الأحد، 24 ديسمبر 2017

تاريخ الأوائل هل انحرف عن مساره؟

التاريخ بحر والدر كامن في أعماقه ، والباحث يحسب أن التاريخ جدول صغير في أول الأمر حتى إذا ما تعمق فيه شعر بأن الجدول صار نهرا وكلما زاد عمق فهمه للتاريخ أدرك أن التاريخ أكبر من المحيط ذاته! ولأن للتاريخ أقساما وحقبا ومواضيع ومناهج يصعب أن نجد مؤرخا جمع هذا كله لكن من الممكن أن نجد عالما في التاريخ له زهور في بساتين التاريخ الكثيره وفهما لا بأس به خارج الحقبة الزمنية التي ينتمي لها سواء كانت في حقب ما قبل الميلاد أو في التاريخ المعاصر اليوم. 

من أقسام وأصناف التاريخ وهو موضوع مقالي اليوم قسم يسمى "تاريخ الأوائل". هذا التاريخ يركز على أول من قام بفعل ما في زمن معين ولعل من أشهر الكتب في تاريخنا الإسلامي هو كتاب الأوائل للعسكري والطبراني وكذلك كتاب علاء الدين السيكتواري. وطريقة عرض هذه الكتب موضوعية بمعنى أول من وضع علم أصول للفقه أو أول من خط في القلم أو أول من بنى بيتا في المدينة الفلانية أو أول مهاجر في الإسلام وغيرها. وإذا ما انتقلنا إلى تاريخنا المحلى نجد أن عبدالله الحاتم كتب كتابه "من هنا بدأت الكويت" على النمط ذاته في بداية الكتاب مثل أول مؤتمر في الكويت أو أول مطبعه أو أول بعثة طلابية أو اضراب لرجال البحر أو أول مغن سجل أغانيه إلى آخر الأوائل الذين ذكرهم الحاتم في كتابه. هذا المقال لا يسعى أبدا للتقليل من جهد من كتب عن الأوائل لأن هذه الأحداث تساعد المؤرخ في التحليل والربط بين الأحداث. ومثل هذا النمط من الكتابه التاريخية بلا شك له قيمته العلمية لكن يسعى هذا المقال لفك التشابك بين ما يمارسه محبي التاريخ أو حتى الباحثين فيه وبين الأوائل الذين ذكرتهم الكتب.

من خلال متابعتي للحوارات التي تدور في وسائل التواصل الإجتماعي أو عبر المقالات في الصحف واللقاء التلفزيونية وجدت أن هناك خلطا بينا بين الأول وأهمية الأول بمعنى كون فلان فعل هذا الفعل وبين الربط بين فعل فلان أو فلانه وتحليله تحليلا تاريخيا يضيف نتيجة للحقبة الزمنية التي يتم النقاش حولها. من خلال متابعتي ، وهي متابعه قاصره بلا شك ولا أقصد التعميم هنا، وجدت أن غالب من يتناول مواضيع الأوائل اليوم يسعى لثلاثة أهداف رئيسية: (١) المجد الشخصي ، العائلي ، الطائفي أو القبلي ، (٢) كسب الشهره من خلال الوسائل الإعلامية ، (٣) توضيح الأهمية التاريخية للحدث. 

بالنسبة للنقطة الأولى وهي المجد الذي يسعى له الباحث في قضية الأوائل في زمننا هذا ، هذا المجد يريد من خلاله أن يتميز على غيره في اثبات احقية (عائلته ، قبيلته ، طائفته) في ما يعتبره هو انجازا. لعل سبب بحثه عن المجد في مثل هذه الأحداث إما عن تعصب غير محمود أو نقص يحاول اتمامه من خلال اثبات مساهمه من ينتمي لهم وربما شعوره بالظلم تجاه طريقة الكتابة التاريخية ، وهنا أتحدث عن تاريخ الكويت تحديدا، ويحاول ازاله هذا الظلم من خلال اثبات الأحقية في فعل معين. سأتحدث عن مثالين نالا حصيله من النقاش والجدال لا بأس بها في وسائل التواصل الإجتماعي خلال السنتين الأخيرتين. المثال الأول هو قضية دخول أول سيارة للكويت هل هو في عام ١٩٠٨ أو عام ١٩١٢ ومن الذي جلبها للكويت ، السؤال المهم ما هي الأهمية التاريخية لمثل هذا الحدث؟ بكل تأكيد هو وصول السيارة للكويت وتغير نمط الحياة فيما بعد من ركوب الدواب إلى استخدام السيارات في أمور عديده كالحرب والنقل والتجاره وغيرها. هل دخول السيارة في عام ١٩٠٨  أو في عام ١٩١٢ سيغير من تحليلنا للتاريخ المكتوب حاليا؟ أو سيضيف اضافه جديدة للتاريخ المحلي؟ لست أدري لكن من خلال فهمي كل فريق يحاول النيل من مصادر الفريق الآخر عبر محاولة حصر حقيقة دخول أول سياره للكويت. وعلى الرغم أن كلا الفريقين يؤكدان أن حاكم الكويت مبارك الصباح هو مالك هذه السياره إلا أنني لم أجد لدى أي فريق ربطا تاريخيا بين سنة دخول السيارة وأحداث عهد هذا الحاكم! المثال الثاني هو قضية دخول الشاي للكويت انقسم بعض المهتمين بالتاريخ والباحثين فيه إلى فريقين كل فريق يحاول اثبات احقيته في كونه أول من ادخل الشاي للكويت. السؤال المهم هنا هل يغير جلب هذه الأسرة أو تلك من حدث دخول الشاي للكويت؟ هل هناك رابط بين دخول الشاي وتغير ثقافي مثلا حصل في مجتمع الكويت في ذلك الوقت؟ ما هي دلالات دخول الشاي في تلك الفترة الزمنية؟ تساؤلات كثيره تدفع الباحث للتعمق في مثل هذه القضايا وعدم الاكتفاء بالفوز بنسب ما يعتبره انجازا ، وهو ليس كذلك في هذين الموضوعين، للدائره الإجتماعية التي ينتمي إليها.

