الأحد، ١ نوفمبر، ٢٠٠٩

لست رامبو بل عنترة





خرجت من المسجد قبل نهاية التراويح للحاق بآخر رحلة للحافلة المتجهة إلى المنزل مشاعري في تلك اللحظة متداخلة لم يستطع عقلي تفسيرها ، فبيتي وراحتي هنا في المسجد فكيف أخرج منه؟! ، وهنا حدث عقلي نفسه ووصل إلى ضالته في لغتنا العربية الجميلة فبيتي هو مكان سكني وراحتي النفسية ومبيتي ، هو مكان الراحة والاسترخاء وهو من أشتاق إليه بعد الفراق وبه أجد ملجأً من حوادث الدهر وصروف الزمان ، أما منزلي فهو النُزل الذي أقيم فيه وما أكثر المنازل في حياتنا فكل مكان تجلس فيه نُزل فبيت العجوز بالنسبة لي نُزل لا بيت أما المسجد فهو داري وبيتي.




تبعد المحطة عن المسجد قرابة العشر دقائق من المشي السريع، الحياة في تلك الساعة في أوربا ميتة هدوء كبير ولن أقول مطبق المحلات مقفلة ويستثنى منها الحانات والمطاعم وبعض الدكاكين وغالب الناس في بيوتهم ، لذلك تشعر بالرهبة أو الخوف بحسب شخصيتك وقوة قلبك ، فالأضواء الخافتة على جنبات الشارع ووحشة الطريق من السالكين وغربة المكان كلها تضفي على النفس شعور ما بين الخوف والرهبة حتى نبضات القلب تكون فوق المتوسط .




هنا أريد أن أقف أمام مفهوم الشجاعة والجُبن ، فالكثير منا يعتقد بأن الشجاع لا يخاف ومن لا يخاف فهو شجاع وهذا أمر منافي للحقيقة والواقع والعلم ، ومن يدعي أن الخوف بعيد عنه فتأكدوا أنه كاذب لأن الفارق بين الشجاعة والجُبن تمكن في أن الشجاع يُسخر خوفه لصالحه أما الجبان فيترك خوفه يسيطر على مشاعره ويوقف عقلة عن التفكير وردة الفعل فتحل عليه الطامة وتنزل به الكارثة.




عنترة بن شداد أشجع الشجعان اعترف بسر شجاعته وانتصاره فقال أنه في حال المعارك يَعمد إلى أضعف القوم فيضربه ضربةً تزعزع سيطرة الشجاع على خوفه وينزل ثقته بنفسه ويرفع معدل الخوف في قلبه فيتمكن منه ، وهنا نشاهد ذكاء هذا الفارس وتسخيره لخوفه في صالحه.




وصلت إلى محطة الحافلات وكان هناك مكان مخصص للوجهات السبع على اختلاف اتجاهاتها فاتجهت إلى مكان حافلتي City 7 وجلست أنتظر موعد وصولها ، وخلال فترة الانتظار اقترب مني شاب انجليزي عرفت ذلك من لهجته وكانت هناك فتاة قد شبكت يدها بذراعه وهما في قمة الضحك وكأن وجهي مسرحية مضحكة وهنا اكتشفت أن الخمر لعب برأسيهما أيضا .




اقترب الشاب وبادرني بالسؤال " من أي البلاد أنت" فلم ألتفت عليه ولم أعره انتباهاً فأعاد صياغة السؤال مرة أخرى "هل أنت من بلدان أمريكا الجنوبية؟" وهنا أجبته لأنني اعتقدت أنه يريد شيئا وبما أنني لست من أهل المكسيك ولا البرازيل ولا حتى الأرجنتين قلت له "لا" أملا في أن ينهي هذا الحوار الثقيل ويذهب ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .



"من أي بلاد العالم أنت لماذا لا تجيب" وهذه المرة كان السؤال بصوت الفتاة ، فقلت من الكويت فلم يعرفوا أين تقع الكويت ، فقلت لهم بصوت غاضب أنها بين العراق والسعودية وعندها قال لي الشاب بسخرية " أنت عربي ؟؟ إذا ..............F " عندها لعب الغضب بعقلي كما لعب الخمر برأسه وكما عودني عقلي أخذني إلى أسهل الأمور فغيرت مكاني طمعا في أن يذهب في حاله ، ولا يفوتني أن أذكر لكم أن هذا الحوار كان على مرأى ومسمع من جميع المتواجدين في مكان الانتظار ولم أحدهم ساكنا وهذا يمثل جمود المشاعر وبرود العواطف الغربية.



لم يتركاني في حالي فقامت البنت وهي تضحك وتسحب خلفها صديقها وتوجها ناحيتي وأعادا الشتم والسباب ، هنا أعطيت لعقلي إجازة وترك لأعصابي حرية الانفلات وكان كل ما أراه هو أننا نحن العرب نتميز بالكرم والشجاعة فجمعت لهذا السكران الأمرين فأكرمته بلكمات شجاعة ولا أذكر ما حدث بالضبط ولكني أذكر أنني كنت فوقه أضربه وخلفي من يسحبني ويأمرني بالركض.



التفت فإذا هما باكستانيان لا اعرفها بصراحة ولكن قالا لي اركض ، وفعلا ركضت معهما وأنا أنهما خائفين من أن يجتمع علينا الإنجليز فيضربوننا خصوصا وأننا نحن الشرقيون نتميز بتشابهه الأشكال ، دخلنا الحديقة المظلمة في المساء –وهذه الحديقة لي معها ذكريات جميلة- وقطعناها بالطول حتى وصلنا إلى أقصاها ناحية الشارع العام ، وعندها بادراني بأنهما مسلمان وقد شاهداني في المسجد ، وطلبا مني في المرات القادمة أن لا أبدأ بالضرب بل أدع الطرف الآخر يبدأ به لأن هناك كامرات مراقبة في كل الشوارع ، وتبسمت من هذه النصيحة لأنها جعلتني أشعر بأنني صاحب سوابق ومراهق ، وقاما مشكوريّن بطلب سيارة أجرة لي وعند وصول سيارة الأجرة طلبا مني أن لا أعود إلى هذا المكان مدة ثلاثة أيام خوفا من تواجد الشرطة فيه ، شكرتهما وركبت السيارة باتجاه المنزل.



كان ذهني مشوشا وكأنني أحلم وتدريجيا بدأت أعود لواقعي ويرجع عقلي إلى وعيه ، هل ما فعلته كان صحيحا؟ أم أن ذلك كان تهورا مني أم أن ما حصل ردة فعل طبيعية على إهانه ، أنا لست من مؤيدي شريعة الغاب وتشابك الأيادي بل لا أذكر أنني اشتبكت بعد مرحلة المراهقة أبدا وحتى خلال المرحلة لم أكن صاحب مشاكل ، فكيف بي وأنا على مشارف العقد الثالث من عمري ، حسمت الجدل بسرعة وهو أن ما فعلته كان صحيحا لأن الموقف تطلب ذلك وكان علي أن أوقفه عند حده ولكن قررت أن لا أعيد هذا الفعل مرة أخرى وأن يكون الحوار والقانون هما الطريقين الوحيدين لحل مثل هذه المشاكل لأن للقانون عندهم هيبته.




ولا أقول ذلك متأثرا بحضارتهم التي أحببت جزءا ليس بقليل منها بل أقوله إقرار للحق ولدي ما يثبت صحة هذا الرأي القائل بأن للقانون هيبته في أوربا ، هناك قانون يعرفه كل المغتربين في بريطانيا وهو أن يسجل الطالب نفسه لدى مركز شرطة المدينة ويحصل على بطاقة منهم خلال اسبوعين من وصوله ، وكان مركز الشرطة يأخذ عددا معينا كل يوم وبما أنني أسكن في أطراف مدينة كامبردج وكذلك التزامي بمعهد اللغة كل ذلك لا يمكنني الحضور باكرا قبل اكتمال العدد وحاولت مرارا وتكرارا أن أشرح للضابط والضابطة المتواجدين في المركز ظروفي ولكن لا فائدة فلا مجال للتسجيل بعد اكتمال العدد.



