الأربعاء، 22 أغسطس 2018

إنجليزي في بلاد العرب


ربما لاحظ الكثيرون ممن يعرفني عن قرب أول يتابعني في وسائل التواصل الإجتماعي كثرة حنيني لأيامٍ عشتها في اكستر   - بريطانيا خلال فترة دراستي للدكتوراة. وقد كتب في مدونتي أيضا مقالاً عنونته ب مأزق تعبيراً عن مشاعري والتصارع الفكري الذي يدور في عقلي حول مسألة العودة للكويت. وهذا الأمر بكل تأكيد لا يخصني وحدي بل في جلسات الصفاء مع بعض الأصدقاء الذين عاشوا فترة من حياتهم في الخارج والغربة تجد أن لهم ذات التفكير وذات الرغبة في العودة للبلد الذي عاشوا فيه ودرسوا. 

بالأمس كان عيد الأضحى أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات ، ومن عوائدنا في الكويت أن يجتمع الناس ويزور بعضهم بعضا وكنت في ديوان عائلتي استقبل من تفضل علينا بكرمه وزارنا محبة في لقيانا. طبعا هناك سؤالين دائما ما يسألني الناس عنهما: الأول هل وجدت جامعة تعمل فيها؟ وبعدها يكون الاسترسال في كيف أن من درس على حسابه في الغرب أو في الشرق مظلوم إلى آخر هذه الديباجة التي اسمعها بأصوات مختلفة بين الفينة والأخرى. هذا الأمر يقود من يحدثني في الغالب إلى السؤال الثاني "هل لازلت تشتاق للعودة إلى اكستر؟" وبالطبع يكون جوابي نعم لكن قبل أن ادخل في تفاصيل الجواب أجد محاوري قد أدار ظهره وبدأ يتحدث في موضوع مختلف مع شخص آخر!

قبل أن أدخل في موضوع هذه المقالة أرغب في الاستطراد قليلا في قضية الجواب المقتضب الذي يحب أن يسمعه غالب الناس الذين عرفتهم أو قابلتهم ولذا عزيزي القارئ بإمكانك تجاوز هذه الفقرة إن أحببت لأن علاقتها بالمقال ليست مباشرة ولكني إن لم أكتبها سيلومني عقلي بعد نشر المقال. فكرة الإستطراد تتمحو حول إجابة الآخر عندما تسأله،  كلمة نعم أو لا ليست فتوى دينية (يجوز أو لا يجوز) أو وصفة طبية (خذ هذا ولا تأخذ هذا) كلمة نعم / لا في الحوار تعني اجابة عامة فيها تفاصيل دقيقة وكثيرة يجب أن نخوض فيها مادمت -أنت كسائل- مهتم بما سألت. نضرب مثالاً يوضح المعنى، "هل تحب الشوكولاته" ، " نعم أحبها" هذا لا يعني أنني أحب الشوكولاته كل يوم وفي كل وقت وعلى مدى الزمان كله. محبتي للشوكولاته لا تعني أنني أحب أنواعها كلها الأبيض والأسود والمخلوط بالحليب والممزوج بالمكسرات والمباع في سويسرا! محبتي للشوكولاته تعني أنني من حيث المبدأ لا أمانع أكلها وأحب وجودها على المائدة أو في حياتي لكن هنا هي بيت القصيد ومربط الفرس ونقطة الإرتكاز ومحور الحديث. لأن لكن ستضيف تفاصيل كثيرة جدا يتشعب الموضوع خلالها وتكون النتيجة غير مرتبطة بفهمك النابع من تجربتك أو علمك أو حتى خيالك.

