الخميس، 20 أبريل، 2017

بيني وبين هند!






أي هند أعلم انك لن تسمعيني وموقنٌ أن تراب النسيان قد حجب بصرك وغابت عنك صورتي ، ليتك تعلمين أنني اليوم بحاجةٍ للحديث لقد نُحر طموحي بسكين قوانينهم يا هند ، أو تعلمين أن لا أحد أكترث لأمري الكل واساني مجاملةً لم أشعر بنظرةٍ فيها دفء تخترق جليد قلبي.

هند قلبي الذي كان مروجا خضراء صار اليوم جليدا قاسيا هل علمتي أنني غريب وسط أكوام من البشر سلواي هي وحدتي وتلفازي وخيالي ، ادمنت الشعور بالوحدة حتى صرت لهم كمجنون يهرب من مناسباتهم.

أهند مهلا فالقلب موجوعُ والنفس خائرة العزم مهمومه وصل الحال للمحال وانمحت الآمال وعاد الأمر حُلما بعد أن أقترب من الواقع ، إن أعلم أنك تحزنين مما تسمعين فكيف أصنع أنا وقد صرت ينبوع الحزن الدافق ونهر الألم المندفع وشلالات الفشل الساقطة من القمة.

اعذريني على سلبيتي فلم تتعودي عليها مني فالحال انقلب والعقل طار وذهب والنفس مكلومةٌ من العجب والعين ماعادت ترى سوى المقابر والتُرب ، زرعنا سبع سنين عجاف فكان حصادنا أعواد من اليبسّ لا تصلح الى للحرق والتلف لكن لا يزال في النفس فسحةٌ ضيقة للأمل نقش عليها  (اللهم كما منعتني ما أريد لحكمة أنت تعلمها ، أعطني ما أريد بكرم أرجوه منك) . وداعا يا سلوى خاطري وداعا يا ملاذي عند حزني وداعا يا كانت للدنيا دنيا وداعا يا من تسمعني فتريحني وتزيل عني همي وداعا يا هند.


انقطع الوصل بيني وبين هند ولم اعرف كيف سبيل الوصول لها فهي تأتي دون ميعاد تزورني في نومي وفي يقظتي، هند تلك الصديقة التي على كثر ما التقيها إلا أنني لا أعرف عنها شيئا. أذكر أنني ناجيتها يوما فقلت وليعذرني القارئ فأنا لا أجيد الشعر ولا اتقن العروض ولا الوزن لكنها كلمات شعرت بأنها تكتب كما يُكتب الشعر! قلت لهند يوم داهمني الخطب:

همي وغمي والبلية أجمعوا  // في يوم نحس قد أصاب كياني
فذكرت هندا علها بتذكري  // تضفي السعادة في سما وجداني

هند يا أعزائي القراء حكيمة ذكية تدرك أن الوقت كفيل بتغيير العديد من الأمور فهي عندما تحتجب عني إنما هي تقصد أن تتركني أفهم الحياة بطبيعتها ، فالحياة يا سادتي فيها الكدر وفيها السعادة وهي ما بين الألم الأمل. اعتادت هند أن ترسل لي بعض الكتب التي تعينني على فهم الحياة بصورة أعمق وهذه احدى طرقها كذلك في ايصال الرسائل. الغريب هذه المره أنها لم تكترث أبدا بما أرسلت رغم أني غلفت حروفي وكلماتي بعصارة مشاعري وسطرت حرفي بإحساسي لكن قسى قلب هند فأصبح كالحجر!

أحدق في السماء.. أطيل النظر.. تمر سحابة فأرجو وأستبشر خيراً.. أرجو أن تكون هند من ضمن قطرات أمطارها  ، أو أنها في جوف خيراتها، هذه الخيرات التي تهل على العالم كلما مرت سحابة فيعم الفرح والسرور , يشع في الأفق شعاع يكبر ، ينتشر ، يضيء ، ألمح طرفاً منها.. يكبر يكبر.. يسرع يظهر.. أفرح أصرخ .. هي عادت هي عادت ، أشعر بقطرات الندى تسقط على وجهي.. النشوة تسري في جسدي وعلامات الفرح تخطف الحزن من قلبي فيشرق حينها وجهي ..

تمشي مقتربةً مني بخطوات واثقة تبتسم تقول : أعلم أنك تنتظر جوابي ، ولكن لن يكون جوابي كما تريد ، فنحن نعيش في عالم الواقع ولا نستطيع البقاء أبداً في دنيا العجائب ، فلنجعل من النظرات لغة حوارنا لا يفقهها أحد سوانا ، لن أطيل فما تطلبه مني مستحيل .

الحياة يا صديقي قاسية على الخاوي الذي لا طموح له أما صاحب الهمة والصبر فقسوة الحياة معه تجعله أقوى. إن كنت سأنصح هذه المره فسأقول لك  :لا أحد يشعر بك سوى نفسك فلا تبح بسرك ألمك لأحد إلا اذا تأكدت من ثلاث بينها لي ولك بشار بن برد حين قال:

ولابُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَة ٍيُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتَوَجَّع

وهؤلاء في زمانهم كانوا قلة فما بالك بزماننا! كن أنت كما تريد ولا تجعل للآخرين على عقلك سبيل ابحث عما ينفعك وجالد حتى تصل لغايتك فإن الصبر مفتاح الفرج كما قالت العرب ولم ولن تغلب شدة صبرا! تذهب ، تختفي .. أفكر لماذا لا نتمرد على القيود ؟! لماذا لا نضع أبواباَ في السدود ، هي من يفهمني ، هي من يقرأ أفكاري ، هي من أحتاج إليه في وقت اتخاذ قراري ..

لماذا لا تكون معي! حُرمت مَن يفهمني، يا ليتنا نسكنك يا دنيا العجائب دائماً.. يا ليتنا لم نخلق إلا فيكِ، يسكن خاطري.. يتحرك عقلي.. يحاول إقناعي بأن لغة العيون حل وسط بينكما ولن يفهمها أحد غيركما.. أقتنع بعقلي.. أحس بغصةٍ ، ولكن لا ألبث إلا أن أشتاق لحوار العيون الذي لن أتركه معها ، ولن أرضى بغير هذا الحوار بديلاً ولكن سأطلب منها أن تكون لغة العيون أيضاً كما أريد لا كما تريد ، لأني أنا من يحتاج تمتمة العيون .

هذي هي يا سادتي أختي وصديقتي التي لم تلدها أمي.. صديقتي الموجودةُ في عالم غير عالمي.. قد نلتقي في الأحلام، أو عبر أفلاك الخيال ، أو عبر التمتمات فوق العقلية.. وكل لقاء يحمل في ثناياه بقاء لعقلي وقلبي ومشاعري .. دمت بخير أختي ودامت لنا بلاد العجائب.

ومني لكل من يعيش في بلاد العجائب!!

شوارد:

أما أنك فرطت فنعم، ولكننا نستوفي صحبتك الطويلة ومآثرك القديمة وماأنا بالذي ينزع يده حتى ينزع الآخر ولكل صحبة مقام ومقام صحبتك جليل” عبدالرحمن الداخل - صقر قريش