هذا الأمر يقودني للتساؤل هل كونه الأول يعني أنه الأفضل؟ سؤال يحتاج إلى اجابه ، فكونك الأول لا يعني بتاتا أنك الأفضل. وفي هذه الفقرة سوف أركز على القضايا التجارية تحديدا. فحسب تاريخنا المحلي هناك الكثير ممن علموا في التجارة كانوا مجرد وسطاء نقل أو وكلاء بيع وشراء لتجار أكبر منهم فهل كونه وسيطا احضر سلعة للمرة الأولى للكويت يجعله صاحب ما يعتبره البعض اليوم انجاز؟ الأمر الثاني وهو تساؤل أيضا ليتنا نفكر فيه لو افترضنا أن السلعة التي دخلت الكويت لأول مره هي للتاجر نفسه وتوجد وثيقة أو شاهد على احقيته هل هذا يعني الجزم أنه أول من ادخلها؟ أليس من الممكن أن يكون هناك من سبقة ولم تصلنا وثائقه؟ أو لم يسجل التاريخ لنا دوره؟ ثم ما هي أهمية كونك الأول في مثل هذه الأمور؟ ما هي الإضافه الحقيقية للتاريخ المحلي؟ نحن لا نتكلم عن اختراعات هنا أو تميز في عمل ما أو حتى تأثير ديني ، ثقافي ، سياسي ، اجتماعي ساهم في تطوير ورفع مستوى المجتمع.

أنا هنا لا أحارب تاريخ الأوائل بل هو من التواريخ التي متى ما استخدمت في اطار البحث العلمي اضافت الكثير للحقل المدروس لكنني ضد الجدل القائم بين المتطفلين على التاريخ والمتصدرين للمشاهد الإعلامية بإسم التاريخ والتاريخ منهم براء. تاريخ الأوائل يساعد الباحثين على تحليل أعمق لتاريخ الحقبة الزمنية التي يدروسنها فعلى سبيل المثال ساعدني كتاب عبدالله الحاتم في دراسة وتحليل ثقافة المعارضة السياسية وأدوات هذه المعارضة في الكويت من خلال ما ذكره عن اضراب رجال البحر أو طلبه المدارس وغيرها. هذه النقطه تقودني لنقطه شبيهة بها وهي قضية نشر وثيقة للمرة الأولى في كتاب أو مقال أو صحيفة. هذا النشر بلا شك يعود على البحث العلمي بالنفع ولعلي استحضر وثيقة مجلس ١٩٢١ التي نشرها الدكتور خليفة الوقيان في كتابه بواكير الثقافة في الكويت واضافت للبحث التاريخي الشيء الكبير وساهمت في تغيير نظرة الكثيرين لهذا الحدث التاريخي المهم في تاريخنا الكويتي. نشر مثل هذه الوثائق يساعد في تطوير البحث التاريخي لكن في ذات الوقت الاستمرار على الدندنه بأن الباحث فلان هو أول من نشر هذه الوثيقة يعطي انطباعا أن قضية البحث صارت شخصانيه أكثر من كونها علميه فالنشر بحد ذاته لا يعتبر انجازا إلا في حينه فقط. بمعنى عندما ينشر الباحث هذه الوثيقة فإنه في لحظة النشر يسهم في التاريخ لكن بعد ذلك إن لم يمارس دوره البحثي ويضيف للحقل فإن أوليته في النشر لا تعني أنه باحث مجتهد أو عالم والسبب وراء ذلك أن نشره قد يكون مصادفة والوثيقة وصلت إليه دون تعب أو جهد والعكس صحيح بلا شك.

اختم مقالي بتساؤل أيضا وهو هل فقدان الحس الوطني لدى بعض العاملين في حقل التاريخ الكويتي يجعلهم يبحثون ما يجعلهم متميزين عن غيرهم؟ هل الطريقة التي كتب فيها تاريخ الكويت تدفع البعض لمحاولة التقليل من دور الآخرين في صنع التاريخ المحلي؟ هل نحتاج لإعادة كتابه تاريخنا المحلي بشكل أعمق نبحث فيه عن الحقيقة وإن كان الوصول لها صعبا في التاريخ ونمارس الإنصاف قدر استطاعتنا حتى نترك للجيل القادم تاريخيا أقل تشويها مما هو بين أيدينا اليوم؟ تساؤلات لا زلت أفكر بها ولم أجد لها اجابات.

شوارد:

"الوثائق أداة خرساء في يد من لا يعرف كيف يحييها وينفخ الروح فيها"

أرنست رينان