وفي تاسع يوم لي في بريطانيا خرجت من المنزل الساعة السابعة صباحا وكنت صائما ووصلت إلى مركز الشرطة في حوالي الثامنة والنصف بعد تنقلات بين الحافلات ومشي لمدة نصف ساعة ، فكانت الصدمة بأن العدد قد اكتمل حاولت جاهدا أن أشرح لهم مكان سكني البعيد وأن أول حافلة تنطلق باتجاه المدينة في الساعة السابعة ولكن دون جدوى وكأنني أخاطب جمادا ، فزدت بالشرح بأن أنني في يومي التاسع والقانون يحتم علي التسجيل قبل اليوم الخامس عشر من تواجدي ولكن لا فائدة بل كان جوابه بأنه لو حدثت لك مشكلة فإننا سنثبت أن أتيت هنا عبر الكامرات الموجودة في المركز!!




خرجت مكتئبا واتجهت إلى المعهد وبعد انتهاء الدروس توجهت إلى المنزل مباشرة ولم أذهب إلى المسجد للإفطار كعادتي الأمر الذي أثار استغراب وخوف العجوز أما خوفها فلكونها لم تحضر لي طعاما وأما استغرابها فناتج عن كثرة حديثي معها عن سعادتي بجو المسجد والجلوس فيه ، فقصصت عليها قصتي ومعاناتي وكأنني ألقي باللائمة عليها لبعد بيتها عن مركز المدينة ومركز الشرطة على وجه التحديد .




تأثرت بما قلته ومن فورها اتصلت بقسم الشرطة وطلبت المسئول عن المركز وتحدثت معه بكل سهولة على عكس واقعنا نحن في بلداننا وشرحت له أمري بنبرة لا تخلو من الغضب الممزوج بالعتاب بل وصل بها الأمر إلى التهديد المبطن بأنها ستتجه إلى مجلس المدينة في حال لم يحل أمري غدا خصوصا وأنني توجهت إليهم أكثر من خمسة مرات وهم من يرفضون استقبالي وكل ذلك مثبت في كامراتهم!!، فكان جواب الرجل أن أذهب إلى المركز متى ما استطعت ذلك وفي أي وقت!!



وهنا نتوجه ناحية بلداننا فلو أن مواطنا بسيطا أراد الحديث مع مسئول مركز الشرطة في مدينته من خلال الهاتف فكم هي فرصة وصوله إلى هذا المسئول لا أبالغ إن قلت تكاد تكون معدومة ، فأول أسباب انعدام هذه الفرصة هو عدم الرد على الهاتف من الأساس ثم البيرقراطية المقيتة وأخيرا الخلل في المسئول نفسه الذي يعتقد بأنه حاكم زمانه وأسطورة عصرة وملك جيله ، ولا يمنع أن نقول أن هناك ندرة نادرة من المسئولين الذين لا تزال نفوسهم تحمل خوفا من الله وإخلاصا في العمل ، ومع الأسف أقولها بأن الغالب الأعم في بلداننا هم من أصحاب الفئة الأولى قولي عن متشائم وسأقول أنا أعيش الواقع.



في اليوم التالي وبعد انتهاء الدروس اتجهت إلى مركز الشرطة وطلبت مقابلة المدير وفعلا تم ذلك بسرعة وقام هو شخصيا بتسجيلي وانتهاء الإجراءات وقام أيضا بتقديم اعتذاره عن ما سببه المركز لي من تأخير وجهد وعلل ذلك بأن ضغط الطلبة كبير في هذه الأيام وختم حديثة بأمنياته بأن تصبح لغتي الإنجليزية ممتازة ، شكرته بدوري وخرجت من مركز الشرطة وشعور الرضا كبير عندي وكانت السعادة تملأ قلبي لأنني استطعت أن أتخلص من هم كان جاثما على صدري وفي الوقت ذاته كانت سعادتي بإنسانيتي التي لا أجدها كثيرا في وطننا العربي إلا من خلال الواسطة.



ماذا كان يحدث في داخل معهد اللغة ومن هم الطلاب الجادون وهل تأقلمت أنا مع الجو العام هناك كل هذا سأذكره في المقال القادم بإذن الله.

الأحد، ١٨ أكتوبر، ٢٠٠٩

غربتي5 -النظام والصحبة ومسجد ابو بكر-


في الحلقة الماضية من الذكريات ذكرت مقابلتي للفتاة المحجبة والتي دلتني بدورها على مكان المسجد عبر الإشارة إلى جسر في الأمام ثم الطلب مني عبوره وسأجد على يساري المسجد.
ودعتها بعد شكرها وانطلقت يدفعني الشوق وتُسيّرني الفرحة صعدت الجسر كالطير الهارب من القفص ناحية عشه نعم ولم الاستغراب فالغربة سجن كبير تكون الوحدة فيه القفص ، انطلقت مسرعا إلى بيت لن يردني صاحبه عن الدخول بيت الله الذي لا يدخله أحدٌ إلا مطمئناً ، صدقوني إن قلت لكم أنني من فرط سرعة المسير أحسست أنني سأطير ولا أدري لماذا راودني شعورٌ أن المسجد قد يتغير مكانه بسبب دوران الأرض إن لم أسرع .
وصلت بقرب المطعم التركي الذي ذكرته لي الفتاة ولكني لم أجد أي مسجد فعقلي كان يأمر عيني أن ترى وتبحث عن قبة ومئذنة بأسرع وقت ممكن إلا أن الواقع أحب أن يثبت للعقل أن له حدود وأن المسجد ليس بالمئذنة والقبة وإنما بالروحانيات والعبادات ولذلك جعلت الأرض لنا نحن المسلمين مسجدا وطهورا.
كنت أحوم حول المسجد دون الانتباه إلى اللوحة المعلقة على واجهته ، بدأ الإحباط يتسلل إلى عقلي وأرتفع نبض القلب وفي خضم هذه المشاعر المتداخلة ، برزت أمام عيني لوحة بيضاء رفعها لي خيالي ونقش عليها قبل رفعها إن اليأس طريقك السريع للفشل فاصبر ، حينها أغمضت عينيّ مستجمعاً تركيزي وبعد لحظات فتحتها فوجدتها لا شعوريا تشخص للسماء تسترجي عطف خالقها ومولاها ولهج اللسان بكلمة يرددها كل مضطر في العالم باختلاف لغاتهم يا رب أنت أعلم بالحال .
مشيت عشر خطوات أو أقل و والله ثم والله أنني وجدت نفسي أمام باب المسجد ولوحته الخضراء بارزة أمامي وكأن الله أمره أن يقترب مني وعندها أدركت معنى الآية )أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) وعندها أمسكت بقبضة باب المسجد بحرارة ومحاولا ضمه من فرط فرحتي ولو استطعت ضمه لفعلت.
والخير يتبعه الخير وزاد الخير برنين هاتفي وانفرجت أساريري بالاتصال القادم من الكويت ، صوت حنون يشعرني بالطمأنينة على بعد المسافة وينقل لي عبر ذبذبات الهاتف السكينة والتشجيع ، يسألني الصوت عن حالي ومكاني فأجيبه متعمدا رفع صوتي بالقول "أنا بخير يومي الأول كان موفقا ولا زلت أبحث عن العرب والخليجيين خصوصا وها أن ذا قد دخلت المسجد" ، ورفعي لصوتي كان هدفه جذب الانتباه إليّ ولكن لا صدى لصوتي جلست مستندا على الحائط وكان الجميع على هذه الهيئة ، وأرخيت جسدي المنهك من رحلة البحث عن المسجد بانتظار الإفطار.
كان جسدي كله في حالة استرخاء إلا عيناي فقد كانتا تمر على الوجوه محاولةً التقاط ملامح صحراوية عربية ولكن لم أوفق فمع كثر الشرق آسيويين والذين يحملون الملامح نفسها كان من الصعب التمييز ، إذ أننا في بلادنا نتميز عنهم في اللباس التقليدي ومظهرنا الخارجي أما هنا فالجميع متشابهون ولكثرة الضوضاء في المسجد لم أكن أستطيع التمييز بين الأصوات.
لم يعد لي من سلوى سوى أن أطلق العنان لخيالي منتظرا صوت المؤذن ، وقبل الأذان بدقائق بدأ توزيع الماء والتمر وبعض المأكولات الهندية الخفيفة وبدأنا نلتف حول بعضنا للجلوس في حلقات وهنا بدأ الغبش ينجلي وتتضح الصورة أكثر ، فمن عادات أهل الخليج أن يدعوا بعضهم بعضا حتى وإن لم نكن نحن أصحاب الدعوة والوليمة ، وهنا اكتشفت أن الجالس بقربي سعودي تحت تأثير صدمة الغربة مثلي ، وقد أفقدته الصدمة قدرته على التركيز .
جلسنا في حلقة ننتظر الأذان وكانت هذه الحلقة بداية تكون مجموعتنا في الغربة المجموعة التي سيعيش أغلبهم معي خلال فترة الاغتراب ،بالطبع سينضم آخرون لنا فيما بعد ولكن اسمحوا لي أن أعرفكم بهم كما عرفتهم ، وليسمحوا لي هم إن كتبت عنهم شيئا لم يعجبهم ولكن هذا جهد المقل ونظرة القاصر ورؤيتي الخاصة .