السبت، 1 أبريل، 2017

الجنسية والابعاد في الكويت: هل التاريخ يعيد نفسه؟


ضجت وسائل التواصل الاجتماعي  بخبر "المكرمة الأميرية"، كما سماها الكثير من نواب مجلس الأمة الكويتي، بإعادة الجناسي للناشطين السياسيين الذين سحبت منهم بعد أيام الحراك الشعبي السياسي في الكويت. في نوفمبر الماضي كنا نسمع الكثير من قادة المعارضة الذين قرروا المشاركة في الانتخابات بعد مقاطعة استمرت ٤ سنوات تقريبا بأن هناك قانون سيقر حال وصولهم لمجلس الأمة لمنع تكرار سحب الجنسية دون اللجوء للقضاء. واستمرت هذه التصريحات بعد حصول الكثير منهم على العضوية إلا أن اشكالية سحب الجنسية الكويتية من قبل الحكومة لم تحل بعد. كباحث في التاريخ الكويتي أرى بأن اشكالية ابعاد المعارضة السلمية وسحب الهوية هي اشكالية استمرت في الكويت منذ أن كانت مشيخة أو إمارة وحتى بعد أن صارت دولة. في هذا المقال سأحاول تسليط الضوء على ثلاث نقاط رئيسية: (١) أساليب المعارضة السياسية في كويت المشيخة وكويت الدولة هل تتشابه؟ (٢) عقوبة سحب الجنسية والنفي من البلاد ثم طلب العفو من الحاكم هل التاريخ يعيد نفسه في الكويت؟ (٣) سجن المعارضة السلمية التي تنادي بالإصلاح هل اختلف بين كويت الإمارة وكويت الدولة؟ وستكون الاجابة عن هذه التساؤلات بالمقارنة بين أقوى حراكين شعبيين في الكويت عام ١٩٣٨ وعام ٢٠١١ وتبعات هذه الموجات الاصلاحية على المعارضين وعلى الشعب. هذا المقال سيناقش بشكل محدد موضوع العفو الأميري واعادة الهوية والسماح للمعارضين الكويتيين بالعودة لوطنهم لكن بعد تقديم تنازلات وطلب العفو بشكل رسمي. وهذا قد يدل على أن شكل ونظام الدولة تغير اليوم لكن طريقة الإدارة مستمره في هذه القضية على وجه التحديد.




تمهيد تاريخي
نظام الحكم في الكويت منذ تأسيسها كان قائما على المشورة بين الحاكم والنخب التجارية كما يذكر مؤرخو الكويت. تغير نظام الحكم في الكويت بعد وصول الشيخ مبارك بن صباح للحكم عام ١٨٩٦ من نظام قائم على المشاورة بين الحاكم والنخب التجارية إلى نظام حكم فردي استمر حتى عام ١٩٢١. بعد وفاة سالم بن مبارك عام ١٩٢١ اجتمعت النخب الكويتيه، تجار ورؤساء صنعه وعلماء دين، واجمعوا على عدم مبايعة أحد من ال صباح إلا بعد موافقة الحاكم الجديد على انشاء مجلس شورى تتخذ فيه القرارات المصيرية للكويت بصورة مشتركة. السبب الرئيسي وراء هذا التحرك هو أن الحكم الفردي في عهد مبارك بن صباح (١٨٩٦-١٩١٥) وابنه جابر (١٩١٥-١٩١٧) وأخيرا سالم بن مبارك (١٩١٧-١٩٢١) أثر بشكل كبير على المصالح التجارية لهذه النخب وكذلك كلف أهل الكويت الكثير من الرجال والمال من خلال اجبارهم على خوض حروب لم تكن ذات ضروره من وجهه نظرهم وقد ناقش عبد العزيز الرشيد في كتابه "تاريخ الكويت" هذا الموضوع عندما تحدث عن فترة حكم سالم بن صباح. في عام ١٩٣٨ ومع تطور الأوضاع الإقليمية وتحول العراق من التبعية للعثمانيين إلى حكم هاشمي وبدايات ظهور القومية العربية مع تطور ملحوظ في الوعي لدى المجتمع الكويتي من خلال انشاء المدارس والبعثات الدراسية ثم ختاما اكتشاف النفط كل هذه المعطيات دعت مجموعة من التجار لإنشاء كتلة سموها الكتلة الوطنية التي دعت لإنشاء مجلس تشريعي وكتابة دستور وكان لها ما أرادت. وقد تحكم المجلس بمقدرات الدولة وسحب البساط من الحاكم في كل شيء بناء على الدستور الذي كتبه هذا المجلس ووافق عليه الحاكم في ذلك الوقت، احمد الجابر، يقول خالد العدساني سكرتير المجلس التشريعي عند حديثة عن دائرة المالية " منذ ذلك الحين حدث أكبر انقلاب في تاريخ الكويت اذ صارت للأمة مالية (ميزانية) مستقله عن مالية الحاكم تستعمل في شؤون الاصلاح”. ومن دون اسهاب فقد سيطر مجلس ١٩٣٨ على مفاصل القرار في الكويت فهو كان يمثل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال تنصيب نفسه محكمة تمييز.



هل تكرر المعارضة الكويتية أخطاءها؟



المدقق في حركة ١٩٣٨ وحراك ٢٠١١ يلاحظ أمرين مهمين، الأول هو أن المعارضة قدمت بشكل راديكالي فأرادت كلا الحركين تغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة في كويت الإماره وكويت الدولة. الأمر الثاني عدم تقدير هؤلاء المعارضين وفهم العميق لقواعد اللعبة السياسية والحكم كما أن عدم تجانس الكتلتين كان سببا رئيسيا في سهولة تفكيكهم بعد استخدام قمع وعنف مؤقتين. في حركة ١٩٣٨ كان هناك كتلة متجانسة (الوطنية) والمؤلفه من عبد الله الصقر سليمان العدساني سيد علي سيد سليمان وعبد اللطيف ثنيان الغانم، وجميعهم من الطبقة التجارية، وهم كانوا جزء من مجلس يتكون من ١٤ عضو ولكنهم كانوا الاعضاء المؤثرين فيه. الأمر ذاته تكرر في مجلس الأمة المبطل ٢٠١٣ فقد كانت هناك كتلة متفاهمه يمثلها مسلم البراك وجمعان الحربش وفيصل المسلم ووليد الطبطبائي وربما أحمد السعدون في مجلس لهم فيه تأييد الأغلبية، وهذه الكتلة تتوزع على مجاميع اجتماعية مختلفه، بدو حضر وتجار. كلا الكتلتين لم يكن عندها الوعي السياسي الكبير والفهم العميق للشارع الكويتي فهم ظنوا أن الشارع سيدعمهم مهما كلف الأمر. ولا يلامون على هذا الفهم ففي عام ١٩٣٨ ساهم الشباب وغيرهم في دعم المعارضة من خلال الكتابة على الجدران والمسير في مظاهرات وتنظيم اضراب مدني رغم أن غالب مؤيدي مجلس ١٩٣٨ لم يكن لديهم حق التصويت. في المقابل خرج الشباب بالدرجة الأولى وفئات المجتمع الأخرى نصرة لمبادئ وأفكار "كتلة الأغلبية" بل نجحوا في اسقاط رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد. التشابه بين الحركتين كبير لكن هذا ليس موضوع هذه المقاله، فهنا نحاول تحليل استخدام السلطة السياسية لورقتي القمع والطرد في تقليل شعبية هذه الحركات من خلال تكرار الحركتين، ١٩٣٨ و٢٠١٣، لذات الأخطاء السياسية.



طريقة صنع القرار في الكويت قائمة على التفاهمات والكلمة العليا في الغالب تكون للشيخ في زمن المشيخة وللأمير في زمن الدولة والشواهد على ذلك كثيره. هذه التفاهمات تناستها المعارضة في ١٩٣٨ و٢٠١٣ بعد أن خدرتها النشوه الجماهيرية المساندة للحراك ولذلك مع ضعف السلطة الحاكمه وعدم وجود مساحة للتفاهمات التي اعتاد الساسة الكويتيين على وجودها لم يكن أمام السلطة سوى استخدام ورقة القمع ثم التأديب السياسي وهذا تم في النموذجين. ففي عام ١٩٣٨ قمع فدواية الشيوخ (الحراس الشخصيين ل الصباح) الحركة واقتادوا كبار المعارضين وأعضاء المجلس للسجن بل وتم اعدام أحد الناشطين المؤيدين، محمد المنيس، وقتل اخر، محمد القطامي. في المقابل لم تحدث أي حالات قتل لكن قمعت القوات الخاصة بشكل عنيف كل المظاهرات التي خرجت للمطالبة بالتغيير الجذري في اللعبة السياسية الكويتية، امارة دستورية، حكومة منتخبة وأخيرا رئيس مجلس وزراء من الشعب. هذا القمع أدى إلى خوف الكثيرين من المؤيدين الذين خرجوا رغبة في الاصلاح لكن دون استعداد للتضحية مقابل هذا التغيير وهذا مالم يدركه قادة الحراك في ٢٠١٣ على الرغم من الفارق الزمني والثقافي والمعرفي بين الحركتين.




