات التاريخية التي كتبت وعن تطورها ووجدت هذا الضعف عند الكثيرين من أقراني وعند بعض اساتذتنا كذلك. هذا الضعف سبب عدم وجود مواد تخصصية في الجامعة واتمنى من القائمين على الجامعات في الخليج اعطاء بكالريوس في المنهجيات التاريخية من خلال استغلال قوه أهل المغرب والدول العربية كمصر وسوريا في هذا التخصص فالكثير من الكتابات المترجمة والمكتوبه في المنهجيات والنقاش حولها يحوز على قصب السبق فيها أهل المغرب ومصر.

النقطة الأخيره التي أود اضافتها في قضية أسباب انهزامنا التاريخي أمام اللغة الانجليزية وأنا اتحدث هنا من تجربه شخصية هو الاستعلاء ، الاستشراق ، التكبر الغربي سمه ما شئت. بلا شك أنا لا أعمم بل مشرفي في رسالة الدكتوراه هو من اكثر الداعمين لي خلال فتره دراستي لكنني اتكلم في المجمل. هذا الاستعلاء يتمثل في محاولة بعض الباحثين الغربيين تغطيه ضعفهم العلمي من خلال التلاعب بالالفاظ واللغة. فعلى سبيل المثال حينما تناقشهم في قضية جزئية يركز على اللغة أكثر من تركيزه على المعلومه والنقاش. وقد يقود النقاش ناحيه قضايا نظريه (والتي بلا شك هم أفضل منا فيها) محاولا تجاوز الدخول في التفاصيل التي قد تؤدي إلى نقض فكرته التي بناها على نظريه ما. فالقوه التي يمتلكها بعضهم هنا هو الفهم النظري والعمق فيه ولذا تجده يشعر بالانتصار إن وجد حدثا تاريخيا يؤيده ومن وجهة نظري أن ذلك من الأخطاء إذ على الباحث أن يفهم التفاصيل حتى يستطيع التنظير والكتابه.

وأخيرا دعوة لجميع الجامعات في الدول الخليجية أن تلغي فكرة تدريس تاريخنا وحضارتنا باللغة الانجليزية فقط وتستعيض عن ذلك بالتدريس بالعربية كأساس للمواد مع الإستعانه باللغة الانجليزية واللغات الأخرى. وللزملاء التي لم يجدوا بدا من التدريس باللغة الانجليزيه أقول لا بأس عليكم فقد أكون أحدكم يوما ما! لكن ثقوا تماما أنني لن أقدم على مثل هذه الخطوه حتى تغلق جميع أبواب الجامعات التي تفتخر بتدريس تاريخنا بلغتنا فابحثوا عن بدائل لعلكم تفلحون!

شوارد:

"لا أعرف أمة في الدنيا يجهل أبناؤها لسانها جهل أبناء العرب بلغة العرب"

علي الطنطاوي










الأربعاء، 31 يناير 2018

سامحتك ولكن لم تعد صديقي!

تجارب الحياة تعلمنا الكثير وكلما تقدم الإنسان في العمر يكتشف أن اهتماماته تغيرت وتطورت وأن ما كان مهما جدا في مرحلة من حياته صار لا قيمة له في مرحلة أخرى. وكلما ازدادت ثقافة الإنسان مال نحو تقليل الأصحاب وقد يتجه الكثيرون نحو العزلة الشعورية أو ربما الجسدية. الاندفاع نحو العزلة ليس بسبب عدم محبه الناس أو الأنس بصلتهم ومعاشرتهم إنما كلما ازدادت ثقافة المرء زاد عمق فهمه للحياة ، والمصطلحات ، واكتشف زوايا للنظر لم يكن يراها فيما مضى.

من عادتي في سنواتي الأخيرة أن أوضح شخصيتي لكل من يتعرف علي ، فأكون صريحا جدا في لقائي الأول غير متصنع وفي الوقت ذاته مراعيا الآداب العامة وتقاليد من أُقابل. أمر مهم لا أحب أبدا أن يمر اللقاءُ دون أن توضيحه، هذا الأمر متعلقٌ بالمبادىء التي أحملها. على سبيل المثال لا الحصر من مبادئي مثلا عند الحديث في الموضوعات العامة أن يكون الدليل موجودا والصراحة في هذه المواضيع عندي هي الأساس خصوصا إن كان الحديث مع مهتم أو متخصص. لا أكترث بمشاعر من يناقشني وإن كنا نناقش سلوك قريبه أو صاحب سلطته أو إمام مسجده الخطأ بشرط امتلاكي للدليل  أو الحجة التي أحسبها منطقيةً في تحليل موقف ما. كما أنني في الكثير من الأحيان ، في نطاق الموضوعات، عندما يعرض علي أحدهم عمله ، كتاباً كان أو مقالاً أو ربما قصيدةً ويسألني فيها عن رأيي أو ذائقتي وربما تحليلي أبادره بالسؤال التالي "هل تريد رأيا كويتيا أم رأيا علميا؟" فإن اختار الرأي الكويتي جاملته ولم أمدح في موضوعه إلا ما أعجبني وأبتعد عن نقد ما لا يضر وجوده. أما إذا أراد رأياً علمياً خصوصا في قضايا التاريخ فإنني أتحدث عن كل شيء حتى عن النقطة والفاصلة إن كنت أفقه فيها!