أولنا وأكبرنا عمرا رجل في بداية عقدة الثالث واقعي يحسب خطواته بدقة ، ولن نستغرب هذه الميزة فيه إن عرفنا أنه مهندس ، علاقتي به كانت كبيرة رغم أنه فارقنا في منتصف الغربة ومن ذلك الوقت بدأت حبال الوصل تتقطع ومع هذا لا زال له في القلب مكان هذا الرجل هو عبدالاله.




عبد الله من أهل القصيم عاش غالب وقته فيها ولذلك نجد فيه عفوية وبساطة بعكس أهل المدن الكبيرة لهجته القصيميه متميزة مقارنه بغيره ممن يعيشون في الرياض مثلا ، هو قريب في العمر من عبدالإله ولذلك كانا دائم معا وإن وجدت أحدهما فغالبا ستجد الآخر معه ، كان حظه عاثرا في بداية الغربة ولكن ابتسم له بعد ذلك بل وضحك أيضا عند مغادري وأتمنى أن يكون لازال يبتسم له على الأقل ،غادرنا هو أيضا في منتصف الغربة ليلحق بصديقه ولا زال التواصل معه بين حين وآخر وأكبر مميزاته أنه يذكر الود ويحب الآخرين .




نواف متمرد على الطبيعة السعودية المغلقة رغم أنه نجدي ومن أهل القصيم ، له حس فكاهي يحب المزاح والترفيه ، له شغف بالتميز والتنافس لكن لم يدرك كل أمنياته ومع ذلك لا يعرف اليأس ، أقرب المجموعة إليّ ولازال تواصلي معه مستمرا توطدت علاقتي به خلال الغربة وبعد الرحيل ، أنا وهو قطبين متشابهين ولذلك هو في غالب الأمور يعاكسني وقد اختلفنا حتى في تشجيع الفرق الرياضية ، متفتح على الآخرين ويملك ذكاءا اجتماعيا والدليل اندماجه مع كل فئات المجتمع هناك العربية منها والغربية .




أما رابعنا فهو حجازي النشأة والهوى أحب المجموعة إلى قلبي ، يحمل الكثير من المشاعر والعواطف التي نفتقدها نحن أهل نجد وما جاورها ، يحب مساعدة الآخرين وله طيبة قلب تميزه عنا يعتبرها البعض ضعفا ولكننا كنا نراها من مميزاته ففي هذه الحياة من الصعب أن تجد رجلا متسامحا كريما ، كان مرحا يؤنس جلسائه ويدخل السرور على قلوبهم ، وعدم وجودة في أي رحلة أو اجتماع يعني أن الفرح والمرح غير مكتمل له في الذاكرة والحاضر مساحة ليست قليلة فلك التحية يا يوسف.




أصغرنا عبد العزيز مرح عفوي أبيض القلب ، كل الأمور عنده سهله لا يحب تعقيدات الحياة حياته تسير على البساطة وتسهيل الأمور وكم نحتاج إلى هذا الأمر ، يحب المزاح وإلقاء النكت له جو خاص به أعجز عن وصفه وبكل صراحة كنت إذا شاهدت عبد العزيز تأتيني شحنه ايجابية معنوية كبيرة فأخذه للأمور ببساطة له وقع خاص في نفسي.




هؤلاء هم أخوتي في الغربة وسوف تنضم إليهم بعد عده حلقات أسماء جديدة تكمل معنا مسيرة الغربة التي لا زلت أتمنى أن تعود ولذلك أنصح كل مغترب أن يعيش لحظاته ولا يدعها تمر فيندم بعد أن يعود.



نعود إلى الإفطار في المسجد فبعد أن أفطرنا على التمر والماء صلينا المغرب جماعة ومن بعدها بدأ توزيع وجبات الإفطار علينا وهم عبارة عن أرز وما تيسر من مرق سكب عليه ، الجميل في الأمر أن إعداد هذه الأطباق يكون قبل الصلاة وتصف بشكل منتظم ، وبعد الصلاة يكون توزيعا أيضا بشكل شبه منظم وقد عقدت مقارنه بين الإفطار في مسجد أبي بكر وبين الإفطار في مساجدنا فوجدت أن ما ينقصنا ليس كثرة الأكل وإنما فكر التنظيم وعقلية النظام .




فغالب من كان في المسجد إن لم يكن كلهم شرقيون غير منظمون في بلادهم ولكنهم تغيروا بعد الوصول عنها والغريب أن الكثير منهم يعودون للسابق عهدهم بعد العودة لديارهم ويلقون باللائمة على المجتمع بعد أن يفعلوا أي خطأ وهذا لعمري أمر غريب فنحن من يملك القرار ونحن من يغير النظام ، والتحجج بأخطاء المجتمع حجة الضعفاء نعم للمجتمع دور في التطور والحضارة ولكن الفرد هو من يدفع المجتمع ناحية هذا التطور من خلال الارتقاء بذاته.



انهينا فطورنا وأكمل بعضنا الإفطار –وأنا منهم – في مطعم قريب من المسجد لكوني لا آكل اللحوم الحمراء وعدنا بعدها للنصلي العشاء والتراويح ، ولم أكمل سوى أربعة ركعات من التراويح وخرجت مضطرا لألحق بموعد الحافلة التي تقلني إلى المنزل.




ماذا حدث خلال طريق عودتي ولماذا تشاجرت البريطاني الموجود في موقف الحافلات كل هذا سأذكره بإذن الله في المقال القادم.