التاريخ يعيد نفسه: التأديب السياسي بين سحب الهوية والسجن والنفي

بعد انتعاش وسيطرة سياسية لمدة محدوده وقصيره يكون فيها النفس الاصلاحي والتغييري كبير في المرحلتين ١٩٣٨ و٢٠١٣ تمارس السلطة ممثلة في الأسرة الحاكمة نوعين من السياسات. النوع الأول يوكل للصقور داخل الأسرة في قمع هذه الحركات قمعا شديدا كما أشرنا وتبعات هذا القمع تتمثل في السجن والنفي وحديثا سحب الهوية (الجنسية). في عام ١٩٣٩ وبعد أن حل الشيخ أحمد الجابر مجلس ١٩٣٩ تم سجن ٥ من أعضاء المجلس كما تشير مذكرات العدساني والوثائق البريطانية خصوصا ملف (IOR/R/15/5/206) هؤلاء الأعضاء كانوا أصحاب نفوذ تجاري كبير ومن عوائل لها ثقل في الكويت وهم: عبد اللطيف ثنيان الغانم، سيد علي سيد سليمان الرفاعي، صالح العثمان الراشد، سليمان العدساني، مشعان الخضير وسجن معهم يوسف المرزوق. استمر سجن هؤلاء أكثر من ٤ سنوات حيث أطلق سراحهم في عام ١٩٤٤. تزامن مع هذا الحدث هروب كثيرين للمنفى على رأسهم خالد العدساني وعبد الله الحمد الصقر وراشد العبدالغفور ومحمد البراك وغيرهم. خلال الأحداث كان السبيل الوحيد للمعارضين للنجاة من السجن هو البحث عن أحد الشيوخ وتوسيطه لدى الحاكم خصوصا وإن كان المعارض ليس صاحب ذنب كبير من وجهة نظر الحاكم. مثال ذلك خالد عبد اللطيف الحمد، عضو المجلس التشريعي، الذي وسط الشيخ عبد الله السالم وأحمد زيد السرحان، الذي وسط الشيخ علي الخليفة كما ذكرا في لقائهما مع يوسف الشهاب صاحب كتاب رجال من تاريخ الكويت. ولم يكن الشيخ ليقبل الشفاعات كلها فعندما ارسلت رسائل ممهورة بتوقيع الشعب الكويتي ونساء المسجونين للمعتمد السياسي البريطاني لم تشفع تلك الرسائل لأحد.

بل طالب الحاكم مرات عديدة باسترجاع مجموعة من الذين هربوا من اعضاء المجلس مثل عبد الله الصقر لكن لم يتم الامر لعدم وجود اتفاقيات تبادل بين الكويت والعراق في تلك الفترة كما تذكر الوثائق البريطانية. الأمر الأهم هو عندما طلب السلطات البريطانية بعد صدور العفو الأميري عن المشاركين في الحركة وعودة الكثيرين منهم للكويت عودة محمد البراك وراشد العبدالغفور رفض حاكم الكويت ذلك حتى اجبروه البريطانيين على استقبالهم وتم سجنهم لفتره ثم إطلاق سراحهم.[1]


هذا ما تم في الكويت الإمارة أما بعد عام ٢٠١٣ فقد تكرر السيناريو ذاته مع اضافه ورقة ضغط جديده لم تكن موجودة في عام ١٩٣٨ وهو ورقة سحب الهوية والجنسية. فقد سجن مسلم البراك ومجموعة من شباب الحراك لأسباب سياسية بحته وتبع ذلك انتقام بصدور قانون يحرم على مسلم وبقية المسجونين من الترشح لأي انتخابات قادمة، الأمر الذي دفع نواب المجلس الحالي محاولة تعديل هذا القانون الذي سرى بالفعل على بعض المرشحين الذين قرروا المشاركة في انتخابات نوفمبر ٢٠١٦ مثل بدر الداهوم وسالم النملان وغيرهم. سجن مسلم البراك كزعيم للمعارضة بين حجم التشابه في ردة فعل المجتمع الكويتي فلم تحدث أحداث جوهرية بعد سجنه أنما كانت ردة فعل عاطفية ماتت مع مرور الوقت. الهروب والنفي السياسي طال مجموعة كبيره من مؤيدي الحراك الشعبي مثل محمد الوشيحي الوجه الإعلامي للحراك وطارق المطيري الذي كان يصنف على أنه أحد القادة الشباب وهو أحد مؤسسي حركة حدم وكلا الرجلين يقيمان حاليا في تركيا. رانيا السعد كذلك أعلنت في حسابها في تويتر أنها هربت لبريطانيا وكانت تنتقد الأوضاع في الكويت وقد اوقفت حسابها بعد صدور المكرمة الأميريه.  سعد العجمي تم نفيه بحجة حمله لجنسيتين الكويتية والسعودية وهذا يخالف القانون الكويتي اذ أن القانون الكويتي يمنع الجمع بين الجنسية الكويتية وجنسية أخرى وقد قدم اعتذار وشكرا رسميا بعد الاعلان عن العفو الأميري عنه. هؤلاء وغيرهم الذين خرجوا من الكويت بسبب الأوضاع السياسية وخوفا من الملاحقات القضائية.


 أما الورقة الجديدة وهي سحب الجناسي فقد استخدمت من قبل في الثمانينات ضد من اتهموا بتفجير موكب الأمير. وبطلب من نواب مجلس الأمة في مثل قضية ياسر الحبيب وسب السيدة عائشة وقد استجابت الحكومة لهم كما استخدمت مع سليمان بوغيث الرجل الثالث في تنظيم القاعده ولم يعترض النواب أيضا. هذين المثالين يوضحان كيف أن الحقوق المدنية في عقليات النواب بصفة خاصه والشعب بصفه عامة ضحله اذ أن الاخطاء التي يرتكبها أي انسان لا علاقة له بهويته ولا جنسيته إنما يحاسبه القانون على أفعاله حتى وان كانت عقوبة افعاله الاعدام في حالات مثل الخيانة العظمى. هذه التشابهات في السياسات الداخلية وأساليب المعارضة تقودنا لسؤال هل يكرر الساسة الكويتيون ذات الأفعال لكن بأساليب أكثر عصرية؟ ولا يحق لأي كويتي تسحب جنسيته بالذهاب للمحاكم من أجل استرداد حقوقه اذ ان قضايا الجنسية ليست من اختصاص المحاكم وإنما هي حق للأمير ووزير الداخلية. وقد حاول عبدالله البرغش النائب السابق اللجوء للقضاء لكن محكمة الاستئناف والتمييز قضتا بعدم اختصاصهما في قضايا سحب الجنسية.


بعد الذي استعرضناه في هذا المقال نجد تشابهات كبيره تصل لحد التطابق في بنيه صنع القرار السياسي في الكويت في الفترتين ما قبل وبعد الاستقلال اذ أن الإطار الخارجي للدولة تغير بالانتقال من مرحلة الإمارة إلى مرحلة الدولة المؤسساتية بشكلها السطحي لكن مكامن صنع القرار لا تزال متشابهه ولا يكاد يمر حدث جوهري وكبير في الكويت إلا وجد له المؤرخون في الغالب حدثا يطابقه في تاريخ الكويت الحديث. الخلل لا يمكن فقط في طريقة صنع القرار السياسي وسلطة الدولة بل حتى في المعارضة التي لا تخرج عن الأطر التاريخية التي اعتادت عليها وأنا أميل إلى أن المعارضة القديمة كانت الأيدولوجيا أوضح مقارنة بالمعارضة الحديثة وقد يكون هذا الأمر بسبب وجود تيارات فكرية بدأت تظهر في العالم العربي مع صعود القومية العربية والتيارات الثورية اليسارية وظهر ذلك جليا في في صعود القوميين العرب في الكويت فترة الخمسينات وعلى رأس هؤلاء أحمد الخطيب. أما اليوم فأصبح كثير من رموز العمل السياسي الإصلاحي أو المعارض لا يمثل فكرا أو ايدولوجيا واضحة بقدر ما يتعامل مع الأحداث وفق مصالح قبليه حزبية طائفية ضيقه ويكفي القارئ الاطلاع على حسابات هؤلاء الرموز في وسائل التواصل الاجتماعي ليدرك مدى سطحيه الكثيرين منهم. للخروج من أزمة التكرار التاريخي نحتاج لجيل سياسي واعي لا يسعى للتغيير الراديكالي السريع إنما يؤسس لمشروع تكمله الأجيال القادمة ولعل من حسنات حركة ١٩٣٨ أنها أصلت لقواعد المشاركة في الحكم لكن أكبر عيوبها أن قادة الحركة استعجلوا قطاف الثمر.