ولماذا تُحدثنا عن هذا الأمر وعنوان مقالك مختلف؟ لأن هذه المواقف علمتني أن تعريفات المفاهيم تختلف من شخص لآخر والأمر ذاته في المجتمعات، فالشيطان كما يقال دائما ما يكمن في التفاصيل. اختلاف التعريف لمفهوم الصداقة مثلا بيني وبين الكثير ممن كنت أعدهم أصدقاء وممن لا يزالون أصدقائى جعلني في فترة ما من حياتي حائراً غير مستوعبٍ لما حدث ويحدث حولي. فمفهوم الصداقة عندي واضح، وهو أن أكون بقرب صديقي في مسرته ومضرته في حزنه وفرحه في شقائه وسعادته ليلا أو نهارا صباحا أو مساء حتى وإن كلفني ذلك خسارتي لأشياء أُريدها. لن أكذب عليكم أيها القراء فقد كنت أتوقع الشيء ذاته من أصدقائي لكنني في ذات يومٍ اختلفت مع صديقٍ عرفته في "اكستر العزيزة" وحاولت السؤال عنه والتواصل معه بعدما انقطعت أخباره عني وصدمني قوله ، بعد هذا الانقطاع بكثير، حين قال "أنا أقول لك يا صديقي من باب المجاملة لكنني فعليا لا أعتبرك صديقا بل معرفه أسعد إن رأيتك وتحدثت معك في الكثير من الأحيان لكنني غير مستعد لتقبل تعريفك للصداقة!"

على الرغم من قسوة كلامته على عقلي إلا أنه أيقظني من سباتي وجعلني أعيد نظرتي لمفهوم الصداقة، لا تفهموني خطأ لم ولن أغير مفهومي للصداقة لكن في الوقت ذاته لن أجعل كل من شعرت بتمازجٍ فكري أو نفسي صديقي! هذه اليقظه قادتني لأكتب هذا المقال إذ أنني بدأت أختبر من هم حولي ، هل فعلا أصدقائي؟ هل الأسس التي وضعتها أنا في عقلي للصداقة وصلتهم؟ نعم لم أكن متصنعا معهم لكن هل تصنعوا هم معي واكملوا المسيرة؟ هل هم على استعداد أن يكونوا لي مثلما أكون لهم؟ هل سأجد بعضهم حولي في حزني وفرحي وفي ليلي ونهاري أم أن القضية مختلفة عندما تلقى مسؤولية الصداقة عليهم؟ هذه التساؤلات وغيرها جعلتني أسامح الكثيرين لكني شطبتهم من قائمة أصدقائي. المعضلة التي واجهتني أن مفهومي لقطع الصداقة مختلف أيضاً عن مفهومهم ولذلك خلقت مشكلة أكبر من مشكلة الصداقة ذاتها!

مفهومي لقطع الصداقة هو أن أذكر محاسنهم والمواقف الحسنه بيني وبينهم ولا أنسى أبدا جميل ذكراهم وأتجاوز عن قبح بعض أفعالهم لكنني غير مستعد أبدا أن أكون صديقا لهم. ولكي لا أعتدي على مشاعر إنسان آثرت الخروج الهادىء من حياة الكثيرين منهم دون توضيح بل بررت أنني منشغل بأمور الدنيا والود موجود وحبل المحبة موصول لكن هذا التبرير مع مرور الزمن فقد مصداقيته، فمن كنت لهم صديقا توفى لهم قريب ولم يجدوني هناك وتزوج لهم حبيب فكنت معتذرا عن عدم الحضور وربما وقعت لهم مشكلة فتواصلوا ولم أذهب لا في صبح ولا في مساء! ردات فعلي التي لم يعتادوا عليها جعلتهم يعيدون حساباتهم ماذا يحدث مع هذا الإنسان؟ بعضهم فسر بأن حصولي على درجة علمية ما زادت من عزلتي فآثر الانسحاب بهدوء، لكن أكثرهم صار يسأل بإصرار ماذا يحدث في عالمك يا هذا؟ ولأن هذا الموضوع موضوع عام بالنسبة لي عادة ما يسبق جوابي هذا السؤال  "هل تريد رأيا كويتيا أم الحقيقة؟" وغالبهم يختار الحقيقة التي لم يعتد مجتمعنا على سماعها فيتأثر وربما يتأسف ويعتذر مني على تقصيره وأنا لست بحاجة لا للاعتذار ولا للأسف لأنني أعتبر نفسي المخطىء لكوني لم أفهم أن مفاهيم الصداقة مختلفة بيني وبينهم.

كل ما ذكر في الأعلى لا يفسد للود قضية ، فالمحبة ستبقى والمودة قد تنقص لكنها لن تغيب فكل من مر في حياتي واعتبرته صديقا هو قطعه من حياتي وصفحة من مذكراتي حتى وإن قل التواصل أو انقطع. فالقلب لا يحمل الحقد على أحد لأن المقنع الكندي الشاعر الفحل نصحني ونصحكم عندما قال " ولا أحمل الحقد القديم عليهم / وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا". وخلال تجارب قول الحقيقة برز شخص حيرني أكثر فعلى الرغم من تعاملي معه بالطريقة ذاتها التي تعاملت فيها مع الآخرين إلا أنه أصر على أن يكون موجودا متى ما بحثت عنه على كسل عظيم فيه لكنه في الوقت ذاته يحمل محبة صادقة أجدها بين عينيه، وزادت حيرتي أكثر وتسائلت لماذا لم يكن تعاملي معه مختلفا ؟ هل بسبب فهمه لمفهوم الصداقة أم أنا من تبدل مفهومه للصداقة وتطور ؟ وهذا طبيعي فالتغير من صفات الإنسان لأن الجامد جماد لا روح فيه ولا عقل! 

أصدقائي الأعزاء أرجوكم تقبلوني كما أنا، وثقوا أن الحياة لا تتوقف عند اختلاف المفاهيم ولا تتوقف عند تباين الآراء ولن تتوقف عندما نكون أعداء! الحياة جمالها بجمال فهمنا لها وبتطور عقولنا والنظر فيها وإليها بطرق مختلفة وزوايا عديدة. ولكن نصيحة أنصح بها نفسي وأنصحكم بها لنتأكد من أننا نفهم ذات الفهم أو قريب منه حتى لا تضيع الحياة وينقلب الود إلى كره والقرب إلى بعد. ثقافة السؤال يجب أن تكون ضمن مقرراتنا الدراسية وأولويات الآباء والأمهات ففهم أي أحد غير كاف لكن توضيح الآخر يكفي!