الإثنين، ٢٨ سبتمبر، ٢٠٠٩

الحافلة والمحجبة -غربتي4-


يا الله صباح أول يوم في كامبردج أخيرا تحقق الحلم وبدأت أسير خطوتي الأولى تجاه حلمي ، لكن لا زال الشعور الغريب يراودني وأحس به ولا أعرف ما هو -ولازلت أحس به اليوم ولا لم أجد له تفسيرا مزيج بين الرهبة والفرحة-، خرجت من شبه المنزل كما أطلقت على محل سكني كانت السماء شديدة الزرقة وكأن الكرة الأرضية قد انقلبت فأخذ البحر مكان السماء من شدة الزرقة ،غيوم متناثرة هنا وهناك ، لم أكن أعلم أن وراء هذه الغيوم مطر كثير سأمل منه سريعا ، ففي بلاد الجزيرة العربية ننتظر في كل عام فصل الشتاء حتى تتساقط الأمطار ونستبشر بهطولها خيرا ، وهم هنا يتنظرون انقشاع الغيوم و ظهور الشمس حتى تتوقف الأمطار فيا لله كم هو غريب هذا الإنسان .






مرج أخضر مقابل المنزل في حقيقة الأمر نحن نسكن في حديقة! ، عجائز وشيوخ وفرت لهم الحكومة هذا السكن بسعر زهيد مقارنة بالمنازل الأخرى، بالنسبة لي الاستيقاظ كل صباح على هذا المنظر الجميل يضفي على النفس شعورا عميقا بالرضا ، مشيت متجها ناحية موقف الحافلة التي تبعد عن المنزل ما يقارب 10 دقائق من المشي السريع ، محطة صغيرة الجميع يقف بانتظام وبجانب المظلة لوحه معلقة بها مواعيد وصول الحافلة إلى المحطة كل يوم ، بدأت أسخر من نفسي المعجبة بالنظام الغربي فرميت لها قفاز التحدي وبدأت بمطالعة ساعتي بقي على وصول الحافلة 3 دقائق صدقوني بدون مبالغة وصلت الحافلةcity 7 في موعدها .




بالطبع نظام الحافلات عندهم مرتبط بشكل جميل فكل عدة مناطق لها حافلات خاصة بها وهي تحمل اسم city بتغير الأرقام بمعنى city1 وcity2 حتى نصل إلى city7 ، وبالطبع كل حافلة لها أوقات وهناك اتجاهين للحافلات خط للذهاب وخط للعودة فأتمنى أن نصل لما وصلوا إليه من تنظيم جميل يجعل الحياة أسهل.




ركبت الحافلة ووقف أنظر إلى السائق الذي كلمني بلهجته البريطانية قائلا –حسب ما فهمت- إلى أين تريد الذهاب قلت له اسم المدرسة فنصحني أن اشتري تذكرة أسبوعيه قيمتها 10 باوند أركب بها متى ما أردت وفي أي وقت وافقت وأخرجت من محفظتي ورقة نقدية بقيمة 50 باوند وعندما رآها السائق دخل في نوبة ضحكت لدرجة أنني خجلت من نفسي وظننت أن الورقة هذه عملة قديمة عندهم! فقال لي لا أستطيع أن آخذ منك 50 باوند فهذه ورقة نقدية كبيرة .



وقفت أمامه كالطفل الذي فعل ما يستطيع ولكنه لم ينل رضا والديه ، فقلت له بلهجة ركيكة ما العمل هذا هو يومي الأول قال لي سأوصلك وأنت حاول أن تجد مع احد الركاب ورقات نقدية أصغر أي ما نسميه العامية –الفكة- وفعلا بدأت بسؤال الركاب ومن حسن حظي أن رجلا وزوجته تعاطفا معي فأعطاني كل واحد منهم 25 باوند وأخذت المرأة ال50 باوند مني ، فانطلقت راكضا نحو السائق خوفا من أن يغير رأيه وأخذت بطاقتي بعد أن شكرت الزوجين على كرمهما .



الطريق من المنزل إلى المدرسة في الباص يتجاوز ال15 دقيقة ، مقعدي المفضل كان بقرب النافذة ليس حبا في التأمل وإنما هروبا من محادثة أي إنسان وكنت حريصا جدا أن أجلس على أول مقعد وغالبا ما يكون مقعدا وحيدا وهذه من أخطائي التي ارتكبتها فوضع الحواجز أمام الآخرين أمر غير إيجابي ، ربما لنشأتي دور في مثل هذه التصرفات ولكن نصيحتي لكل من يخوض أو سيخوض التجربة أن يندمج مع المجتمع الذي يعيش فيه لأن العزلة لا تأتي إلا بالضجر وزيادة البعد جمال الحياة ، وعزائي أنا أن الشيخ الطنطاوي كان لا يحب مخالطة الناس كثيرا بل كان يتهرب من الدعوات والولائم وفي المقابل كان إذا جلس في مجلس عام يكون فيه قائدا ولعل من يقرأ هذه السطور ويعرفني يجد هذه الصفة موجودة عندي فرحم الله شيخنا الطنطاوي وغفر له.


وصلت إلى مدرسة اللغة EF وكانت مختلفة عن الصور التي شاهدتها فالصور تعطي انطباعا في الغالب مختلفا عن الحقيقة ، بيت قديم من طابقين ونصف شيّد في نهاية القرن التاسع عشر وكان مستوصفا للجرحى إبان الحرب العالمية الأولى كما قالت لي إحدى المعلمات ، دخلت وأنا أبحث عن أحد يتحدث بلغة الضاد لم أجد أحدا ، جمعونا في ساحة المدرسة وطلبوا منا الذهاب إلى الكنيسة الملاصقة بالمدرسة دخلنا هناك وكنا طلابا من كل أصقاع الأرض خطرت في بالي فكرة العالم كيف أننا نعيش في عالم ونحسب أننا نملك كل شيء وفي المقابل هناك أكثر من حياة حولنا ،جلست أتأمل الموقف والرهبة هي المسيطرة على عقلي كيف لي أن أختلط مع كل هؤلاء البشر بنات جلسوا بقرب شباب الجميع يبتسم ويلقي بالتحايا هنا وهناك ، لاحظت أنني قد أكون أكبرهم سنا وغالبهم يصغرني بسبعة سنوات على الأقل فراق كبير حتى في التفكير وعندما يئست من الجلوس بقرب رجل عربي بدأت أتمعن في الوجوه بحثا عن من هم في مثل سني وفعلا وجدت فتاة من شرق آسيا عرفت فيما بعد أنها من اليابان وبقربها جلس اثنان في نفس العمر ألقيت السلام وألقيت معه جسدي بقربهم حتى أضعهم أمام الأمر الواقع.






كلام كثير دار حول الضوابط التي يجب أن نلتزم بها خلال فترة الدراسة وكذلك تم تعريفنا بالهيئة التدريسية كلها المديرة وجميع المعلمين والمعلمات ثم طلب منا الذهاب لاستلام هوياتنا التعريفية وبعد أن فرغنا من ذلك قيل لنا أن نغادر وسوف تبدأ الدراسة من الغد ، لم أعلم ماذا سأفعل هل أعود إلى المنزل وأنتظر الإفطار أم أسير مستكشفا المدينة خواطر كثيرة جالت في عقلي سببها الوحدة والغربة ولكني عزمت أمري أن أبحث عن مسجد المدينة لعلي أجد سلوتي فيه وأجد أهل لغتي أيضا .


أخذت خارطة المدينة من مكتب الاستعلامات في المدرسة وهذا الأمر مما يميزهم أيضا ففي الخارطة كل مرافق المدينة حتى أماكن العبادات موجودة فيها ، غادرت الكنيسة باحثا عن المسجد ولعل من الطريف أن أذكر أنني في رحلة البحث هذه جالت صور بعض الرحالة في خيالي كابن بطوطة أو ماركو بولو الذين ذهبوا لاستكشاف العالم وكانت هذه الأفكار سببا في توقد الحماسة عندي ، بدأت أسير وفقا لما هو مرسوم في الخارطة وبعد أن تجاوزت نصف ساعة من المشي أحسست أنني تائه وفعلا كنت كذلك ، ولعل سبب هذا الأمر هو أنني لأول مرة أستخدم خارطة والأمر الآخر الإحساس بالرهبة والخوف من المجهول.