نعود لقضيتي كتب كتاباً عنونته ب أعرابي في بلاد الإنجليز فيه ناقشت بشكل بسيط جدا وجهة نظر انسان قدم للغرب من أجل دراسة اللغة الإنجليزية وشاهد متغيرات ثقافية أثرت فيه وشذبت أفكاره. اليوم أجد نفسي إنجليزيا في بلاد العرب أو بشكل أدق إكستراوي -نسبة لأكستر- فقد غيرت الغربة تفكيري بشكل كبير. لا أدعي هنا أنني تبرأت من بداوتي فلا أزال ذات الرجل الذي غادر أرضه قبل سنوات لكنني أقول بأن قصة على بن الجهم والخليفة العباسي تفسر حكايتي أكثر. منذ عودتي صرت لا أطيق ثلاثة أمور في مجتمعي الكويتي خصوصا والخليجي عموما: (١) تبرير الخطأ ، (٢) الكسل بشكل العام والكسل العلمي خصوصا، وأخيرا (٣) تفسير الحديث حسب فهم المتلقي.

النقطة الأخيرة هي التي سأتحدث عنها لأنها تؤرقني بصراحة في موضوع رغبتي وأملي في العيش خارج الكويت وأرغب في تفسيرها بشكل مكتوب لأن التاريخ علمني أن الأفكار تموت بموت صاحبها ما لم تكن مكتوبة. بداية دعوني اشرح للمهتم بأن الهجرة صعبة جدا بل ذكرها القرآن الكريم وجعل ألم الهجرة وفراق الوطن بعد ألم الموت فقد قال سبحانه في كتابه العزيز في سورة النساء " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "  أي أن الموت وفراق الأرض صعبٌ جدا على الإنسان وليس بالأمر الهين على النفس البشريه ولذا يا عزيزي الذي تسألني عن رغبتي في الهجرة لا تسأل إن لم يتسع وقت لإجابة طويلة! هل الوطن هي قطعه الأرض التي نعيش عليها فقط؟ أم هي النظام السياسي والثقافة والناس والذكريات والحياة والتاريخ إلى آخر هذه السلسلة الطويلة من الروابط التي تجعل الإنسان مرتبطا في وطنه أو راغبا في مغادرته قسرا. تقسو الأوطان على أبنائها بلا شك والأبناء مطالبون ببر أوطانهم بلا ريب لكن حتى في البر هناك تفاصيل وكما يقول الغرب "الشيطان يقبع بين التفاصيل دائما" ولذا علينا الوصول للتفاصيل حتى يهرب الشيطان ولا يجد لنفسه مكانا يسكنه!

تغير التفكير ونمط الحياة أمر صعب جدا لكن الأصعب منه هو العودة من نمط جديد صحيح إلى نمط قديم خطأ فمن وجد العدالة في القانون لا يستطيع أن يكسر القانون بحثا عن العدالة! أعلم أن الكثيرين يختلفون مع هذه الفكرة لكن أنا هنا اتحدث عن فهمي وتجربتي لا عن قاعدة فلسفية أو علمية ولذا فإن التعليق والنقد بلا شك سيثريان الموضوع فلا يتردد أحد في طرح وجهة نظره مخالفا أو مضيفا أو معارضا. نمط الحياة العلمي بالتحديد الذي فقدته في الكويت لم اجد له بديل رغم محاولاتي الكثيرة في خلق بيئة مشابهة مع الكثير من الأصدقاء والمثقفين الذين اعتقد أنهم يحملون الهم ذاته لكنني فشلت بصراحة وقد يكون القصور مني أو منهم أو من الظروف المحيطة. فكرت كثيرا في سبب فشل وجود بيئة علمية أو نمط حياة أكاديمي في دولة غنية كالكويت لكنني عجزت عن الإجابة على هذا التساؤل لأن الأسباب من وجهة نظري كثيرة ومتعدده ولعل أبرز ما وصلت له هو عدم وجود رغبة حقيقة لدى المثقفين لتطوير أنفسهم لأن المال الذي يحصلون عليه مقابل وظائفهم العلمية جعل البيئة العلمية فيها نوع من الجمود كما أن بعض الذين على رأس الهرم الثقافي (جامعة - مكتبات - مسارح -نشر علمي وغير علمي ) وغيرها الكثير من أبواب الثقافة همهم إما سياسي أو يحملون ايدولوجية معينه يرغبون في تطبيقها من خلال هذه المؤسسات الثقافية التي يملكونها. أنا لا أقول أبدا أن الغرب ليست لديه ذات المعضلة أن قد اناقش بأن في الغرب هذا الأمر وأمور أخرى يمكن للإنسان أن يتميز من خلالها. فدرجة الوعي والثقافة والحياة المؤسساتيه لدى الغرب جعلت من العلم والثقافة والحياة الأكاديمية لها قيمة على الرغم من تدخل المال والاقتصاد وتحكمه في بعض الأحيان في هذه الجهات.