شوارد:

"نبدو بخير رغم الفراق أنا وأنت لم يقتلنا البعد، لا نزال نمارس الحياة بشكل معتاد" .

لا أعرف قائلها 

الأحد، 24 ديسمبر 2017

تاريخ الأوائل هل انحرف عن مساره؟

التاريخ بحر والدر كامن في أعماقه ، والباحث يحسب أن التاريخ جدول صغير في أول الأمر حتى إذا ما تعمق فيه شعر بأن الجدول صار نهرا وكلما زاد عمق فهمه للتاريخ أدرك أن التاريخ أكبر من المحيط ذاته! ولأن للتاريخ أقساما وحقبا ومواضيع ومناهج يصعب أن نجد مؤرخا جمع هذا كله لكن من الممكن أن نجد عالما في التاريخ له زهور في بساتين التاريخ الكثيره وفهما لا بأس به خارج الحقبة الزمنية التي ينتمي لها سواء كانت في حقب ما قبل الميلاد أو في التاريخ المعاصر اليوم. 

من أقسام وأصناف التاريخ وهو موضوع مقالي اليوم قسم يسمى "تاريخ الأوائل". هذا التاريخ يركز على أول من قام بفعل ما في زمن معين ولعل من أشهر الكتب في تاريخنا الإسلامي هو كتاب الأوائل للعسكري والطبراني وكذلك كتاب علاء الدين السيكتواري. وطريقة عرض هذه الكتب موضوعية بمعنى أول من وضع علم أصول للفقه أو أول من خط في القلم أو أول من بنى بيتا في المدينة الفلانية أو أول مهاجر في الإسلام وغيرها. وإذا ما انتقلنا إلى تاريخنا المحلى نجد أن عبدالله الحاتم كتب كتابه "من هنا بدأت الكويت" على النمط ذاته في بداية الكتاب مثل أول مؤتمر في الكويت أو أول مطبعه أو أول بعثة طلابية أو اضراب لرجال البحر أو أول مغن سجل أغانيه إلى آخر الأوائل الذين ذكرهم الحاتم في كتابه. هذا المقال لا يسعى أبدا للتقليل من جهد من كتب عن الأوائل لأن هذه الأحداث تساعد المؤرخ في التحليل والربط بين الأحداث. ومثل هذا النمط من الكتابه التاريخية بلا شك له قيمته العلمية لكن يسعى هذا المقال لفك التشابك بين ما يمارسه محبي التاريخ أو حتى الباحثين فيه وبين الأوائل الذين ذكرتهم الكتب.

من خلال متابعتي للحوارات التي تدور في وسائل التواصل الإجتماعي أو عبر المقالات في الصحف واللقاء التلفزيونية وجدت أن هناك خلطا بينا بين الأول وأهمية الأول بمعنى كون فلان فعل هذا الفعل وبين الربط بين فعل فلان أو فلانه وتحليله تحليلا تاريخيا يضيف نتيجة للحقبة الزمنية التي يتم النقاش حولها. من خلال متابعتي ، وهي متابعه قاصره بلا شك ولا أقصد التعميم هنا، وجدت أن غالب من يتناول مواضيع الأوائل اليوم يسعى لثلاثة أهداف رئيسية: (١) المجد الشخصي ، العائلي ، الطائفي أو القبلي ، (٢) كسب الشهره من خلال الوسائل الإعلامية ، (٣) توضيح الأهمية التاريخية للحدث. 

بالنسبة للنقطة الأولى وهي المجد الذي يسعى له الباحث في قضية الأوائل في زمننا هذا ، هذا المجد يريد من خلاله أن يتميز على غيره في اثبات احقية (عائلته ، قبيلته ، طائفته) في ما يعتبره هو انجازا. لعل سبب بحثه عن المجد في مثل هذه الأحداث إما عن تعصب غير محمود أو نقص يحاول اتمامه من خلال اثبات مساهمه من ينتمي لهم وربما شعوره بالظلم تجاه طريقة الكتابة التاريخية ، وهنا أتحدث عن تاريخ الكويت تحديدا، ويحاول ازاله هذا الظلم من خلال اثبات الأحقية في فعل معين. سأتحدث عن مثالين نالا حصيله من النقاش والجدال لا بأس بها في وسائل التواصل الإجتماعي خلال السنتين الأخيرتين. المثال الأول هو قضية دخول أول سيارة للكويت هل هو في عام ١٩٠٨ أو عام ١٩١٢ ومن الذي جلبها للكويت ، السؤال المهم ما هي الأهمية التاريخية لمثل هذا الحدث؟ بكل تأكيد هو وصول السيارة للكويت وتغير نمط الحياة فيما بعد من ركوب الدواب إلى استخدام السيارات في أمور عديده كالحرب والنقل والتجاره وغيرها. هل دخول السيارة في عام ١٩٠٨  أو في عام ١٩١٢ سيغير من تحليلنا للتاريخ المكتوب حاليا؟ أو سيضيف اضافه جديدة للتاريخ المحلي؟ لست أدري لكن من خلال فهمي كل فريق يحاول النيل من مصادر الفريق الآخر عبر محاولة حصر حقيقة دخول أول سياره للكويت. وعلى الرغم أن كلا الفريقين يؤكدان أن حاكم الكويت مبارك الصباح هو مالك هذه السياره إلا أنني لم أجد لدى أي فريق ربطا تاريخيا بين سنة دخول السيارة وأحداث عهد هذا الحاكم! المثال الثاني هو قضية دخول الشاي للكويت انقسم بعض المهتمين بالتاريخ والباحثين فيه إلى فريقين كل فريق يحاول اثبات احقيته في كونه أول من ادخل الشاي للكويت. السؤال المهم هنا هل يغير جلب هذه الأسرة أو تلك من حدث دخول الشاي للكويت؟ هل هناك رابط بين دخول الشاي وتغير ثقافي مثلا حصل في مجتمع الكويت في ذلك الوقت؟ ما هي دلالات دخول الشاي في تلك الفترة الزمنية؟ تساؤلات كثيره تدفع الباحث للتعمق في مثل هذه القضايا وعدم الاكتفاء بالفوز بنسب ما يعتبره انجازا ، وهو ليس كذلك في هذين الموضوعين، للدائره الإجتماعية التي ينتمي إليها.