[1] لمزيد من التفاصيل انظر سنوات ١٩٤٥ و١٩٤٦ في الملف رقم IOR/R/15/5/206

الأربعاء، 22 مارس، 2017

كيف نقرأ تاريخ الكويت؟

كيف نقرأ تاريخ الكويت؟ 
عندما طلب مني مركز مؤرخ كتابة مقال لقراء موقعهم الجديد عن كيفية قراءة تاريخ الكويت وما هي مصادره احترت كيف أكتب المقال هل أكتب عن منهجية تحليل الوثائق أم اتحدث من أين يجب أن نستقي تاريخ الكويت وما هي موارده؟ وبما أنهم طلبوا ألف كلمة كحد أقصى آثرت الكتابة باختصار عن أين نجد تاريخ الكويت. الكويت كغيرها من دول الخليج تعاني من ندره المصادر المحلية المتاحه للباحثين، المشكله أعمق عندنا في الكويت من خلال تجربتي كطالب دكتوراه يبحث في التاريخ السياسي والمؤسساتي للكويت حيث أنني وجدت أن الوثائق موجودة لكن تحتاج لكثير من الجهد والوقت و "الواسطة" في بعض الأحيان للحصول عليها. لكن هذا لا يعني أن الأمر مستحيل إنما يعني أن يفعل الباحث ما وسعه للحصول على المعلومات. في هذا المقال سأقسم أماكن وجود المصادر التاريخية إلى أربعة أقسام: (١) الوثائق البريطانية، (٢) الوثائق المحلية، (٣) الكتب والمقالات وأرشيف الصحف والمجلات، (٤) المقابلات.  
الوثائق البريطانية قسمين قسم منشور وقسم غير منشور، واليوم صار الكثير من القسم غير المنشور متوفر الكترونيا بسبب جهود دولة قطر بالتعاون مع المكتبة البريطانية، هذه الجهود أراحت الكثير من الباحثين من عناء السفر للندن وكذلك حجز الملف وانتظاره ثم نقل / طباعة ما يحتاجه من معلومات. أتمنى ألا تتوقف جهود دولة قطر في نشر الأرشيف بالكامل وتوفيره الكترونيا مع الأخذ بعين الاعتبار أن البحث في موقعهم فيه صعوبه نوعا ما اذ أن عليك البحث ورقة تلو ورقة في الكتب المتوفره ووثيقة تلو وثيقة في الملفات الارشيفية وهو متعبه لكنها تعلم الباحث على الجلد والصبر. نعود للأرشيف المنشور وأضع هنا نماذج ولا أحصر جميع ما نشر من الارشيف البريطاني:  
1- Political diaries of the Persian Gulf, 1904-1958. وتقع في عشرين مجلدا 2- Records of Kuwait, 1899-1961. Ed by Alan Rush. وتقع في تسع مجلدات 3- Records of Kuwait, 1961-1965: 1961. Ed by Anita Burdett. في مجلدين اكملا زمن عبدالله السالم 
وهناك الكثير غيرها بلا شك أهمية هذه الوثائق المنشوره أنها تقسم في بعض الأحيان على الموضوعات سياسية اقتصادية اجتماعية وغيرها. وهذا مما يوفر على الباحث بعض الجهد اذ يحاول بعد الاطلاع على هذه الوثائق المنشوره العوده للملفات الأصليه والبحث فيها بشكل أعمق ولا يعتمد اعتمادا كليا على ما هو منشور فقط. كذلك من فوائد هذه الوثائق المنشوره خصوصا التقارير التي ترسل لحكومة الهند والحكومة البريطانية فيما بعد هو ملاحظة النفس الاستخباراتي فيها وهذا لا يعني أن فقط كتبت في طريقة استخباراتيه كما يروج البعض لكنها بين هذا وذاك والمطلع على الوثائق يلاحظ بعض الفروقات التي تظهر باختلاف المرسل والمستقبل لهذه الوثائق. 
القسم الثاني من مصادر تاريخ الخليج والكويت تحديدا هي الوثائق المحلية والتي يجدها الباحث عند أربع جهات رئيسية، هذا التصنيف بناء على تجربتي الخاصة. الجهة الأولى هي الجهات الحكومية الرسمية مثل بلدية الكويت ووزاره الأوقاف وأرشيف الديوان الأميري ومركز البحوث والدراسات الكويتية ووزاره المالية وجامعة الكويت والمكتبة الوطنية وغيرها من الوزارات والمؤسسات الحكومية الرسمية والتي تتميز بالبيروقراطية الكبيره والدوره المستنديه التي لا تنتهي إلا بوجود واسطة. وهناك استثناء لدى مركز البحوث والدراسات الكويتية حيث أن الدكتور عبدالله الغنيم والاستاذ عبدالعزيز الخطيب لهم جهود مشكوره جدا في تذليل الصعاب للباحثين ومكتبة المركز متعاونه جدا في توفير المصادر التي تكون نادره في الكثير من الأحيان. الجهة الثانية من الجهات التي يجد الباحث عندهم الوثائق المحلية هم جامعوا الوثائق والتحف والكتب النوادر والتي زادت أعدادهم في الآونة الأخيره وظهر حساباتهم على الانستغرام بشكل ملحوظ في بيع الكتب النادره وبعض الوثائق. مما يعاب على الكثير منهم هو المبالغة الشديدة في الأسعار وعدم المام بعضهم بقيمة ما لديهم خصوصا فيما يتعلق بالكتب فالربح المادي عند الكثير منهم هو المهم والقضية تجارية بحته بالنسبة لبعضهم.
الجهة الثالثة من الجهات التي تتوفر لديهم الوثائق المحلية هي الأسر الكويتية وقد ساهم مركز البحوث والدراسات الكويتية في جمع وحفظ بعض تلك الأرشيفات ونشر بعضها كوثائق اسرة العبدالجليل والنصف وغيرها. كما أن بعض الباحثين ينشرون وثائقهم في كتب وعبر مواقع التواصل الاجتماعي وقد تواصلت مع بعضهم ووجدت تجاوبا وتعاونا من الكثيرين منهم خصوصا إن كنت ترغب في الكتابة عن دور فرد ينتمي لتلك العوائل. الجهة الأخيره ممن تجد عندها الوثائق المحلية هي الجمعيات الأهلية مثل رابطة الأدباء وجمعية الخريجين وجمعية الاجتماعيين والمعلمين وتجمعات العمال واتحاد الطلبة وغيرهم من الروابط والجمعيات التي يكون بعضهم امتداد لجمعيات كان لها حضورها في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وقد تواجه عزيزي الباحث بعض الصعوبات البيروقراطية لدى بعضهم لكن هذا نمط مؤسساتي موجود في الكويت والخليج بكثره فلا ينال منك اليأس لأنك في النهاية ستحصل على ما تريد وجهدك هذا من زكاة العلم.
القسم الثالث من مصادر تاريخ الكويت والذي نجده في الصحف والمجلات والكتب الأكاديمية منها وغير الأكاديمية وأماكن وجودها في المكتبات العامة والمركزية كما أن بعض المجلات القديمة اعيد طباعتها مثل مجلة الايمان وكاظمة والبعثة ومجلة الكويت وغيرها من المجلات التي صارت نسخها من النوادر. أما الارشيف الصحفي فبالإمكان زيارة الصحف اليومية أو بعض المراكز المتخصصه التي لا تزال تحتفظ بأرشيف مطبوع من تلك الصحف. القسم الأخير هو المقابلات المرئية والمسموعة والمكتوبة ولعل أشهرها برنامج صفحات من تاريخ الكويت والتي نشرت العديد من حلقاته اليوم على موقع اليوتيوب وكذلك بعض الكتب التي كانت عبارة عن مقابلات اجراها الكتاب مع بعض رجال الرعيل الاول مثل كتاب يوسف الشهاب رجال من تاريخ الكويت بأجزائه الثلاثة وكتب عبدالفتاح المليجي وغيرها من الكتب التي كان اسهامها بتوثيق المقابلات مع من انتقلوا إلى رحمة الله اليوم.
على الباحث عند حصوله على مصادر المعلومات أن يحللها مستخدما منهجية واضحة ويطبقها على اساس نظري إن احتاج لذلك ولا يكتفي بالسرد التاريخي الذي يستطيع كل أحد فعله. النقطة الهامة التي أود ايضاحها أن الباحث التاريخي كالقاضي الذي يحاكم النص والوثيقة بناء على ما لديه من قرائن ودلائل ثم يصدر حكمه ولم أعهد على قاض أنه تغافل عن دليل لحرج اجتماعي أو غيره من الاسباب اذ أننا في التاريخ نحاكم النص ونحاكيه وكلنا بشر والبشر جميعهم ذوو خطأ. كما أن فهم السياق التي كتبت به التقارير أو الوثائق أمر ذا ضرورة كبيره فعلى سبيل المثال عندما نجد وثيقة بريطانية تتحدث عن حدث في تاريخ المنطقة يجب على الباحث أن يكون واعيا بأن هذه التقارير كتبت بطريقة استخباراتيه أكثر من كونها نقلت الأحداث لكن رغم ما شابها من نفس استخباراتي إلا أنها حفظت لنا ما حدث في ظل قله التوثيق في المنطقة. من هنا على الباحث أن يقارن بين النصوص والمقابلات ويحاول فهم السياق التاريخي كما حدث فليس كل وثيقة نقلت معلومه هي بالضروره صحيحة.  
القضية الأخرى هو أحادية الوثيقة فبعض الباحثين يعتمد على اثبات رأي له لم يجد سوى وثيقة تؤيده، هل يعني هنا أن هذه الوثيقة ليست دليلا؟ بالطبع لا فهي دليل يعتد به إن لم توجد أدله أخرى تنكرها فإذا تواترت القرائن من مصادر مختلفه، شفهية مكتوبه ومسموعه، صارت قيمة هذه الوثيقة ضعيفة.  
كنت أتمنى الاسهاب في قضية كيف نحلل النصوص التاريخية لكن قد يكون هذا الموضوع سببا في مقال قادم انشره مع مركز مؤرخ الذي اتمنى لهم التوفيق والاستمرار في خدمة التاريخ والتطور في طريقة عرضهم للتاريخ. وقد نشرت في وقت سابق نقد لمصادر تاريخ الكويت أو كتبه الخمسه لمن اراد الاطلاع عليه يجده هنا: 
https://www.academia.edu/13043117/نقد_مضمون_مصادر_تاريخ_الكويت_ومنهجيتها


