
خرجت من المسجد قبل نهاية التراويح للحاق بآخر رحلة للحافلة المتجهة إلى المنزل مشاعري في تلك اللحظة متداخلة لم يستطع عقلي تفسيرها ، فبيتي وراحتي هنا في المسجد فكيف أخرج منه؟! ، وهنا حدث عقلي نفسه ووصل إلى ضالته في لغتنا العربية الجميلة فبيتي هو مكان سكني وراحتي النفسية ومبيتي ، هو مكان الراحة والاسترخاء وهو من أشتاق إليه بعد الفراق وبه أجد ملجأً من حوادث الدهر وصروف الزمان ، أما منزلي فهو النُزل الذي أقيم فيه وما أكثر المنازل في حياتنا فكل مكان تجلس فيه نُزل فبيت العجوز بالنسبة لي نُزل لا بيت أما المسجد فهو داري وبيتي.
تبعد المحطة عن المسجد قرابة العشر دقائق من المشي السريع، الحياة في تلك الساعة في أوربا ميتة هدوء كبير ولن أقول مطبق المحلات مقفلة ويستثنى منها الحانات والمطاعم وبعض الدكاكين وغالب الناس في بيوتهم ، لذلك تشعر بالرهبة أو الخوف بحسب شخصيتك وقوة قلبك ، فالأضواء الخافتة على جنبات الشارع ووحشة الطريق من السالكين وغربة المكان كلها تضفي على النفس شعور ما بين الخوف والرهبة حتى نبضات القلب تكون فوق المتوسط .
هنا أريد أن أقف أمام مفهوم الشجاعة والجُبن ، فالكثير منا يعتقد بأن الشجاع لا يخاف ومن لا يخاف فهو شجاع وهذا أمر منافي للحقيقة والواقع والعلم ، ومن يدعي أن الخوف بعيد عنه فتأكدوا أنه كاذب لأن الفارق بين الشجاعة والجُبن تمكن في أن الشجاع يُسخر خوفه لصالحه أما الجبان فيترك خوفه يسيطر على مشاعره ويوقف عقلة عن التفكير وردة الفعل فتحل عليه الطامة وتنزل به الكارثة.
عنترة بن شداد أشجع الشجعان اعترف بسر شجاعته وانتصاره فقال أنه في حال المعارك يَعمد إلى أضعف القوم فيضربه ضربةً تزعزع سيطرة الشجاع على خوفه وينزل ثقته بنفسه ويرفع معدل الخوف في قلبه فيتمكن منه ، وهنا نشاهد ذكاء هذا الفارس وتسخيره لخوفه في صالحه.
وصلت إلى محطة الحافلات وكان هناك مكان مخصص للوجهات السبع على اختلاف اتجاهاتها فاتجهت إلى مكان حافلتي City 7 وجلست أنتظر موعد وصولها ، وخلال فترة الانتظار اقترب مني شاب انجليزي عرفت ذلك من لهجته وكانت هناك فتاة قد شبكت يدها بذراعه وهما في قمة الضحك وكأن وجهي مسرحية مضحكة وهنا اكتشفت أن الخمر لعب برأسيهما أيضا .
اقترب الشاب وبادرني بالسؤال " من أي البلاد أنت" فلم ألتفت عليه ولم أعره انتباهاً فأعاد صياغة السؤال مرة أخرى "هل أنت من بلدان أمريكا الجنوبية؟" وهنا أجبته لأنني اعتقدت أنه يريد شيئا وبما أنني لست من أهل المكسيك ولا البرازيل ولا حتى الأرجنتين قلت له "لا" أملا في أن ينهي هذا الحوار الثقيل ويذهب ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .
"من أي بلاد العالم أنت لماذا لا تجيب" وهذه المرة كان السؤال بصوت الفتاة ، فقلت من الكويت فلم يعرفوا أين تقع الكويت ، فقلت لهم بصوت غاضب أنها بين العراق والسعودية وعندها قال لي الشاب بسخرية " أنت عربي ؟؟ إذا ..............F " عندها لعب الغضب بعقلي كما لعب الخمر برأسه وكما عودني عقلي أخذني إلى أسهل الأمور فغيرت مكاني طمعا في أن يذهب في حاله ، ولا يفوتني أن أذكر لكم أن هذا الحوار كان على مرأى ومسمع من جميع المتواجدين في مكان الانتظار ولم أحدهم ساكنا وهذا يمثل جمود المشاعر وبرود العواطف الغربية.