هذا الأمر يقودني للتساؤل هل كونه الأول يعني أنه الأفضل؟ سؤال يحتاج إلى اجابه ، فكونك الأول لا يعني بتاتا أنك الأفضل. وفي هذه الفقرة سوف أركز على القضايا التجارية تحديدا. فحسب تاريخنا المحلي هناك الكثير ممن علموا في التجارة كانوا مجرد وسطاء نقل أو وكلاء بيع وشراء لتجار أكبر منهم فهل كونه وسيطا احضر سلعة للمرة الأولى للكويت يجعله صاحب ما يعتبره البعض اليوم انجاز؟ الأمر الثاني وهو تساؤل أيضا ليتنا نفكر فيه لو افترضنا أن السلعة التي دخلت الكويت لأول مره هي للتاجر نفسه وتوجد وثيقة أو شاهد على احقيته هل هذا يعني الجزم أنه أول من ادخلها؟ أليس من الممكن أن يكون هناك من سبقة ولم تصلنا وثائقه؟ أو لم يسجل التاريخ لنا دوره؟ ثم ما هي أهمية كونك الأول في مثل هذه الأمور؟ ما هي الإضافه الحقيقية للتاريخ المحلي؟ نحن لا نتكلم عن اختراعات هنا أو تميز في عمل ما أو حتى تأثير ديني ، ثقافي ، سياسي ، اجتماعي ساهم في تطوير ورفع مستوى المجتمع.

أنا هنا لا أحارب تاريخ الأوائل بل هو من التواريخ التي متى ما استخدمت في اطار البحث العلمي اضافت الكثير للحقل المدروس لكنني ضد الجدل القائم بين المتطفلين على التاريخ والمتصدرين للمشاهد الإعلامية بإسم التاريخ والتاريخ منهم براء. تاريخ الأوائل يساعد الباحثين على تحليل أعمق لتاريخ الحقبة الزمنية التي يدروسنها فعلى سبيل المثال ساعدني كتاب عبدالله الحاتم في دراسة وتحليل ثقافة المعارضة السياسية وأدوات هذه المعارضة في الكويت من خلال ما ذكره عن اضراب رجال البحر أو طلبه المدارس وغيرها. هذه النقطه تقودني لنقطه شبيهة بها وهي قضية نشر وثيقة للمرة الأولى في كتاب أو مقال أو صحيفة. هذا النشر بلا شك يعود على البحث العلمي بالنفع ولعلي استحضر وثيقة مجلس ١٩٢١ التي نشرها الدكتور خليفة الوقيان في كتابه بواكير الثقافة في الكويت واضافت للبحث التاريخي الشيء الكبير وساهمت في تغيير نظرة الكثيرين لهذا الحدث التاريخي المهم في تاريخنا الكويتي. نشر مثل هذه الوثائق يساعد في تطوير البحث التاريخي لكن في ذات الوقت الاستمرار على الدندنه بأن الباحث فلان هو أول من نشر هذه الوثيقة يعطي انطباعا أن قضية البحث صارت شخصانيه أكثر من كونها علميه فالنشر بحد ذاته لا يعتبر انجازا إلا في حينه فقط. بمعنى عندما ينشر الباحث هذه الوثيقة فإنه في لحظة النشر يسهم في التاريخ لكن بعد ذلك إن لم يمارس دوره البحثي ويضيف للحقل فإن أوليته في النشر لا تعني أنه باحث مجتهد أو عالم والسبب وراء ذلك أن نشره قد يكون مصادفة والوثيقة وصلت إليه دون تعب أو جهد والعكس صحيح بلا شك.

اختم مقالي بتساؤل أيضا وهو هل فقدان الحس الوطني لدى بعض العاملين في حقل التاريخ الكويتي يجعلهم يبحثون ما يجعلهم متميزين عن غيرهم؟ هل الطريقة التي كتب فيها تاريخ الكويت تدفع البعض لمحاولة التقليل من دور الآخرين في صنع التاريخ المحلي؟ هل نحتاج لإعادة كتابه تاريخنا المحلي بشكل أعمق نبحث فيه عن الحقيقة وإن كان الوصول لها صعبا في التاريخ ونمارس الإنصاف قدر استطاعتنا حتى نترك للجيل القادم تاريخيا أقل تشويها مما هو بين أيدينا اليوم؟ تساؤلات لا زلت أفكر بها ولم أجد لها اجابات.

شوارد:

"الوثائق أداة خرساء في يد من لا يعرف كيف يحييها وينفخ الروح فيها"

أرنست رينان


























الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

التاريخ الراكد في خليجنا الكبير!

خلال قرائتي لكتب المنهجيات التاريخية وجدت مصطلحا لعله مصطلح دقيق يسمى ب "التاريخ الراكد" وبحثت في محرك البحث قوقل وسألت بعض الأصدقاء ممن يشاركونني محبة التاريخ وبعضهم يشاطرونني الرغبة في تعلم واتقان المنهجيات وفلسفة التاريخ عن معنى هذا المفهوم لكن للأسف لم أجد عندهم أي معلومات تعطيني فهما كاملا ًوعميقا لمعنى التاريخ الراكد. فرجعت لمن يتقن الفرنسية والعربية والإنجليزية وغيرها من اللغات وهو الصديق العزيز الدكتور اسماعيل لوبر وساعدني مشكورا على ترجمة المصطلح الفرنسي "L'histoire immobile" إلى الإنجليزية "Motionless history" ووجدت بعض المقالات التي تتحدث عنه لكنني لم اطلع عليها بعد. 

استخدامي للمصطلح هنا بمعنى قد يكون مختلفا عن استخدام الفرنسيين له لكوني لا أعرف معناه ولا استخداماته ولم اطلع على ما كتب عنه في منهجيات البحث التاريخي وأطلب من القراء تكرما أن يفيدوني إن كان أحدهم يعرف كيف استخدمت مدرسة الحوليات الفرنسية مصطلح التاريخ الراكد.