المصدر : http://www.muarrikhcentre.com/arabic/pages/topics/mdin629-ashbili629.php#.WNLVqBicaRt

الأحد، 12 مارس، 2017

Aha moment

في اللغة الانجليزية هناك مصطلح ال Aha moment وحسب تفسير المعاجم هي اللحظة التي تغطى فيها البصيرة على البصر! هي تلك اللحظة التي نرى ما كان أمامنا من سنوات وهي ذات اللحظة التي ندرك فيها كم ضيعنا من الوقت حتى وصلنا لهذا الفهم! هذه اللحظة كلنا عشناها بصورة أو بأخرى حتى الأطفال والمراهقين عاشوها والمحظوظ من تأتيه هذه اللحظة وهو قادر على تدارك ما فاته.

لعل أصدق وصف لهذه اللحظة هو " أن ترى نفسك في المرآه لأول مره" ونفسك هنا هي أخطاؤك التي كنت تصر عليها والمرآه بلا شك قسوه الموقف الذي جعلك تدرك كم كنت غائبا عن الوعي تاركا للنصيحة معرضا عن الفهم. كلنا ذاك الانسان الذي يتعلم من دنياه لكن لسنا جميعا ذاك الانسان الذي يبحث عن التطور والحقيقة التي تجعله يعيش هذه الحياة بصوره أفضل. لعل الكثير من المصلحين الاجتماعيين ورجال الدين ، الدعاة على المنابر خصوصا، يذكروننا بمرارة ألم التفطن للخطأ الذي نرتكبه بعد فوات الأوان لكن قليل منهم للأسف يجعلنا نفهم لماذا نحن لا نصحو من هذه الغفله سواء كانت دينية ، علمية ، دنيوية ، إجتماعية أو غيرها من الغفلات! لست في مجال تحليل هذا الأمر ولست قادرا على طرح حلول كل الهدف خلف هذا المقال أن أعلق الجرس على أعناق أفكاركم فلعل بعضكم يتفطن لصوت رنين الغفله ويصحوا.

من تجربة شخصية وتجارب معارف وأصدقاء ، وأنا هنا لا أعمم لأني كما قلت لست متخصصا، أن عدم السماع بعقل هو أحد الأسباب الرئيسية لعدم وصولنا ل  Aha moment بشكل سريع في حياتنا. ماذا أقصد بعبارة السماع بعقل؟ أقصد بلا شك قبول النصيحة والنقد من كل أحد وتحت أي ظرف ومقال. وحتى لا تتسرع عزيزي القارئ أنا لا اقول قبول أي نقد إنما النصيحة النقدية وقبولها لا يعني العمل بها لكن يعني غربلتها في عقلك والتفكير بها واعطائها القدر الكافي من التأمل فلعل فيها ما ينقلك من مكانك لجنتك في الدنيا!

ولعل من أسباب عدم سماعنا للصوت النقدي في حياتنا في مجتمعاتنا الخليجية ، ولا أعمم، هو كمية المديح الذي نسمعه في حياتنا وكثير منه ليس في محله. مجتمعنا بلا شك متعطش للانجازات في ظل النمط الاستهلاكي الذي نعيش فيه منذ عقود لكن مدح كل شيء سلبي فبعضنا يعتبر نجاحه في المرحلة الجامعية أكبر انجاز يحققه والمجتمع يمدح هذا الانجاز حتى يشعر الشاب المتخرج بمعدل طبيعي ومن جامعة متوسطة أن حاز الدنيا كلها. من هذا المثال انطلق لقياس أمور أخرى في حياتنا مثل مشاريع تجارية ، بحثية ، سياسية وغيرها فلقلة المنتجين الحقيقين في مجتمعاتنا يصبح أي عمل أو انجاز متميز. هذه الانجازات خطوه صحيحة في مجال التطور إذا اعتبرناها خطوة أولى لا أخيره ومن خطاها يدرك تماما أنه قد لا يقطع مسافة الألف ميل لكنه يمهد لمن يأتي بعده ليتم السباق.

إشكالية أخرى مترادفة مع ما سبق وهي "البيئة" فالكثير من الآباء والأمهات يمتلكون أحلام كبيرة لأبنائهم لكنهم لا يبذلون الجهد الذي يوازي قدر هذه الأحلام وإنما يكتفون بالتمني والاعتماد على ما هو متاح أمامهم فقط. على سبيل المثال ، عندما يكون لدى الزوجين وفرة ماليه يستثمرانها في وسائل تجارية بحته دون صرفها على الأبناء فيما ينفعهم. بمعنى لو كان عندي فائض مالي بإمكاني استثمارهم في البورصة أو استثماره على تعليم الأبناء هناك الكثير ممن يذهب للاسثمار البورصوي أو العقاري ولا يدفع هذه الأموال لاستثمار عقول ابنائه رغم اقراره بسوء التعليم الحكومي مثلا في الكويت.