حاولت أن أعود إلى المدرسة لأبدأ من نقطة البداية ولكني لم أوفق أيضا لهذا الأمر مشيت مع المجهول أربع ساعات وأنا صائم وعندما قنطت من الوصول إلى غايتي قررت أن آخذ سيارة أجرة تعيديني إلى منزل العجوز التي أسكن عندها وحتى هذا لم أتمكن من الحصول عليه ، وعندها عرفت أنه لن يخلصني من ورطتي إلا اللجوء إلى الكريم القادر سبحانه فبدأت بدعائه والاستغاثة به والله وتالله وبالله لم تمضي سوى خمس دقائق حتى خرجت من بين البيوت امرأة محجبة وكأنها خرجت من أجلي .



ركضت خلفها كالظمآن الذي وجد واحة في الصحراء حتى أنني أحسست أنها خافت مني كثيرا ولست ألومها فأنا من لم يحسن عرض طلبه ركضت ووصلت إليها فسلمت عليها وسألتها إن كانت عربية فأجابت لا فطلبت منها أن تدلني على المسجد وشرحت لها بلغتي الركيكة أنني صائم وضائع منذ ما يزيد عن الأربع ساعات فطلبت مني المشي أمامها وبعد مسيرةٍ امتدت لنصف ساعة ، طلبت مني التوقف وأشارت إلى جسر أمامي قائلة إنني يجب أن أعبر الجسر وخلفه سيكون المسجد على يدي اليمنى عند مطعم تركي للكباب ، شكرتها بحواسي وكلماتي وتعبيرات وجهي امتنانا ومشيت نحو الجسر يدفعني الشوق للقاء الأحبة والإفطار مع أخوان لي في الدين.

كيف وجدت المسجد وماذا حصل فيه وقصه المشاجرة في طريق العودة كلها في الحلقة القادمة بإذن الله.

الأحد، ١٣ سبتمبر، ٢٠٠٩

رمضان والسحور على الكحول !!





"بحمد الله وصلت طائرتنا إلى مطار دبي وعلى جميع ركاب الترانزيت مغادرة الطائرة والتوجه إلى البوابات المخصصة لذلك" صوت مضيفة الطائرة وهي تعلن وصولنا إلى مطار دبي ، لا أدري ما الذي أحس به خوف وشوق وتطلع وضيق مشاعر لست أدري كيف اختلجت صدري ، متناقضات كثيرة تدور في فلك مشاعري وما يبعث الطمأنينة في نفسي أنني ذاهب لتحقيق الطموح وكلمات التشجيع التي أمطرني بها أحبائي أن مع كل مشقة فرج والعسر لا يغلب يسرين والقادم أجمل والمستقبل واعد ولكن يجب أن تكون هناك تضحيات.

وقفت على قدمي حملت حقيبة ظهري يا الله كم هو غريب علي هذا اللباس أي ثوبي وغترتي لست معتادا على لبس هذه الملابس أقف مع الجميع في طابور أسير بخطوات بطيئة نحو باب الطائرة ما إن يظهر الباب حتى تبدأ عجلة السرعة بالدوران الجميع يسرع ليصل إلى مبتغاة بينما أمشي الهوينى بين خطوة تسحبني للأمام وأخرى تتمنى أن تعود بي الطائرة من حيث أتيت ، أنظر في لوحات الإرشادات أين هي بوابتي أتطلع في كرت صعود الطائرة لن أنسى رقم البوابة ما حييت بوابة 23 أسير باحثا عنها أجدها ولكن لا أجد مكانا للجلوس بقربها المطار مزدحم وبالكاد تجد كرسيا ، ألتفت حولي أجد الجميع سواسية هنود وآسيويون وبنو الأصفر والخليجيون وحتى العرب الكل متساوون لم أجد مكانا لي سوى الأرض جلست وعلت محياي ابتسامه عريضة ، أتدرون لماذا لأنني تذكرت كلمات الملك فيصل عليه رحمة الله في إعلانه قطع النفط عن الغرب عندما قال لا مانع عندنا أن نعود للسكن في الخيام وكم تمنيت أن يمد الله في عمر الملك ليرى ما وصل إليه حال قومه من تمدن وحضارة واستحالة عودتهم إلى الوراء ، أما الذي جلب هذه الفكرة إلى عقلي فهو جلوسي على الأرض كوني خليجي غير معتاد منذ ولادتي على الجلوس عليها.

رمضان ووقت الإمساك قريب أبحث عن ما يسد جوعي ويقويني على الصوم رغم اختفاء الشهية بتاتا ولكن لا بد من أي شي وكان هذا الشيء شوكلاته وماء ، ربما السبب الثانوي الآخر الذي منعني من السحور هو خجلي من الجلوس لوحدي على طاولة والأكل لم أكن معتادا على هذا الأمر رغم أن الكثيرون ممن كانوا هناك يفعلون ما خجلت أنا من فعله ولكن تبقى التربية وربما عدم الثقة بالنفس موجودة في التجربة الأولى .

حان وقت دخول البوابة دلفنا إليها فرادى ومثنى ورباع أمنية حياتي كانت أن أجلس بقرب إنسان أو إنسانة عربية ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن شقراء في منتصف العمر جلست بقربي وعلى يسارها جلس أسمر هندي المنشأ بريطاني الهوى والجنسية ، إيماءات وابتسامات متبادلة وقت الجلوس أحسوا بأنني أريد العزلة فأعطوني إياها وهذا ما يميزهم عنا ، نحن نقتحم خصوصيات الآخرين اقتحاما وهم لا يقتحمونها إلا نادرا ، خمس ساعات مرت وأنا بين مقلب لكتابي أو متأمل للأرض من تحتي وسارح بخيالي ، أفكار مرت شريط الأحداث أعاده عقلي مرارا ولا بد أن أشير هنا لأمر وهو كيف تكون علاقتنا مع عقولنا ونفوسنا قد يكون الأمر فلسفيا نوعا ما فالعلاقة يجب أن تبنى على أساس الثقة والثقة في العقل خصوصا لا تأتي إلا بالممارسة وكثرة التجارب أو بالقراءة وتثقيف العقل والذات ومحاولة الخروج من إطار أي مشكلة والنظر إليها كاملة خارج إطارها ولن أقول زاوية لأن الزاوية لا تريك إلا وجها واحدة من وجوه المشكلة.

خلال النصف ساعة الأخيرة واربت باب خصوصيتي قليلا فدلفت منه المرأة الشقراء وبدأت بالحديث معي وعندما تكلمت أنا عرفت لماذا بقيت صامتا فحاولت أن تواسيني وفهمت منها أنها من استراليا وأن لها قريبة في بريطانيا تزورها ، وبدأت أنا محاولة الوصول إلى تفاهم معها وفي هذه اللحظة بالذات تذكرت الخدم والسائقين الذين يعملون لدينا كيف أننا نغضب منهم ولا نراعي أنهم لا يفهموننا والفارق بيننا وبين هؤلاء الآسيويين أننا متعلمون وإتقاننا للغة يكون أسهل منهم ولكننا لا نراعيهم وننظر إليهم بفوقية مقيتة أحيانا ، نعود لشقرائنا التي استمرت بالحديث معي دون أن تشعرني أنني لا أتقن من الإنجليزية إلا قشورها وتشجعني وتقول بأنني أجيدها ولكن أحتاج إلى التدريب والتمرين ومن فرط تشجيعها لي دخل على الخط صديقنا الهندي وبدأ يشرح لي معاناة الكثيرين من جاليته الذين يهاجرون إلى بريطانيا ويستمرون في التعلم حتى يتقنونها ، كلاهما بدأ يشرح لي معالم لندن ونحن بالطائرة ويصفان لي روعة الجو وجمال الأماكن الأثرية والعصرية ولأن شقرائنا استرالية لم تتركني حتى انتهيت من الجمارك -ولو كانت بريطانية لكان نسبة مساعدتها لي قليلة وتعرفون الأسباب في المقالات القادمة- ذهبنا لاستلام حقائبنا وكنت قد اشتريت بعض التحف والملابس الشعبية الكويتية لتوزيعها كهدايا لمن سأتعرف عليهم وكانت الشقراء أول من قررت أن اهديها ولكن مع الأسف لم أجد لها أثرا على الرغم من انتظاري لها طويلا في ردهة المطار.