 " التاريخ الراكد" في هذا المقال سيكون بترجمة حرفية له من العربية أي تاريخ المعلومات التي لم تطرق والمواضيع التي صارت آسنة راكده. ربما لم تتحرك هذه المواضيع وحجبت عن نظر الباحثين لأسباب عديدة منها: (١) صعوبة الحصول على الوثائق والمصادر، (٢) موت أبطال هذا التاريخ ، (٣) الخوف الاجتماعي والسياسي الذي يمنع الخوض فيه ، (٤) قد يكون الإهمال أو عدم الانتباه له في وقت ماضٍ أحد أسباب هذه الركود.التواريخ الراكدة في خليجنا العربي عموما والتاريخ الكويتي خصوصا بدأ الباحثون بطرقها في الآونة الأخيره أو لنقل في العشر سنوات الماضية تحديدا، فصرنا نشاهد ونقرأ كتابات حركت بعض جوانب راكدة من تاريخنا وصار هؤلاء الباحثون يبحثون في مواضيع مختلفه غير المواضيع السياسية والإقتصادية وأثر النفط على مجتمعات الخليج التي انبهر بها الغرب وتبعنا نحن أهل هذه البلاد هذا الانبهار ولم نبرع في الكثير من الأحيان سوى في تقليدهم.

هذا الوعي التاريخي لدى الجيل الجديد من الباحثين بعد هجران طويل وتركيز عميق على التاريخ السياسي والاقتصادي حتى ألفنا التاريخ بهذه الصورة وتركزت نظرتنا البحثية حوله حتى أصبح واقعا نعيشه ويعصب علينا الانفكاك من إلى أن جاء الجيل الجديد من الباحثين الذين انصب تركيز بعضهم على التاريخ الراكد حتى صار يبحث ويناقش ويعترض على الاتجاه الأحادي الذي كتب التاريخ الخليجي بطريقة واحده. هذه المهمه التي نذر المؤرخون الجدد أنفسهم لها والتي بواسطتها بدأ تاريخنا يتحرر من عقد تاريخية كاذبه شبعنا من سماع تبريرات لها ولم نعد نصدقها. هذه العقد مثل تاريخنا الخليجي لا يحتمل الأبعاد الفلسفية أو التاريخية الأخرى.

بل إن الحديث في السابق عن الموضوعية في تاريخنا المحلي والتي تزعم أن تاريخنا نقل لنا بموضوعية مثلت الماضي كما هو دون اعتبارات أخرى لم تعد تنطلي على الجيل الجديد من المؤرخين الذي يبحث في ما وراء الكواليس التاريخ المكتوب والموجود بين أيدينا عن التاريخ الراكد تحديدا. هذا الأمر انصب كذلك على نزع القدسية عن المؤرخين السابقين في تاريخنا الخليجي محاكمة ما كتبوا ووضع معلوماتهم على ميزان المنهجيات المختلفه وربطها بفلسفات تاريخية غربية حديثة وقديمة. بل صرنا نسمع بمن يتبنى أفكارا وفلسفات في التاريخ ومنهجيات جديدة تهاجم التقاليد المتعارف عليها الغربية منها والمحلية. المثال يوضح المقال في هذه النقطه.في الآونة الأخيرة صرنا نسمع عن مؤرخين يتبنون فلسفة بول ريكور التي تحارب أقطاب التشكيك كما يسميهم مثل ماركس ونيشته وفرويد وغيرهم. بل صار الاستشهاد برأيه موجود في الكثير من الحوارات والمقالات التي تناقش التواريخ المحليه في الخليج ولعل أكثر هذه الاستشهادات رواجا كما أعرف (ليس ضروريا أن ما أعرف هو الصحيح!) هو فكرة بول ريكور والتي أقتبسها نصا من دراسة د.ميلود دومه حول فكر وفلسفة بول ريكور "من الضروري أن يصير التفكير تأويلا لأنه لا يمكنني أن ادرك فعل الوجود في مكان آخر غير مكان الإشارات المتناثره في العالم". بعبارة أخرى استفاد المؤرخون الجدد في تحريك التاريخ الراكد من خلال تفسير ريكور التأويلي الي اعتبر التاريخ عالما من النصوص الفكرية والثقافية. وكذلك قبل هؤلاء الباحثون الآراء التاريخية التي تتحرر من الارتباطات الايدولوجيه في تفسير التاريخ والبعد عن هذا التحيز في أبحاثهم. هناك نص بهذا الخصوص احتفظ به في المفضلة عندي ل كلير راينر حول موضوع الايدولوجيات تقول فيه " إن التاريخ ما يعتقده المؤرخون أنه حدث في الماضي ويفسرونه ويؤولونه في ضوء تحيزاتهم" وأنا اميل إلى تحليل التاريخ دون قواعد انطلاق ايدولوجية حتى يتحرر التاريخ من النطاق الضيق لفلسفه أو فكر ما.

نعود للجيل الذي الذي يحاول تحريك التاريخ الراكد في التاريخ الخليجي والمحلي لوجود فرق بين الباحث الذي يحاول ايجاد جديد في التاريخ ويبحث عن تحريك الركود وبين من يبحث لحاجة في نفسه أو اثبات ما لا يثبت أو يبالغ في تكبير الدليل بحثا عن الشهره العلمية التي سرعان ما تنتهي بعد نقض الباحثين له. في هذا الجزء من المقال سأناقش سوء الفهم عند بعض الباحثين الذين يعتقدون أنهم يحركون التاريخ الراكد لكنهم في حقيقة الأمر ينتقمون من التاريخ المكتوب ولا يمارسون دور المؤرخ إنما دور الروائي الذي تحركه عواطفه خلال كتابته لسيناريو قصته. القصد من تسليط الضوء هنا هو تبيان الفارق بين تحريك التاريخ الراكد وبين كتابة تاريخ ايدولوجي أو طبقي كردة فعل على ما كتب من تاريخ تقليدي في الخليج يتحدث عن أسر معينة ومهن محدده. وقد يكون في قادم الأيام مقال للتعريف بكيفية التعامل مع التاريخ المهمش أو ما يعرف بالتاريخ من الأسفل والذي قد يعتبر جزءا من التاريخ الراكد.