مثال آخر في أننا لا نهيئ البيئة المناسبة للوصول إلى لحظات الاستفاقة في وقت مبكر في حياتنا هو الروتين الذي اعتدنا عليه في كل شيء حتى في الفرح! ولعل السفر أوضح مثال على ذلك. عندما نسافر نحن نفعل في الغالب ذات الأفعال التي نمارسها في بلداننا. أذكر عندما زارني صديق وكنت حينها أتعلم اللغة الانجليزية في كامبردج وأخذته في جولة في المدينه ورافقنا شخص اسباني متخصص في الآثار الاوربية وفذهبنا في جولة في مدينة كامبردج المليئة بالآثار والمباني القديمة والأزقة الضيقة وكان صديقي الأسباني يشرح بصدق بانجليزية ضعيفة يصاحبها فهم قاصر منا بسبب حواجز اللغة وعدم الالمام في الموضوع. هل تعلمون يا ساده ماذا قال لي الصديق؟ أنا سأذهب للجلوس في مقهى ريثما تنتهون أنتم من جولتكم الممله هذي! فأنا لم آتي إلى كامبردج لأشاهد ما شيده موتى! والله أنني حمدت الله أنه خاطبني بالعربية حتى لا يفهمه أحد. ثقافة السفر والجلوس في الاسواق والمقاهي وتكرار ما نفعله في بلداننا أخذ منا لذه الدهشة والاستمتاع بالجديد وحرمنا من رؤية زوايا أخرى للحياة ستوسع بلا شك علينا آفاق عقولنا لأننا سندرك أن الصناديق التي نعيش فيها ليست الدنيا إنما الدنيا أوسع وأرحب والانفتاح على الآخر بعقل وحكمة مجلبة للسعادة والتفكير والتأمل.

ال Aha moment تمر علينا كل يوم لكننا نغلق أعيننا كلما مرت إما لجهل أو عدم رغبة في الخروج من الصندوق وأذكر أنني قرأت مرة لفولتير "يجب أن تفكر أنت .. فكر لنفسك .. يجب أن تتشكك فى كل ما يقال لك .. إذا أخطأت فلأننى حاولت أن أعرف , إذا عرفت فإننى أخطىء , لأن الذى عرفته قليل جدا , والذى لا أعرفه كثير جدا ولأن عقلى صغير ووقتى قصير .. ولكن لا يهم ما الذى فهمت وكيف أخطأت المهم أننى حاولت وسوف أمضى فى المحاولة .. وخير لى أن يشنقونى لأننى حاولت فأخطأت من أن يتوجونى لأننى ماطلت وكذبت وانخدعت وخدعت .. !!" حاولوا حتى تصلوا للدهشة فالحياة قصيرة وإن كنت في صباك ، الدنيا ليست رأيا واحد الدنيا أوسع وأكبر من أفكارك أو أفكار من تثق بهم!

شوارد:

" أسوء ما يحدث لنا أن يغدو المشهد مألوفا"

ابراهيم نصرالله

السبت، 14 يناير، 2017

بين العزله والانعزال!

عند بداية رحلتي لدراسة الدكتوراه بدأت رحلة في العزله غير مخطط لها بسبب ابتعادي عن الكويت ومعيشي في بلد آخر. مع تقدم سنوات الدراسة في الخارج بدأ أشعر بأهمية العزله لمن لديه طموح علمي للمستقبل وبدأت الأسئلة تدور في عقلي حول مفاهيم متعدده كالعزله والوحده والانعزال والانطوائية. هذه المفاهيم سقطت وبقت العزله لوحدها متربعة على عرش عقلي الذي يقتنع بجدواها كل يوم. من الأمور التي واجهت صعوبة في التفريق بينها هو الفارق بين العزلة والانعزال!

عندما رجعت للمعجم وجدت أن معنى العزله والانعزال متقارب جدا إن لم يكن متطابق. فسألت من أثق بعربيتهم ممن أعرف فأكدوا لي أن ما اطلعت عليه في المعجم صحيح مع التشديد على أن الانعزال هو صيغة مبالغة. لكن ومع احترامي وتقديري للغة العربية ومعانيها واثباتي صحة ما في المعاجم من تفسيرات إلا أنني وجدت عقلي يأبى مثل هذا التشابهه! فالعزلة كما أفهمها هو معنى سامٍ يحتاجه كل صاحب مشروع كان عالما أم مهندسا أم فيلسوفا وربما متنسكا! فعزلته اختياريه هو من اختارها ووضع أطرها بناء على مفاهيم عنده سواء كانت هذه المعايير شرعية ، فكرية ، اجتماعية ، ثقافية وغيرها. أما الانعزال فهو في فهمي مرادف للانطواء إلا أن الانعزال لا يتعبر مرضا نفسيا والانطواء يحتاج من يقع به مراجعه أهل التخصص من أطباء علم النفس! فالانعزال هو اختيار الانسان الراشد للبعد عن الناس ابتعادا كليا وعدم الاحتكاك بهم أو مخالطتهم لأسباب عديدة قد يكون منها ما لقيه منهم أو كرهه لغبائهم أو شعوره للفروقات التي بينه وبينهم في مستوى معين كان هذا المستوى علميا أم سياسيا أم ثقافيا وربما ماليا! وغالبا ما يجنح الانسان للانعزال في المجتمعات الاستهلاكية أو التي أحب أن اسميها المجتمعات التافهه!

هذا الانعزال ليس ضروريا أن يحمل مشروعا فهو قد يكون من أجل الراحه النفسية وربما التزود بطاقات من الصبر والفهم ولعل أوضح مثال على من يطلب الانعزال لا العزله هو السفر. فالكثير ممن يسافرون يعودون بطاقات متجددة يتحدثون عن كيف أنهم خرجوا من روتين الحياة في مجتمعاتهم وغالبا ما يذكرون سلبيات المجتمعات التي يعيشون فيها مقارنة بالمناطق التي زاروها. على هذا القياس هناك من ينعزل في وسط بلده من خلال تحاشيه للقاء من يعرف معرفة وثيقة والهروب لمناطق أخرى لا يعرفه فيها أحد ويكون قادرا على ادارة حياته كما يريد دون قيود اجتماعية او ثقافية او اقتصادية. ومن أنواع الانعزال أيضا هروب الكثيرين من واقعهم إلى المناطق الريفية أو البرية والبحرية هروبا من روتين أو أفراد معينين متى ما ذهب الروتين ومات هؤلاء الاشخاص أو اختفوا حلت عقده الانعزاليين!

العزلة أمر آخر لخصه لنا الامام ابن الجوزي بقوله "ولكن لا يصح هذا إلا للعالم؛ فإنه إذا اعتزل الجاهلُ فاته العلمُ فتخبَّط" اذا اشترط الامام بان الجوزي أن تكون العزلة لمشروع ما هو حدده بالعلم. فالعزلة اذن مطلوبة لمن أراد أن يكون عالما لأن الاختلاط في الناس مضيعة للوقت في أحيان ومجلبة للهم في بعض الاحيان أخرى. والعزلة من وجهه نظري تحمي الانسان من سفاسف الرأي في مجتمعاتنا المعاصره فاليوم أصبح الحديث في كل شي سمة الناس في الغالب ولا تعني العزلة أبدا الانعزال عن الناس في حقوقهم وواجباتهم وغيرها. منذ مدة اقرأ في العزلة ووجدت العظيم من الفوائد في كتاب العزلة لأبي سليمان الخطابي ولعل أجمل من وجهه نظري تفسيره للعزله "ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي تختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم؛ فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دونها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها؛ فإن من جرى في صحبة الناس، والاستكثار من معرفتهم، على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه - كان جديراً ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته؛ فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن ماد وخاطر "

اذا العزلة ليست سلبية كما يصورها البعض ويستشهد بأحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام في فضل مخالطة الناس والصبر على أذاهم لكن العزلة هو أن لا تجعل لأحد عليك سبيل يتحكم من خلاله بحياتك. والناظر اليوم للمجتمعات العربية والخليجية تحديدا يجد أن هناك سمة غالبة عليهم وهو محاربة وقت الفراغ في ما لا ينفع من خلال الخروج المستمر المتكرر للأسواق واللعب والتجمعات في الدواوين والاستراحات والعزب وغالب هذه التجمعات التي صارت ثقافة حتى للنشأ ليس فيها ما يطور لا العقل ولا القلب إلا ما رحم الله. الأعجب الذي لم استطع فهمه هو كيف لمن تذوق حلاوة العلم والتغرب والاطلاع على ثقافات أخرى أن يعود لبلده فينغمس في هذه السخافات التي يمارسها المجتمع في الغالب بسبب خلو عقول الكثير من افراده من الاهداف والطموحات والغايات العظيمه. هذه الشريحة من المجتمع أحملها مسؤولية سوء الاوضاع وترديها أكثر فهم ينغمسون في التيار دون أي مقاومة وتجد المبررات التي يضعونها غالبا ما يؤطرونها بنظريات تعلموها أو أفكار تجد الكثير يحاربها لكن هؤلاء يرحبون بها لأنها تشعرهم براحة أكبر وتخدر ضمائرهم.