لم يتركاني في حالي فقامت البنت وهي تضحك وتسحب خلفها صديقها وتوجها ناحيتي وأعادا الشتم والسباب ، هنا أعطيت لعقلي إجازة وترك لأعصابي حرية الانفلات وكان كل ما أراه هو أننا نحن العرب نتميز بالكرم والشجاعة فجمعت لهذا السكران الأمرين فأكرمته بلكمات شجاعة ولا أذكر ما حدث بالضبط ولكني أذكر أنني كنت فوقه أضربه وخلفي من يسحبني ويأمرني بالركض.
التفت فإذا هما باكستانيان لا اعرفها بصراحة ولكن قالا لي اركض ، وفعلا ركضت معهما وأنا أنهما خائفين من أن يجتمع علينا الإنجليز فيضربوننا خصوصا وأننا نحن الشرقيون نتميز بتشابهه الأشكال ، دخلنا الحديقة المظلمة في المساء –وهذه الحديقة لي معها ذكريات جميلة- وقطعناها بالطول حتى وصلنا إلى أقصاها ناحية الشارع العام ، وعندها بادراني بأنهما مسلمان وقد شاهداني في المسجد ، وطلبا مني في المرات القادمة أن لا أبدأ بالضرب بل أدع الطرف الآخر يبدأ به لأن هناك كامرات مراقبة في كل الشوارع ، وتبسمت من هذه النصيحة لأنها جعلتني أشعر بأنني صاحب سوابق ومراهق ، وقاما مشكوريّن بطلب سيارة أجرة لي وعند وصول سيارة الأجرة طلبا مني أن لا أعود إلى هذا المكان مدة ثلاثة أيام خوفا من تواجد الشرطة فيه ، شكرتهما وركبت السيارة باتجاه المنزل.
كان ذهني مشوشا وكأنني أحلم وتدريجيا بدأت أعود لواقعي ويرجع عقلي إلى وعيه ، هل ما فعلته كان صحيحا؟ أم أن ذلك كان تهورا مني أم أن ما حصل ردة فعل طبيعية على إهانه ، أنا لست من مؤيدي شريعة الغاب وتشابك الأيادي بل لا أذكر أنني اشتبكت بعد مرحلة المراهقة أبدا وحتى خلال المرحلة لم أكن صاحب مشاكل ، فكيف بي وأنا على مشارف العقد الثالث من عمري ، حسمت الجدل بسرعة وهو أن ما فعلته كان صحيحا لأن الموقف تطلب ذلك وكان علي أن أوقفه عند حده ولكن قررت أن لا أعيد هذا الفعل مرة أخرى وأن يكون الحوار والقانون هما الطريقين الوحيدين لحل مثل هذه المشاكل لأن للقانون عندهم هيبته.
ولا أقول ذلك متأثرا بحضارتهم التي أحببت جزءا ليس بقليل منها بل أقوله إقرار للحق ولدي ما يثبت صحة هذا الرأي القائل بأن للقانون هيبته في أوربا ، هناك قانون يعرفه كل المغتربين في بريطانيا وهو أن يسجل الطالب نفسه لدى مركز شرطة المدينة ويحصل على بطاقة منهم خلال اسبوعين من وصوله ، وكان مركز الشرطة يأخذ عددا معينا كل يوم وبما أنني أسكن في أطراف مدينة كامبردج وكذلك التزامي بمعهد اللغة كل ذلك لا يمكنني الحضور باكرا قبل اكتمال العدد وحاولت مرارا وتكرارا أن أشرح للضابط والضابطة المتواجدين في المركز ظروفي ولكن لا فائدة فلا مجال للتسجيل بعد اكتمال العدد.