خرجت من البوابة نحو صالة الاستقبال أشكال غريبة تنظر إليك وأنت تنظر إليها رأيت لوحة تحمل اسم معهد اللغة اتجهت إليه وبانجليزية ركيكة سألته عن حاله وأعطيته اسمي فكانت المفاجأة بأنه هنا ليستقبل غيري وليس من أجلي شرحت له أنني اتفقت مع المعهد أن يرسلوا لي سيارة أجرة تقلني إلى بيت العجوز التي ستستضيفني ، حُلت المشكلة وأرسل التاكسي وطوال الطريق الذي امتد لأكثر من ساعة وأنا ملتزم الصمت مستمتع بجمال الطبيعة وسحرها ، سهول جميلة أراضي شاسعة خضراء عن بكرة أبيها أبقار وخيول وبعض الماشية وكأنني أشاهد التلفزيون كانت دقائق ممتعة جدا ومما زاد متعتها صمت سائق الأجرة طوال الرحلة .

كنت أفكر بشكل منزل العجوز كيف سيكون ومتى تم بنائه هل في القرن التاسع عشر ، ما هي تقسيماته هل فيه أحد غيري أم أنا لوحدي وصلنا إلى المنزل ومن فرط المفاجأة زالت لذة المتعة ، لم يكن بيتا!! كان عبارة عن منزل خشبي مثبت على الأرض أو ما يعرف بالكارافان أو القاطرة حمدت الله على وصولي استقبلتني العجوز بابتسامة وأرشدتني إلى غرفتي التي كانت ضيقة جدا لدرجة أنني إن تمددت على الأرض بالعرض كانت رجلي على حائط وأصابع يدي على الحائط الآخر طولها لا يتجاوز المترين ونصف وعرضها متر وثلاثة أرباع ، حمدت الله على ذلك ووضعت حقيبتي وخرجت لتناول الفطور لأنني كنت صائما وكانت قد حضرت العشاء وهذه عادة عندهم أن يكون العشاء باكرا وسبحان الله ذكرني ذلك بأحاديث النبي عن تبكير العشاء وأن لا سمر بعد العشاء وعرج خيالي على واقعنا الذي بدأ يتمدد فيه موعد العشاء إلى ما بعد أو قبل منتصف الليل ، انتهيت من فطوري جلست معها وكانت تجاملني وتذكرت نصيحة والدتي بأن اهديها هدية فأعطيتها فستانا -دراعة بلهجتنا المحلية- لا تتجاوز قيمتها ال3 دنانير وعندها علمتني هذه العجوز قيمة جديدة أن الهدية ليست بسعرها ، فرحت بها وكأنني أهديها أثمن ما عندي شكرتني وحاولت أن تحضنني ولكني ابتعدت عنها فاستغربت من تصرفي كون أن شابا خليجيا قبلي كان يضمها ويقبلها فقلت لها أنني لست معتادا على هذا الأمر وأتمنى أن لا يزعجك ، سألتني عما أريده كسحور وقد تستغربون من سؤالها كونها ليست مسلمة ولكن من كثرة المسلمين الذين استضافتهم عرفت هذه الأمور فطلبت منها سلطة خضراء فقط فوعدتني خيرا وذهبت أنا للنوم .

قبيل الفجر فتحت عيني وقمت إلى المطبخ فوجدت السلطة قد أعدت لي ووضعت في الثلاجة بدأت بسم الله آكلها استغربت من طعمها ليست كالسلطة الخضراء التي تعودت عليها فيها طعم غريب هل هو نوع جديد من الصلصة أم أنها وضعت لي السم وتريد سلب ما عندي بدأ خيالي الواسع يجنح بي يمينا وشمالا ما بين واقع وخيال ومع هذا كله لست أدري لماذا لم أستطع أن أكمال السلطة فوضعتها في مكانها وعدت للنوم بعد أن صليت الفجر.

في الصباح ذهبت للسلام على ربيكا-وهو اسم العجوز- ولكني وجدت على محياها غضب وبين عينيها حنق ولم تترك لي مجالا لسؤالها عن حالها فقالت لي لماذا لم تأكل السلطة أنا ذهبت إلى السوبر ماركت عمدا لشراء خيارتين وبعض الطماطم والخس من أجلك شرحت لها بلغة تكاد مفهومه لها بأن في السلطة طعم غريب فقالت لي مكوناتها وأضافت ووضعت فيها بعض الخمر -الواين- ليضفي عليها طمعا جميلا فانقلب الحال وأنا من غضب هذه المرة وأفهمتها أنني مسلم ولا يجوز لي أن اشرب الخمر فقالت بكل برود محمد الذي كان هنا قبلك كان يشتري لي الخمر لم أعلم أنه محرم عليكم وهذا من أخطاء بعض المسلمين هناك.

ماذا حصل بعد ذلك وكيف وصلت للمدرسة وكيف كان يومي الأول هناك وما قصة الهندية المحجبة ورحلتي في البحث عن المسجد كل ذلك سأكمله في المقال القادم بإذن الله.

الخميس، ٣ سبتمبر، ٢٠٠٩

من ضيق الوطن إلى ضيق الوحده-غربتي-




الكثير منا نحن أبناء الخليج خصوصا ممن تمتد جذورهم إلى عمق صحراء نجد لا يشعرون بحقيقة صلابة مشاعرهم إلا عندما يتعرضون للوحدة فالبيئة الصحراوية القاسية لها تأثير على نفس الإنسان خصوصا من ناحية الصبر ، فابن هذه البيئة صبور يتحمل المشاق في الغالب وهنا نقصد المتاعب الروحية الشعورية لا الفعلية لأن أصبح اليوم ابن مدينة لا يستطيع الصبر على العيش دون مستلزمات الحياة العصرية ، وما يجعل من صبره الشعوري أمرا واقعا هو إرث التربية والعادات والتقاليد التي يتلقاها في صباه دون أن يسمح لنفسه أن يفكر فيها فما ورثه عن أسلافه هو الصحيح.


كل ما سبق ليس إشكالا بل بالعكس مزايا يتمناها الكثيرون ، الخلل يكمن فيمن يُركبون في أنفسهم جفاءً يضاعفون به قسوة البيئة التي خلقوا فيها فتزداد عندهم قوة تحمل الوحدة والعيش بشكل منفرد حتى في وجود الآخرين وهنا مكمن الخطر والخطأ معا، فالصوت الذي تسمعهُ عقولهم لهم بأن كل من حولنا الآن ليسوا من ثوبنا فالأفضل عدم الاحتكاك معهم لأننا سنخسر كثيرا من تركيبتنا الشخصية كون هؤلاء لا يفهموننا ولا نفهمهم وإن كان لسانهم عربي ، فنحن أبناء بيئة العادات والتقاليد والكرم صعبٌ علينا أن نتقبل أي أحد وهذا ما وقعت فيه في بداية غربتي ويقع فيه نسبة كبيرة من أبناء الخليج خاصة والوطن العربي عامة وأعيد فأقول أن للبيئة المغلقة دور ، ولو ترك أحدنا لعقله دقائق ليفكر في هذه الفكرة فسيجد أن الفكرة بكاملها تناقض المفاهيم التي يطرحها فالعادات والتقاليد والصبر توجب على ابن هذه البيئة أن يتحمل أي أحد ويتعايش معه لا أن يعاديه قبل أن يعرفه أو يتعامل معه.