نعود لموضوعنا حول الباحثين الجدد الذين يظنون أن كتاباتهم الغير منهجية ، وأحيانا غير حيادية، جزء من المساهمة في تحريك التاريخ الراكد. فظهرت في تاريخ الخليج عموما والكويت خصوصا كتابات غير محايده تماما تلوي أعناق النصوص التاريخية لتثبت هوية المجتمع بإتجاه ايدولوجي معين (سلفي ، صوفي ، ليبرالي ، علماني ، سلطوي ، معارض، شيعي الخ). المشترك بين هذه الكتابات فيما لاحظت هو اقتطاع النص التاريخي عن سياقه وعدم رسم خارطة منهجية واضحه يستطيع النقاد من خلالها تبيان عيوب أو مدح انجاز. هذه الكتابات اشتركت أيضا بالسرديه التاريخية الغير مألوفه من خلال الاستشهاد بدليل في بدايات القرن التاسع عشر مثلا ثم ربطه بدليل قد يطابقه في منتصف القرن العشرين دون وضع اعتبارات للمؤثرات التاريخية المختلفه بين هذه الحقب الزمنية أو حتى الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئات والعوامل المؤثره في تشكيل أي حدث تاريخي وقع في تلك الفترات المتباعده. هذا السرد يفتقد في الكثير من الأحيان الأمانه العلمية في النقل ويحاكي قراء في غالب الأحيان يبحثون عن روابط تاريخية لأشياء تهمهم خصوصا وأن مجتمعاتنا ، وهذا خارج فكرة المقال، تغيب عنها مفاهيم الهوية والإنتماء بشكل واضح وجلي.

الصنف الثاني من الباحثين الذين يحاولون تحريك التاريخ الراكد بطريقة خاطئة هم أولئك الذين يكتبون بطريقة طبقيه ذات اتجاه احادي فيكتبون عن قبائلهم أو أسرهم وينشرون الوثائق والأدلة دون الانتباه إلى أن مجرد الكتابة عن قبيلتك وعائلتك وربما منطقتك التي نشأت فيها فيه نوع من أنواع التعصب الغير محمود. قد يقول قائل لكن إن لم يكتب هؤلاء فمن يكتب؟ وهو سؤال في محله لكن ماذا لو كتب هؤلاء بصورة أشمل ووسعوا أبحاثهم قليلا حتى يتجازوا التعصب الذي سيكون موجودا بلا شك حتى وإن حاولوا الحياد. هذا الأمر قد يكون خاصا في الخليج العربي فالضغوطات الإجتماعية على ما يكتب في التاريخ كبيرة من مدح وذم فمن يكتب عن شيء بعينه بطريقة نقدية لن يسلم من الأذى الاجتماعي ومن يمدح شيء بعينه سينال من المدح والتقدير الشيء الكبير. هذا الصنف من الباحثين اكبر اشكالياته المنهجية أنهم يبدأ البحث وهو يعرف ما هي نتائجه ولذا خلال عمله هو يبحث عن الأدله التي تؤكد صحة نظريته ولا يبحث عما إذا كان افتراضاته غير صحيحة أو ضعيفه أو غير واقعيه. هو بفعله هذا لا يضع فرضيته على ميزان العلم والمنهج ليختبر صلابه فكرته وتماسكها ولذلك يسهل على الناقد تفكيك فكرته ودحضها لأن أساسها العلمي غير مكتمل. وقد لاحظت من خلال قرائتي لمثل هذه النوعيات من الكتب والمقالات اعتمادهم على المقابلات الشفهيه مع بعض المعاصرين للحدث التاريخي خصوصا في التاريخ الحديث والمعاصر لكن لضعفهم المنهجي هو يأخذون كلام شاهد العيان على أنه جزء من الحقيقة إن لم يكونوا يعتبروا هذه الشهادة هي الحقيقة بعينها. وضع المقابلات الشفهيه على المقاييس المنهجية يقويها ويزيد من قيمتها لأن المقابله له تفاصيل كثيرة من خلال طريقة اجرائها وأسباب انتقاء هذه الشخصيات تحديدا وهل غطت المقابلات الشرائح كلها وغيرها من التفاصيل التي تزخر بها الكتب المنهجية في العلوم الاجتماعية والانسانية.

تحريك التاريخ الراكد من محاسن الجيل الجديد من المؤرخين في خليجنا الكبير لكن في ذات الوقت الخوف كل الخوف من تحوير هذا التحريك لأهداف صغيره قد يكون ضررها على التاريخ أكبر من نفعها. أحد أشكال هذا الضرر اعتماد الباحثين الغربيين على مثل هذه الدراسات التي من خلالها يبنون اطارا مشوها لنظريات تكون غير واقعية بسبب النتائج الغير واقعيه في أبحاث بعض أبناء الخليج. وقد يشعر بعضنا ممن يشارك في المؤتمرات التي تعقد في الغرب عن تاريخ وسياسة الخليج أن نظرة الغربيين للخليج فيها نوع من أنواع المبالغة لعل أحد أسبابها أبحاث أبناء الخليج! وحب الغربيين للمبالغات والأخبار الغريبه كما فعل من قبلهم الرحالة الذين زاروا الخليج فكتبهم زاخره بالمبالغات التي يكذبها العقل الخليجي والعربي!