وفي تاسع يوم لي في بريطانيا خرجت من المنزل الساعة السابعة صباحا وكنت صائما ووصلت إلى مركز الشرطة في حوالي الثامنة والنصف بعد تنقلات بين الحافلات ومشي لمدة نصف ساعة ، فكانت الصدمة بأن العدد قد اكتمل حاولت جاهدا أن أشرح لهم مكان سكني البعيد وأن أول حافلة تنطلق باتجاه المدينة في الساعة السابعة ولكن دون جدوى وكأنني أخاطب جمادا ، فزدت بالشرح بأن أنني في يومي التاسع والقانون يحتم علي التسجيل قبل اليوم الخامس عشر من تواجدي ولكن لا فائدة بل كان جوابه بأنه لو حدثت لك مشكلة فإننا سنثبت أن أتيت هنا عبر الكامرات الموجودة في المركز!!
خرجت مكتئبا واتجهت إلى المعهد وبعد انتهاء الدروس توجهت إلى المنزل مباشرة ولم أذهب إلى المسجد للإفطار كعادتي الأمر الذي أثار استغراب وخوف العجوز أما خوفها فلكونها لم تحضر لي طعاما وأما استغرابها فناتج عن كثرة حديثي معها عن سعادتي بجو المسجد والجلوس فيه ، فقصصت عليها قصتي ومعاناتي وكأنني ألقي باللائمة عليها لبعد بيتها عن مركز المدينة ومركز الشرطة على وجه التحديد .
تأثرت بما قلته ومن فورها اتصلت بقسم الشرطة وطلبت المسئول عن المركز وتحدثت معه بكل سهولة على عكس واقعنا نحن في بلداننا وشرحت له أمري بنبرة لا تخلو من الغضب الممزوج بالعتاب بل وصل بها الأمر إلى التهديد المبطن بأنها ستتجه إلى مجلس المدينة في حال لم يحل أمري غدا خصوصا وأنني توجهت إليهم أكثر من خمسة مرات وهم من يرفضون استقبالي وكل ذلك مثبت في كامراتهم!!، فكان جواب الرجل أن أذهب إلى المركز متى ما استطعت ذلك وفي أي وقت!!
وهنا نتوجه ناحية بلداننا فلو أن مواطنا بسيطا أراد الحديث مع مسئول مركز الشرطة في مدينته من خلال الهاتف فكم هي فرصة وصوله إلى هذا المسئول لا أبالغ إن قلت تكاد تكون معدومة ، فأول أسباب انعدام هذه الفرصة هو عدم الرد على الهاتف من الأساس ثم البيرقراطية المقيتة وأخيرا الخلل في المسئول نفسه الذي يعتقد بأنه حاكم زمانه وأسطورة عصرة وملك جيله ، ولا يمنع أن نقول أن هناك ندرة نادرة من المسئولين الذين لا تزال نفوسهم تحمل خوفا من الله وإخلاصا في العمل ، ومع الأسف أقولها بأن الغالب الأعم في بلداننا هم من أصحاب الفئة الأولى قولي عن متشائم وسأقول أنا أعيش الواقع.
في اليوم التالي وبعد انتهاء الدروس اتجهت إلى مركز الشرطة وطلبت مقابلة المدير وفعلا تم ذلك بسرعة وقام هو شخصيا بتسجيلي وانتهاء الإجراءات وقام أيضا بتقديم اعتذاره عن ما سببه المركز لي من تأخير وجهد وعلل ذلك بأن ضغط الطلبة كبير في هذه الأيام وختم حديثة بأمنياته بأن تصبح لغتي الإنجليزية ممتازة ، شكرته بدوري وخرجت من مركز الشرطة وشعور الرضا كبير عندي وكانت السعادة تملأ قلبي لأنني استطعت أن أتخلص من هم كان جاثما على صدري وفي الوقت ذاته كانت سعادتي بإنسانيتي التي لا أجدها كثيرا في وطننا العربي إلا من خلال الواسطة.
ماذا كان يحدث في داخل معهد اللغة ومن هم الطلاب الجادون وهل تأقلمت أنا مع الجو العام هناك كل هذا سأذكره في المقال القادم بإذن الله.