التعليم وما أدراك ما التعليم في بريطانيا بجميع مستوياته أفضل بسنوات ضوئيه من التعليم هنا الخاص والعام! من تجربتي شاهدت هذا الأمر جليا على ابنائي فقبل ذهابنا لبريطانيا كان أولادي في مدارس خاصة في الكويت وخلال الأربعة سنوات التي قضيناها في بريطانيا كانوا في مدارس حكومية بريطانية والآن في مدارس خاصة مختلفه عن المدارس التي تعلموا فيها في السابق وأقسم بالله أن المدارس الحكومية البريطانية أفضل بكثير جدا من مدارسنا الخاصة والعامة فيما يتعلق بتعليم الطالب / الطفل طريقة التفكير. كما قلت في المقال مرارا أن لا أعمم أن اطرح تجربتي هنا ، ومن باب اثبات الأمر أجد فارقا بين أصغر ابنائي طلال واخويه من خلال طريقة التفكير والنظر للحياة فهو بدأ تعليمه في اكستر والآن يكمله في الكويت ولأنه صغير في العمر فالمجتمع وتأثيره بدأ يظهر كذلك على طلال. ومن خلال العمل والحديث كذلك مع بعض المدرسين في الكويت في القطاع العام والخاص وجدت أن جزء من المشكلة هو عدم وجود استراتيجية واضحه للتعليم بل حتى بعض الأصدقاء الذين يدرسون في الجامعات الحكومية وبعض الجامعات الخاص يشتكون من عدم رغبة بعض الطلبه في التعلم ورغبتهم في الحصول على ورقة الشهادة فقط لأن التعليم عندهم مرتبط بالشهادة لا طريقة التفكير ولا اقول أن هذا الأمر طارئ علينا في الكويت اليوم بل هو قديم بقدم الدولة الحديثة ولذلك بعض من هم على سدة المناصب اليوم الثقافية وغير الثقافية طريقة نظرته للأمور هي طريقة الطالب نفسها وفهم القارئ يكفيه هنا!

"هاجر إذا ما دام الأمر لا يعجبك هنا فأنت لا تحمد الله على النعمة"، هناك اشكاليتين في الجملة  السابقة الأولى هل مجرد الرغبة في الهجرة يجعلها ممكنه؟ وهل كون الخلل موجود ووضع الإصبع عليه مؤلم يكون الحل بالهجرة؟ بالنسبة لي شخصيا أفضل الهجرة على الإصلاح لأن طموحي في هذه الدنيا هو أن اكتب نظرية في التاريخ تكون جديدة أو على الأقل أحاول فعل هذا الأمر ولذا تعديل الخلل ليس من أولوياتي وللأسف وأنما ايجاد البيئة العلمية التي تناسبني أولى من أي شيء آخر لكن هذا لا يمنع الآخرين من المحاولة والإصلاح وسد الخلل. النقطة الثانية ما علاقة حمد الله على نعمته وفضله وكرمه علينا بقضية النقد والرغبة في الهجرة وهل نعمة الأمان كثرة المال مثلا تغنينا عن نعمة العلم؟ وهل شكرنا لنعمة المال والأمن يجعلنا جاحدين في حال انتقدنا كسر القانون وثقافة الواسطة وسطحية بعض المثقفين والمؤسسات الثقافية؟ بالنسبة لي الإجابة "لا" وبكل ثقة ودون تفاصيل! لكن اترك لك عزيزي القارئ حرية الإجابة.

شوارد:

قال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق. رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

إلى لقاءٍ يا فهد

    الموت هو ذلك الزائر الذي لا يقوى عليه أحد من البشر! ، يأتي للمستبد المتجبر فيسلب منه روحه دون مقاومة أو حرب! وهو ذاته الذي يز...