وحتى لا يتهمني أحد بالتناقض فأنا هنا لا أطالب المتعلمين والمثقفين بالدخول والتأثير في المجتمع بشكل مباشر لكنني أطلب منهم على الاقل الانعزال عن سفاسف الأمور هذه وعدم الاندماج فيها فحينما يكون من يفترض فيه أن يكون من الطبقة المثقفة في المجتمع مندمجا في هذه الصغائر مضيعا وقته في زيارات اجتماعية تضر أكثر مما تنفع  ومقطعا وقت فراغه في أسواق وغيرها دون أن ينجز شيئا في السنه فهذا والله مما يخجل. كما قلت أن العزلة قرار يضع فيه الانسان قوانينه التي لا يعطي الاخرين حق التطفل وفي ذات الوقت لا يكون هو انعزاليا متشائما بعيدا عن الواقع وهذا الامر يحتاج الكثير من الصبر والعقل والجهد فالناس ستحاربك حتى تكسرك!

هذا المقال قد يكون باكورة لمقالات أخرى في المستقبل ان تعمقت في الفكرة أكثر خصوصا وأنني أبحث عن مفهوم العزلة عند المجتمعات غير المسلمة حتى أقارن بين الأفكار والتعريفات.

شوارد:

قال ابن الجوزي : من أرادَ اجتماع همّه وإصلاح قلبه فليحذرْ من مخالطة النّاس في هذا الزّمان .

السبت، 31 ديسمبر، 2016

سنوات عرقوب!

عرقوب اسم مميز في تراثنا العربي وصار سمة من يخالف المواعيد والوعود فالناس تطلق على من لا يلتزم بموعده عرقوب وحتى نفهم قصة عرقوب علينا أن نرويها وقد ذكر ابن حجة الحموي في شرحه لقصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" لأنه ذكر فيها عرقوب حين قال:


كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاً // وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلاَّ الْأَبَاطِيل


قال الحموي شارحا هذا البيت عرقوب رجلٌ من العماليق وكان من حديثه ،أنه وعد رجلا ثمرة نخله، فجاء الرجل حين أطلعت فقال دعها حتى تصير بلحا فلما جاء الرجل وقد صارت بلحا قال عرقوب دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت قال دعها حتى تصير تمراً فلما أتمرت عمد إليها من الليل فجذها ولم يعطها منه شيئا. فصار فعل عرقوب هذا مثلا عند العرب ومَضرِبَ المثل بالمطل وعدم الوفاء أمطلُ من عرقوب وأخلفُ من عرقوب ومواعيدُ عرقوب أخاه بيثرب. حينما ننظر حولنا نجد أكثر من عرقوب من أهلنا وأحبابنا وأن أعرف أحد هؤلاء العراقيب إن صح الجمع بهذا الشكل. صاحبي عرقوب متميز في حياته وصاحب فكر وقلم وعلم لكن ابتلاه الله بالداء العرقوبي إذ ما أكثر ما يعد وما أقل ما يوفي بوعده في الوقت الذي حدده لكن والحق يقال أنه يوفي بالوعد بعد مده ربما تتجاوز الشهر وربما أكثر. كلما حاورت عرقوب هذا الزمان الذي أعرفه عن سبب تأخره في الإيفاء بالوعد وجدت أعذاره كالآتي: "لم أجد وقتا" أو ربما قال " كان عندي شغل كثير" وفي أحيان أخرى " كنت نائما" وغيرها من الأعذار. قلت في نفسي ذات مره ويح قلبي هل النوم عذر! ألم يسمع ما قالته أجاثا كريستي صاحبه الروايات المشهوره "الكسل ذنب لا يُغتفر" أو أنه لم يسمع قول ابن القيم في ذم النوم والسهر حين قال فيما ما معناه أن النوم الكثير والسهر مفسدة للمرء أي مفسده!

فكرت في الداء العرقوبي الذي أصاب مجتمعاتنا اليوم فصاحبي هذا جزء من مجتمعه! وقلت ما الذي يجعل الكثيرين ممن أعرف وممن لا أعرف يرسمون خططهم وأهدافهم للسنه القادمة ثم لا يحققون منها شيئا وحينما يقدم علينا يوم ٣١-١٢ من كل عام نجدهم يتحسرون ويحلفون بالله أن هذا العام هو آخر أعوام عرقوب في حياتهم لكن أنا على ثقة أنهم سيكونون رفقاء عرقوب في الشهر الثالث من العام الجديد إلا اذا تبعوا الوصفة التالية!!

حتى نصف العلاج علينا التعريف بالداء العرقوبي الذي انتشر في بلداننا فهو طاعون هذا الزمان الذي اخذ الأرواح من أجساد الطامحين وأحالها إلى أجساد بلا أرواح وربما أجساد بأرواح منهزمة لا تريد الخروج من مناطق أمنها، فاليوم كل شيء صار مرتبطا بالأمن والدعة والراحة حتى أفكارنا!! نعود لتشخيص الداء العرقوبي ونسأل السؤال الشهير في موقع قوقل حينما نريد التعرف على مرض ما خمسة أعراض تدل على أن حياتك معرقبه!. 

أول هذه الأعراض هو أنك لا تؤمن بما تريد فعله، فتخطيطك عاطفي نابع عن محاضره سمعتها أو كتاب قرأته وربما صديق منظم أثر بك! والأسوء من هذا كله تأثرك بتويتر ومشاركتك في الهاش تاق عن السنة الجديدة دفعك لكتابه أهداف لها لن تحقق منها إلا ما سيتحقق بالصدفه فقط! هذه العلة إن كانت فيك فعليك يا رعاك الله أن تجلس مع نفسك وتناقشها في أهمية ما أنت مقدم عليه في سنتك القادمة وتبين لها كيف أن هذه الأهداف ستعود بالنفع عليك وبعدها عليك أن تتخلص من العرض الثاني من أعراض الداء العرقوبي. بعد جلستك مع نفسك وتبيان أهمية أهدافك لها عليك أن تنتقل لواقعك فتحدد أهدافا ممكنه التحقق، فلا يمكن لك أن تكون عالما في فن خلال سنة أو أن تقرأ ١٠٠ كتاب وأنت كنت لا تقرأ كتابا واحدا من قبل أو أن تكون مليونيرا ومشروعك مبني على الاقتراض! الأهداف الواقعية تبعد العرقبه عنك لكنها تبعث في النفس حماسا كلما تحقق جزء من النجاح خلال ال٣٦٥ يوما المقبله عليك.

ثالث الأسباب هو البيئة المحيطة بك من أصدقاء وزملاء وأهل، هذه البيئة إن كانوا من قبيلة العراقبه فعليك تخفيف العلاقة بهم قدر المستطاع مع حفظ حقوقهم الدينية والاجتماعية في الوصل. واجعل من أهدافك أن تكتسب بيئة جديده تجد فيها من يشاركك همومك الفكرية وطموحاتك العلمية ولعلي اضرب لكم مثلا فقد ذكر لي أحدهم أنه كان ينفر من مصادقة أهل التاريخ من غير المتخصصين الأكاديميين فلما فكر وقلب الفكره جيدا خرج من منطقة الأمان فصادق بعض الرجال ممن يحبون التاريخ لكنهم لا يحملون شهادات كبيرة ولا صغيره فيه، يقول أنه استفاد في فهم الواقع التاريخي استفادة كبرى لا توفرها له الكتب ولا الوثائق ولا المصادر بل وفرها له اصدقاؤه الجدد الذين صاروا من أعز من هم حوله اليوم.