انتهيت من أمر معهد اللغة عن طريق مكتب متخصص لهذا الأمر بالكويت ولكوني رجل أحب إتباع القوانين والمشي في الشمس بدل الظل ارتكبت أول أخطائي في تجربة الغربة حينما اعتمد على رأيي المكتب وعلى الإعلانات التي أعطاني إياها عن المعهد ولم أكن لأستوعب بأن الدعاية من الممكن أن تجعل من البيت قصراً عبر زاوية التصوير وجمال الحروف ، كيف فاتني ذلك وأنا أكتب وأتعامل مع الحروف ربما كان لضغط الطموح والرغبة في الوصول إليه دور كبير في حجب شمس الحقيقة عن عيني ، وربما كان لللعرض المناسب الذي عرضه على المعهد من الناحية المادية خصوصا أنني أدرس على حسابي الخاص فمثل هذه المسائل لها دور في تحديد الوجهة دفعت الرسوم كلها دفعه واحدة -وستعرفون لاحقا لماذا كان ما فعلته خطأ-واستلمت الرسالة من المعهد لإنهاء اجراءات الفيزا وأنهيتها و كانت أسهل معاملة أجريتها في حياتي في أحد المباني الموجودة في دولتي الحبيبة الكويت.


أتى رمضان وصام الناس وأنا اشعر بشعور غريب أنظر إلى أبنائي محمد لم يتجاوز الرابعة وسعد لم يكمل الثانية من عمره هل ما أفعله بهم صحيح هل يستحق هؤلاء الأطفال أن أتركهم وأرحل وراء الطموح الذي أنشدة ، أحيانا تتلبسني العقلية العربية العاطفية فتقول لماذا الطموح ولماذا الشقاء كن راضيا قنوعا بما أنت عليه وظيفتك مرموقة وراتبك جيّد ومكانتك الاجتماعية لا بأس بها فلماذا هذا العذاب والشقاء ، وما إن أقرأ كتب الطموح حتى تزول عني هذه العقلية وأعود مفكرا بما أصبو إليه وأتسائل متفكرا هل ما أطمح إليه سيجعلني راضٍ عن نفسي؟


إذا كانت الإجابة بنعم فلا بد من التضحيات ، تساؤلات تلعب معي لعبة شد الحبل مرة تسحبني ومرات أسحبها والفضل يعود للحوار النفسي والاستشارة والاستخارة.


جهزت تذاكري وكانت على طيران الإمارات، وضبت حقائبي وفي داخلي مشاعر متناقضة بين الفرحة بوضع أول خطوة على طريق طموحي وترجمة أحلامي إلى حقيقة وبين شعور الضيق والحزن على فراق الزوجة والأولاد الذين لا شأن لهم ليتغرب عنهم مُعيلهم .


مشاعر متناقضة تجعل العين تدمع في الوقت الذي يتبسم فيه الفم ، في يوم السفر و بعد الإفطار مباشرة انتابني شعور حزين جدا لا يمكن للكثيرين أن يشعروا به ولذلك أرسلت أبنائي للنوم باكرا قبل ذهابي للمطار بعد أن قرأت عليهم قصه من تأليفي تتمحور حول طفل قوي ساعد والدته عندما غاب والده عنهم نام الصغار على أمل ممارسة حياتهم غدا بشكل اعتيادي لأنهم لم يكونوا ليستوعبوا بأن لندن التي سيذهب إليها والدي بعيدة عن الكويت كثيرا.


ودعت أهل البيت وأنا لا أعرف متى سأستفيق من هذا الحلم هل فعلا أنا سأسافر إلى لندن لأدرس أم أنني سأصحو بعد قليل لأمارس حياتي كما يحدث كل صباح لا هذا ليس حلما فالدموع التي أراها أمامي من عيون من يحبوني حارة لدرجة أنها تذيب عن عينيك غشاوة الحلم الذي تُحس به ،هو الوداع هو الإنقطاع حتى أنني رددت كلمات كتبتها ولم أشعر بحرقها إلا بعد زمن قلت "هل الوداع حكايه أم انه جرح طرى ، او انه غصن رطيب صار ايّبس واعترى ، هو العيون تلألأت بدموع شوق كالثرى،هو القلوب تجمدت وتصلبت فيها العرى،لالا أظن بأنه حبَ تأجل وانطوى،فلاهو الشوق الخفي ولاهو وردٌ يُرى،بل إنه سهم رماه في محيانا الكرى ، وكأننا من بعده صرنا خيالا بل دمى"


وكم ردد عقلي كلمات ابن زريق البغدادي عندما قال:

ودعته وبودي لو يودعني / صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى / وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب الصبر منخرق / عني بفرقته لكن أرقعه.


وصلت إلى المطار وإذا بالأصدقاء قد اجتمعوا لتوديعي لا زلت كيف أنني كنت أتصنع القوة وأنا دون عزم ولكن الحق يقال كانت لكلماتهم التشجيعية أثر كبير في نفسي الكل يدعوا لك بالخير ويتمنى لك التوفيق ويحاول أن يخفف من حدة توترك عبر إلقاء النكت والقصص المضحكة ولكن كيف يوقف سد من الورق سيول التوتر والمشاعر المتناقضة ، كيف لهم أن يفهموا أن الرجل مودع أهله وأبنائه ومسافر لوحدة إلى بلد لا يفقه من لغتها إلا الفتات ، مثلي ومثلهم كرجل مريض دخل على بيت فوجد فيه أصناف الطعام والشراب وأهله يأكلون وينظرون إليه فيدعونه ليأكل ولكن لم يدركوا مرضه وحاولوا إكرامه بما لا يشتهيه فآخر ما يفكر فيه المريض هو الأكل.


اتجهت إلى الطائرة كان أنيسي كتابي ووحدتي جلست وكل الأماني التي تجول في خاطري أن يجلس بقربي رجل سيدرس معي في نفس المعهد ويتحدث الإنجليزية بطلاقة كيف ذلك لا أدري ولكن لكم أن تتصوروا مقدار ارتباكي وعجزي ، جلست وربط حزام الأمان وانطلق صوت المضيف يقول لنا " أهلا بكم على متن طيران الإمارات نتمنى لكم أن تقضوا رحلة سعيدة معنا مدة الرحلة إلى دبي هي ساعة وخمس وعشرون دقيقة" وتلا ذلك دعاء السفر وعندما سمعته أحسست بحاجتي للاتصال بالله تعالى وتذكرت قوله سبحانه وتعالى (( حتى إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين لهم الدين)) لم أتذكر بقية الآية لأنني لم أكن خائفا من الطائرة بقدر ما كنت محتاجا أن تتنزل علي رحمته وسكينته يا الله كم كنت مقصرا في حقك وأثناء ذلك كان أحد الأخوة ممن تعرفت عليه من خلال الشبكة العنكبوتية أهداني أنشودة لمشاري العفاسي قال لي لا تسمعها إلا إذا ركبت الطائرة بحثت عنها في هاتفي وبدأت بالاستماع لها وإذا بكلماتها تقول :