شوارد:

"إن شعبا لا يقوم بتدريس تاريخه لهو شب فاقد لهويته"فرانسوا ميتران

















الخميس، 2 نوفمبر 2017

الأقشر


الأقشر في لهجتنا المحلية تعني صاحب المشاكل الذي يخافه الناس، وفي أحيان أخرى تعني الانسان الذي لا يستطيع التفاهم مع الآخرين بتفاهم وربما كان الانسان القاسي. تطلق كلمة أقشر على الزمان والإنسان والمكان أيضا فمثلا يقال "الوقت أقشر" أي صعب ويقال فلان أقشر وفلانة قشره وكل المعاني سلبية لكلمة أقشر لم أجد لها معنى ايجابي وقد يكون موجودا لكنني لم أصل له.

منذ سنوات عديدة غيرت طريقتي في التعامل مع الناس صرت رجلا يصرح برأيه دون مراعاة للمشاعر في أحيان كثيره متى ما امتلكت الدليل أو الحجة. هذا الفعل كي أكون صادقا معكم فض الكثيرين من حولي وصار الأغلب يتحاشى الحديث معي خوفا مما سيأتيه مني. بعد عودتي من رحلة الدراسة في بريطانيا ترسخ مفهوم الصراحة عندي بشكل أكبر حتى صار الأصدقاء من حولي يقولون لي "عبد الرحمن انتبه لن تفيد أحد خفف من حدتك!" وآخرون ينقلون لي تندر بعضهم على من خلال قولهم " لن تأخذ من عبد الرحمن شيء فهو أقشر!" والشيء هنا متعلق بالوثائق والتاريخ لا شيء آخر. 

لن أكذب على نفسي وعليكم وأقول إن مثل هذه الأقوال لم تؤثر بي سلبا أو تدفعني للتفكير مرارا بفعلي وطريقة حياتي. هذا التفكير قادني لكتابة هذا المقال الذي أشرح فيه فهمي للفرق بين الصراحة والقشاره! بين قول الحق دون خشيه سوى من الله وبين المجاملات الاجتماعية التي ابتلى بها العالم بشكل عام ونحن في الخليج بشكل مبالغ فيه. هذا الفارق "قد" يعرفه من هم حولي أو من يعرفني عن قرب. فالفارق بين أن تكون صريحا وبين أن تكون أقشرا فارق كبير جدا. أول هذه الفروقات أن القشاره في الغالب يرافقها نوع من قلة الأدب وعدم احترام الآخر أو تقدير الكبير والصغير! وبصراحة أكثر مثال يمر على خيالي وأنا اكتب المقال هو شخصية حسين بن عاقول للفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا في مسلسل درب الزلق. حسينوه في المسلسل أقشر فهو غير مهذب مع خاله وجاره وأخيه ومسؤوله في العمل. يذهب للعصبية بعدما يخالف القوانين أو لا يعجبه الرأي الآخر ولا يضع للأعراف والقوانين العامة والأخلاق والدين مكانا مهما في تصرفاته. هذه التصرفات القشره تدل على شخصية سطحيه وربما أقول أنانية هدفها الرئيس هو الوصول لما تريد دون الاكتراث بالبيئة المحيطة بالحدث وبصاحب الحدث.

على نقيض ذلك الإنسان الصريح هو من يجيب دون قيود عندما يسأل والإجابه تكون بأدب واحترام، لا أعمم هنا إنما أقول هذا الواجب لأن الصراحة بعد السؤال ضرورية إذا امتلك المجيب الحجة والدليل أما الصراحة دون وعي وفهم فهذه بلا شك مرفوضة وقد تصنف ضم الوقاحه. الفارق الثاني بين الصريح والأقشر أن الصريح لا يذهب للأخرين حتى يتحدث معهم فيما لا يعينه لأن ذلك ليس من الذوق في شيء إنما إذا ربطته مع الآخر علاقة فهو يتقدم بالنصيحة من باب الصداقة، الأخوه، العلاقة الخ مع اشتراط امتلاك الخبره والدليل والحجة. أما الأقشر في مثل هذه الأحوال فهو غير لبق يتحدث بحدة لمجرد الحديث أو لأن الأمر لا يعجبه ولا يستمع للرأي والرأي الآخر ويقوده الغضب ناحية افتعال المشاكل بعد اليأس من اقناع المقابل له بحجته الضعيفه.

نعود لقضيتي، بعد مراجعة شاملة لحياتي وجدت نفسي اتحدث بما في عقلي دون اكتراث لمشاعر الاخر وقد يقول أحدكم فعلك هذا ليس من الأدب في شيء! وهو محق إن كانت ردة فعلي وصراحتي على فعل عادي. مثال ذلك، لو زرت أحدهم فقدم لي شيئا لآكله أو أشربه وسألني عن رأيي فيه فكان جوابي له سلبيا، السلبية هنا وقاحة بلا شك فهذا المقال ليس مقام نصح وارشاد إنما مقام احترام المضيف وتقدير اكرامه لك. لست أتحدث عن الصراحة في مثل هذه المواقف إنما صراحتي تكون في ثلاث مسائل محدده هي: (١) المسائل العلمية، (٢) مسائل الصداقة والعلاقات، (٣) التعبير عن الرأي في القضايا العامة.