رابع الأعراض لتشخيص داء العرقبه هو عدم الصبر والتضحية في سبيل الوصول للأهداف، فثقافتنا الاستهلاكية أجبرتنا على التفكير أن كل شيء قابل للشراء! وهذا قد يكون صحيح في الكثير من الأمور سوى التطور الفكري والمعرفي والصحي وغيره لأن هذه التطورات تعتمد اعتمادا كليا على الجهد والخبره والوقوع في الخطأ والاستمرار على الصواب وهذا لا يوفره لك المال فكلنا نعرف أن فلان لم يكتب كتابه بل كتبه رجل غير مصاب بالداء العرقوبي وكلنا نعرف أن علان لا يدير شركته بل يدفع لمكافح أموالا طائله لكي يستمر في الربح وبعضنا يعرف أن القصيدة ذائعة الصيت لم يكتبها من نسبت إليه أنما كتبتها ذاك الشاعر الفحل الذي أجبرته أفكاره الخطأ على بيع بنات أفكاره وغيرها من الأمثله الشيء الكبير. من نواميس هذا الكون أن الصبر مفتاح الفرج والفرج ليس بالضروره أن يكون مالا أو فرح أو سعادة فقد يكون الفرج فهم أعمق للحياة وقد يكون ابتعادا عن النكد وقد يكون أيضا الراحة النفسية والعقليه! هذا يقودني لخامس الأعراض العرقوبية وهو أنك كباحث عن التخلص من العرقبة تظن أن الحل فيما تفهمه فقط فترفض كل جديد وترفض بعض ما يطورك بحجج واهية ، دينية اجتماعية ثقافية عقلانية، دون أن تفهم كامل الفهم لماذا ترفض! فليس ما تفهمه هو الحقيقة وان بلغت ما بغلت من العلم فكيف بك وأنت لم تصل لدرجة طالب العلم بالله كيف تثق بفهمك؟ وطالب العلم هنا ليس المقصود به طالب العلم الشرعي! بل كل طالب علم ومعرفة مهما كان تصنيفها وعلى أي شكل كانت!

يا معاشر العراقيب أنتم بحاجة للفهم أولا وللثورة على أنفسكم ثانية تسقطون بهذه الثورة عرش الكسل الذي سيطر عليكم ردحا من الزمن وتزيلون دولته العميقة في أذهانكم وبعدها تكونون سادة عقولكم فتطورونها فالعقول كالدول تحتاج وقتا لتظهر معالم التطور والتغيير عليها! كل عام وأنتم بخير وأتمنى لكم سنة خالية من عرقوب ولصديقي العرقوبي سامحتك هذه السنة لكن في السنة القادمة قد لا أجد لك مكانا في دفتر التسامح عندي!

شوارد:

"الأبطال لا يُصنعون في صالات التدريب، الأبطال يُصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي: الإرادة والحُلم والرؤية"

تنسب لمحمد علي كلاي

الجمعة، 11 نوفمبر، 2016

صــــبــــا

{هذه القصة كتبتها قبل ما يزيد على ١٠ سنوات}


صباح مشرق جميل تحس صبا بجمال نسماته تداعب أنفها المرسوم على وجهها رسماً، أنفها الذي طالما حسدها أقرانها عليه هم يرون جميل صنع الله في أنفها ويتمنون لو أن الله تعالى رزقهم جمال الوجه وأنفا كأنف صبا.

"اليوم سيفصل في قرار انتدابي كم رغبت في مغادرة المدينة إلى القرية كم أحب الهدوء الجميل الذي يسود تلك الأماكن" صبا تُتَمتم مع نفسها ، هل الهدوء قاتل أم الهدوء دواء العاقل وأُنس الكاتبِ وسلوى الهائم ، لماذا لا يعجب الآخرين هذا الانتقال من القمة التي يرونها إلى ما يعتقدون أنه القاع ، هل القمم متشابهه وهل يمكن أن يكون القاع عند أحدنا قمة وعند الآخر قاعاً؟! تساؤلات كثيرة تدور في فلك عقلها.

"سأدعو الله تعالى أن يرزقني ما أريد فالعاقل من اجتهد ودعا وبذل الأسباب وترك التوفيق على مسببها" ، تدور الأيام والأسابيع وصبا في مكانها لا تزال تأمل أن يكون التأخير خيراً وترى في كل سبب جانبا إيجابيا وتعتقد أن كل إشارة رسالةٌ طمأنينة بل تمادت في التفاؤل فصارت تحسب أن ما تسمع في المذياع ويوافق هواها أنها المقصودةُ فيه.

" يا الله ما أصعب هذه اللحظة سأدخل مبنى الوزارة وأنا أحس بأن النقل قريب والفرج صار عند بابي والله لن يُخيّب رجائي نعم أنا على ثقة أن الله قد كتب لي ما أريد" ، تطرق الباب وتدخل فإذا بالمدير لا يكترث لوجودها يرمقها بنظرةٍ خاطفة ويعود ليقلب الأوراق التي بيديه خاطبها قائلا " لن تذهبي أي مكان هيا إلى عملك" ، تخرج ودموع القهر تنساب على وجنتيها.

" أين أنتي يا هند لتخففي عني معاناتي ، غيّبك الموت عني فصرتُ ضائعة بدونك لا أنسى نظرتك الحانية لي في قمة مرضك عندما طلبتي مني أن أكتب لك على ورقةٍ ما أحس فيه ولذا سأخاطبك الآن يا أعز صديقاتي"


اي هند أعلم انك لن تسمعيني وموقنةٌ أن التراب قد حجب بصرك وغابت عنك صورتي ، ليتك تعلمين أنني اليوم بحاجةٍ للحديث لقد نُحر طموحي بسكين قوانينهم يا هند ، أو تعلمين أن لا أحد أكترث لأمري الكل واساني مجاملةً لم أشعر بنظرةٍ فيها دفء تخترق جليد قلبي.

هند قلبي الذي كان مروجا خضراء صار اليوم جليدا قاسيا هل علمتِ أنني غريبةٌ وسط أكوام من البشر سلواي هي وحدتي وتلفازي وخيالي ، أدمنت الشعور بالوحدة حتى صرت بالنسبة لهم كالمجنون يهرب من مناسباتهم ولا يقدر أفعالهم .

أهند مهلا فالقلب موجوعُ والنفس خائرة العزم مهمومة وصل الحال للمحال وانمحت الآمال وعاد الأمر حُلما بعد أن أقترب من الواقع ، إن أعلم أنك تحزنين مما تسمعين فكيف أصنع أنا وقد صرت ينبوع الحزن الدافق ونهر الألم المندفع وشلالات الفشل الساقطة من القمة.

اعذريني على سلبيتي فلم تتعودي عليها مني فالحال انقلب والعقل طار وذهب والنفس مكلومةٌ من العجب والعين ماعادت ترى سوى المقابر والتُرب ، زرعنا سبع سنين عجاف فكان حصادنا أعواد من اليبسّ لا تصلح إلى للحرق والتلف لكن لا يزال في النفس فسحةٌ ضيقة للأمل نقش عليها  (اللهم كما منعتني ما أريد لحكمة أنت تعلمها ، أعطني ما أريد بكرم أرجوه منك) .

وداعا يا سلوى خاطري وداعا يا ملاذي عند حزني وداعا يا كانت للدنيا دنيا وداعا يا من تسمعني فتريحني وتزيل عني همي وداعا يا هند

تثني صبا ورقتها وتضعها في حقيبة يدها الفاخرة وهي تبتسم لأنها تتخيل صورة هند أمامها مبتسمة .