أغيب وذو اللطائف لا يغيب وأرجوه رجاء لا يخيب

وأسأله السلامة من زمان بليت به نوائبه تشيب

وأنزل حاجتي في كل حال إلى من تطمئن به القلوب

فكم لله من تدبير أمر طوته عن المشاهدة الغيوب

وكم في الغيب من تيسير عسر ومن تفريج نائبة تنوب

ومن كرم ومن لطف خفي ومن فرج تزول به الكروب

ومن لي غير باب الله باب ولا مولا سواه ولا حبيب

كريم منعم بر لطيف جميل الستر للداعي مجيب

حليم لا يعاجل بالخطايا رحيم غيث رحمته يصوب

فيا ملك الملوك أقل عثاري فإني عنك أنأتني الذنوب

وأمرضني الهوى لهوان حظي ولكن ليس غيرك لي طبيب

فآمن روعتي واكبت حسودا فإن النائبات لها نيوب

وآنسني بأولادي وأهلي فقد يستوحش الرجل الغريب

ولي شجن بأطفال صغار أكاد إذا ذكرتهم أذوب (هذا البيت كان يصيبني بمقتل)

ولكني نبذت زمام أمري لمن تدبيره فينا عجيب

هو الرحمن حولي واعتصامي به وإليه مبتهلا أتيب

إلهي أنت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريب

في ديان يوم الدين فرج هموما في الفؤاد لها دبيب

وصل حبلي بحبل رضاك وانظر إلي وتب علي عسى أتوب

وراع حمايت وتول نصري وشد عراي إن عرت الخطوب

وألهمني لذكرك طول عمري فإن بذكرك الدنيا تطيب

وقل عبد الرحيم ومن يليه لهم في ريف رأفتنا نصيب

فظني فيك يا سندي جميل ومرعى ذود آمالي جميل وصل على النبي وآله ما ترنم في الآراك العندليب

http://www.youtube.com/watch?v=BiqBLM8AvYo

أما ماذا حصل في مطار دبي وكيف وصلت إلى بيت العجوز التي استضافتني فموعدنا معكم في المقال القادم :)

الإثنين، ٣١ أغسطس، ٢٠٠٩

غربتي











فكرت كثيرا في عنوان هذه السلسلة فحار عقلي واحترت معه بين عناوين كثيرة هل أبدأ العنوان بكلمه نسمات غربتي أو نسمات كامبردجية أحاول خلالها أن أنقل نسمات بريطانيا الباردة إلى شرقنا الأوسط الحار فتكون هذه النسمات بردا وسلاما على عيون القراء وعقولهم أم أسميها أيام في كامبردج فيكون العنوان قريبا من الواقع لأنها فعلا أيام واقعية عايشتها بحلوها ومرها بضيقها وسعتها ببكائها وضحكها ولكنها خُلّدت كذكريات جميلة ، وقررت أنا بعد حوار العقل والقلب على أن يكون العنوان بعيدا عن العنوانين السابقة لسبب منطقي وفلسفي أما السبب المنطقي فهو أن غربتي لم تكن في منطقة واحدة فقط وإنما وزعت بين عدة مناطق ، والسبب الفلسفي هو أنني أحس بأن حياتي كلها غربه ولا أريد أن احصر الكلام عن غربة مكانية بل سأتحدث عن غربة زمانية أيضا ولذلك عزمت أمري وحسمته بأن يكون العنوان شاملا لكل هذا.

دائما ما أتخيل وأنا أقود السيارة أن السيارات التي تسير بقربي هي كعالمنا تماما فنحن نسير في الطريق لنصل لغاية وهدف والسيارات ألوان وأشكال ونحن أيضا نختلف في تشكيلنا العقلي والجسدي فهناك القصير السريع وهناك ضخم القوي وهناك الرجل والمرأة فنحن متشابهون مع عالم الطريق السريع ، كلنا ينشد مكانا يريد الوصول إليه وبعضنا يسبق الآخر ولكنه يحطم سيارته بتهوره وكذلك الأمر في عالم الواقع من يستعجل قطف الثمر يأكله حامضا غير ناضج ، وقد تعترضنا مشاكل جمة في الحياة فنتوقف على جانب الطريق نصلح ما حصل ونحاول تجاوزه وقد نتمكن من إصلاحه لوحدنا أو بالاستعانة بالآخرين وهذا تماما ما يحدث للسيارات أيضا ، ألم أقل لكم إننا متشابهون؟.

الغربة ليست سفرا من مكان إلى آخر وليست ابتعادا عن الأوطان وترك الأهل والخلان وإنما الغربة هي الإحساس بالضياع بالوحدة بالضيق ، فقد نغترب ولكننا نجد من يوافقنا الهوى والرأي وهنا لن تكون غربة بل ستكون فسحة فكم من متغّرب عن وطنه وجد راحته وسعادته ، والعكس صحيح فهناك من يعيش في وطنه وبين أهله ولكنه يحس بغربة وأسبابها متعددة فغربة الروح غربة وغربة الظلم غربة وغربة الجفاء والقطيعة فالاغتراب أمر معنوي -برأيي- يساهم السفر والابتعاد عن الأوطان في تأصيله والدلائل عديدة على من سافر عن وطنه فوجد أنه كان يعيش في غربة قبل أن يغترب!.

غربتي بدأت عندما أردت إكمال دراستي ولم أجد مجالا في بلدي بسبب تعقيدات إدارية وبيروقراطية عربية مقيتة لا تقدر إلا ما هو مكتوب على الورق ، فبدأت الاستعداد لإتمام طموحي وعندما كانت المشاورات كنت لا أسمع سوى صوت الإحباط نابعا ممن يحيطون بي لأن مركزي في عملي كان سيدر علي أمولا كثيرة ربما لن أستطيع الحصول عليها حتى بعد أن أكون أستاذا دكتورا لأنني كنت أعمل في مصرف وتخصصي هو التاريخ ، أعلم أن ابتسامة ارتسمت على وجوهكم فكيف لمن يتخصص في التاريخ أن يعمل في مصرف لكن هذا واقعنا الواسطة فوق كل شيء ، حاولت كثيرا أن اعبر عن وجهه نظري في أن إكمال الدراسة في تخصصي الذي أحبه أمر سيدر بالنفع علي شخصيا وهنا لا أتحدث عن النفع المادي بل النفع الروحي فمن خلال تحقيق ما أريد يعم الرضا على قلبي وتغشاني سحائب الطمأنينة والسكينة ، وبرزت حينها مشكلة كبيرة أرقتني فالكثير ممن استشرتهم كانوا يرددون عبارة عيش في واقعك وانظر بعين الحقيقة لا عين الأماني ، وبين فريق -على قلتهم- يقول لي جرب أن تخوض التجربة فما دامت المسألة في بالك فلن تنساها فجربها الآن وكانت نهاية الحيرة أن استخرت الله عز وجل فألهمني إكمال دراستي وسخر لي العقبات كلها ، وعلى ذكر العقبات كنت أظن أن الإنسان إذا استخار وكتب الله له أن يمضي فيما استخار فيه تتسهل أموره كلها لدرجة أنني كنت أتوقع الحصول على بعثه من فرط الأمل الذي كنت أعيشه ولكني تأكدت بعد تجربة أن الاستخارة يكون عائدها على النفس ورضاها قبل الأمور الأخرى.

عقدت العزم وجهزت أمور السفر ونسقت مع معهد اللغة وحجزت تذكرة الطائرة وما بعد ذلك سيكون في المقال القادم بإذن الله :)

للجميع
ودي

الثلاثاء، ٢٥ أغسطس، ٢٠٠٩

مبارك عليكم الشهر


تقبل الله طاعتكم وكل عام وأنتم بخير :)
في بداية هذا الشهر الفضيل في ذهني فكرة سلسلة اكتبها عن غربتي واحترت ماذا اسميها هل اسميها نسمات كامبردجية (نسبة الى كامبردج في انجلترا) أم أسميها غربتي أم كامبردج دون مقدمات لازلت محتارا في التسمية ولكني دعواتكم أن ارزق المزاج والوقت لأكتب بهدوء ففي ذهني ذكريات لا محى :)
لكم ودي ولا تنسونا من دعائكم