المقصود بالمسائل العلمية هنا ما يتعلق بتخصصي التاريخ، والتاريخ موضوع محبب للعامة والخاصة فالبعض يعتبره قصصا يستأنس بها والبعض الآخر يجدهم مصدرا للفخر والاعتزاز وآخرين يعتبرونه موضوعا سهلا بالإمكان الخوض فيه دون حاجة للتعمق والتدبر. صراحتي هنا تكون دائما قاسية، وكلمة قسوه هنا وصفها لي بعض الأصدقاء، أما أنا فلا اعتبرها قاسية إنما اعتبرها حوارا جادا. أنا مؤمن بأن العلم رحم بين أهله وأنا لا أعرف أهل العلم كلهم ولذا مثل هذه المواقف تميز لي الغث من السمين في علم التاريخ فمن يتضايق من الدليل الذي يخالف رأيه أو من التحليل الذي يتعارض مع ما يطرحه ولا يقوى على رد الحجة بالحجة ولا يقدر على نقض التحليل المنطقي فالأولى به أخذ الحجج الأخرى والتفكير بها. ولكون تخصص التاريخ الحديث مرتبط بواقعنا الاجتماعي اليوم فنقض ما في أذهان الناس مؤلم للكثيرين وإن كانت الحجة والدليل يسبقان النقض أو النقد وخصوصا في تاريخ الخليج فالاعتزاز بالعائلة والقبيلة والطائفة له سوق رائج والكثير من المصفقين. ردود بعض أفعال الأكاديميين أو المثقفين السطحية هي ما تؤلمني حقا، فعندما نقض مقالا، كتابا، رأيا له بشكل علمي يبدأ بإلصاق التهم الغير الأكاديمية بك ولعل أبرز هذه التهم "هذا الرجل أقشر لا أرغب في الرد عليه". ولعل الأكاديمي أو المثقف نسى أو تناسى أن نقد الدراسات السابقة جزء أساسي من التعليم الحديث خصوصا في الدراسات العليا لأن هذا النقد يطور العلم ويساعد الباحثين على سدد الخلل في أعامل من سبقهم. سدد الخلل هنا لا يعني ضعف ما كتب من قبل إنما تطويره ولذا فمن لا يتقبل النقد برأيي لا يعتبر من العلماء أو المثقفين فكما ذكرت لكم العلم رحم بين أهله وأنا أقول لأصدقائي دائما العلم "رحب" بين أهله!



المسألة الثانية التي أحب أن أكون صريحا بها هي مسألة الصداقة والعلاقات، فبطبعي لا أحب المجاملات التي أعتبرها نفاقا ويمارسها الكثير. هنا لا بد لي من توضيح ماذا أقصد بالنفاق الاجتماعي وأعرفه حتى يتضح للقارئ الكريم مقصدي ولا يفسر الكلمة كما يفهمها. تعريفي للنفاق الاجتماعي " المجاملات التي نقوم بها تجاه أشخاص لا نحب لقائهم أو الجلوس معهم وربما حتى رؤيتهم بحجة أن العرف ذلك". المثال يوضح المقال بشكل أوضح، هب أن رجلا يخالفني في نظرتي للحياة وطريقة معيشتي وربما نكون متناقضين في كل شيء لكنني عرفته في زمن ما وكانت بيننا علاقة وطيدة ثم نضجت ونضج هو وصارت اللقاءات ثقيلة علي وعليه لكن من باب المجاملة وحفظ الود السابق نستمر في اللقاء دون رغبة من كلا الطرفين أو أحدهما. في مثل هذه الحالات أنا أكون صريحا مع الطرف الآخر بالطلب منه بكل احترام وأدب أن نتوقف عن اللقاء وتبقى بيننا الذكرى التي قد تكون جميلة. هل هذا الأمر سيستمر للأبد؟ طبعا لا لأن القضية قضية فكرية بحته ليست لها علاقة بشكل أو لون إنما تتعلق بعقليتي وعقلية من يقابلني فمتى ما كان المشترك أكثر من المختلف كان التقارب محببا. هل هذه قاعدة عندي؟ طبعا لا في بعض الأحيان تكون الاختلافات كبيرة لكن كلا الطرفين يفهم أن الحوار حق أصيل والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ويفهم كذلك أن الحوارات بين المختلفين ليست ساحات للمعارك إنما مسارح فكرية نشاهد فيها من يختلف معنا ولسنا ملزمين باتباعه إنما بالتصفيق له إذا أحسن ونقده إذا لم نوافقه وفق الأطر العلمية.

ثالث النقاط ولعلها تكون خاصة في الكويت والخليج التعبير عن الآراء في القضايا العامة بشكل واضح. فحينما يطرح موضوع عام للنقاش في السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة أو غيرها وتطرح بعض الأسماء والأفكار فلا قدسية للشخصيات العامة حتى إن كان أحد الحضور من أقارب تلك الشخصية أو اصهارها. وعدم وجود القدسية لا تعني الانزلاق في قلة الأدب أو السخرية من هذه الشخصية إنما نقد الفعل العام الذي قامت به. في الكويت تحديدا نجد نقد الوزراء والنواب يقل في حال وجود شخص في المجلس أو مجموعة الوتس اب قريب من تلك الشخصية احتراما له! أنا لا اعتبر ذلك احتراما إنما نفاقا فانتقاد افعال الشخصيات العامة لا يجب أن يوقفه مجاملة لشخص من الأشخاص متى ما امتلكنا الدليل والحجة لأن المجاملة سوف تجعلنا نغض الطرف عن الأفعال الخطأ بسبب الحرج.

الصراحة لا تعني القشارة الصراحة تعني أنك مؤمن بمبادئك ملتزم بها ولا تجامل في حال معارضة الآخرين لها. الصراحة تعني الأدب واحترام الآخر وتقدير رأيه دون الحاجة لموافقته أو الحرج من الرد عليه بحجج اجتماعية قد تتغير في السنوات القادمة. الصراحة تعني أن الدليل والحجة والبرهان أهم من مشاعر المثقف والأكاديمي والعالم الذي اجتهد فأخطأ ففي العلم النقد مطلوب ويجب علينا أن ننتقد بأدب لكن لا نجامل في نقدنا وننقض الحجة بالحجة ونصحح الخطأ. الصراحة تكون في عدم التصفيق للمخطئ لأننا نعرف قريبا أو حبيبا أو صديقا فالشخصيات العامة لها أثر على حياتنا وحياة الأجيال القادمة وعدم ايقاف الشخصية العامة التي لا تحسن التصرف عند حدها كفيل بأن يهلكنا جميعا!


شوارد:

"من لا يتقبل النقد فهو لا بد يخفي شيئا"

هلموت شميت
    


مشاركة مميزة

إلى لقاءٍ يا فهد

    الموت هو ذلك الزائر الذي لا يقوى عليه أحد من البشر! ، يأتي للمستبد المتجبر فيسلب منه روحه دون مقاومة أو حرب! وهو ذاته الذي يز...