السبت، 29 يوليو، 2017

حينما يصبح الأعرابي دكتورا!

"ألف مبروك لقد تم منحك شهادة الدكتوراه في التاريخ" عبارة انتظرتها طويلا لمدة تزيد على سبع سنوات. عادت بي الذكريات للوراء متذكرا يومي الأول الذي قدمت به إلى بريطانيا لا أحسن من الإنجليزية سوى كلمات معدودة! كتبت بعد تجربة تعلم اللغة الإنجليزية كتابا سميته أعرابي في بلاد الإنجليز

فعلا كنت ذلك الأعرابي الذي أتى إلى بلد غير بلاده! لم أجد في بريطانيا شيئا يشبه بلدي في الخير أو الشر، بلاد مختلفة تماما عما كنت معتادا عليه. أعرابي لم يؤمن به أحد لكن آمن بذاته وعرف أن الإنسان يذلل الصعوبات مهما كانت عصية، فالنفس كالفرس الأصيلة تأبى الانقياد لغير صاحبها، فما إن يضعف فارسها تجدها تجمح به محاولةً إسقاطه والتفرد بحريتها دون لجام. أعرابي وصل لبيئة علمية لم يعتد عليها، فقوانينهم الأكاديمية مختلفة جدا، وطرق التدريس والمنهجيات لم يسمع بها ولم يعرفها عندما درس البكالوريوس والماجستير في الدول العربية.


أعرابي كان على سجيته صاحب قلب أبيض يعتقد أن من يعمل في الجامعات الغربية كلهم علماء حقيقيون متناسيا أنهم بشر فيهم الصفات الحميدة والذميمة فدنيا افلاطون الفاضلة ليس لها وجود لا في الغرب ولا في الشرق. أعرابي دلف إلى حياة علمية جديدة وللوهلة الأولى أوصد أحد الحمقى الأبواب في وجهه ولم يدرك أن الأعراب لا يستسلمون، ففطرتهم تدعوهم لإعادة التجربة والترحال حتى يجدون ضالتهم.


أعرابي دخل وهمه التاريخ، ولا شيء غير التاريخ، التاريخ بحقيقته وجوهره، لا تاريخ الشكليات والكماليات التي يكتبها الكثير من المؤرخين في خليجنا العربي وللأسف. أعرابي سمع يوما بأهمية تاريخ الأفراد والناس فحاول تحريك التاريخ الراكد واتباع مدرسة التاريخ الجديد دامجا معها فهمه لمدرسة الحوليات. أعرابي أدرك بعد جهد وتفكير ووقت أن الفلسفة جزء لا يتجزأ من التاريخ وأن هيغل وفولتير وفيكو وكانط وتوينبي وغيرهم ليسوا شرا كما قيل لنا في جامعاتنا ومدراسنا من معلمين لا يحسنون فهم الروابط بين العلوم، وليس لديهم العمق الكافي في فهم منهجيات العلم كون الكثيرين منهم تلقنوا العلم تلقينا ولم يتعلموه ويمسكوا آلاته.


أعرابي وجد مجتمعا سلبيا من الأعراب حوله في بلاد صاحبة الجلالة، همّ بعضهم، إن لم يكن الكثير منهم، لقب الدكتور وصورة حفل التخرج. أعرابي صدمته سلبية بني جلدته وسوداوية نظرتهم وطموحهم، صدمه أيضا تعليق فشلهم على عنصرية الغرب واحتقارهم لنا كأعراب وربما طمعهم في مالنا دون أن ينتقدوا طريقة تفكيرهم وحياتهم الاستهلاكية حتى في الدراسة والعلم! أعرابي أدرك أن التعميم خطأ، فبحث وبحث عن أعراب يشاركونه همَّ العلم لذات العلم، وبعد جهد وتجربة ووقت وَجَدَهُم وتمسك بهم. أعرابي لم يعد يرفض الجديد لمجرد الرفض، بل صار يفكر في العلاقة الجديد وما يعرف ويحاول تعلمه مدركا أن التصدر في بلداننا وأقل منه في بلدان بني الأصفر لا يكون في الغالب عن جدارة بل عن علاقات وشبكات اجتماعية.


أعرابي عرف أنه حتى في الغرب هناك مجموعات، lobbies، تحارب الجديد وتحابي من يساند أفكارهم ويطورها ويمدح إسهاماتهم العلمية. أعرابي أدرك أن لا علاقة بين الهوية والجنسية والجنس واللون في العلم، فحياة العالم الشخصية أمر مختلف ومنفصل عن إسهامه العلمي. أعرابي استوعب أن ما يكرره الباحثون ليس شرطا أن يكون صحيحا، لذا كان لزاما عليه أن يعيد قراءة المصادر والمراجع ويبحث بنفسه أملا بأن يجد أفكارا جديدة وقد كان له ما أراد. أعرابي فهم أن الدنيا ليست كما يصورها الناس، فهذه الصور هي تجاربهم لا أكثر وقد يجدها في تجربته هو أو يعيش غيرها.


أعرابي آمن بأن الله على كل شيء قدير، وأن بيده مفاتيح كل شيء، لكن في الوقت ذاته، لله نواميس وقوانين في هذا الكون على الناس أن تتبعها، فالمتواكل لن يصل إلا أن يشاء الله ذلك! أعرابي علمته الحياة أن القلق من المستقبل أمر غير محمود لأن العمل أساس كل شيء فمن جدّ وجد ومن زرع واهتم بزرعه لا شك سيحصد. أعرابي علمته تجربته أن الكثير من شعوب الخليج تفكيرهم في المادة والتصدر الاجتماعي أكبر من تفكيرهم في العلم وتطويره، وأن هذا جزء من مشكلة أكبر، بعضهم فهمها ولم يتحرك والآخر لم يهتد لرؤيتها بعد!


"رسالتك إسهام جديد وإثراء لما كُتب في تاريخ الخليج وتاريخ الناس فيه واتمنى أن أُشاهد هذه الرسالة مطبوعة في كتاب!" إطراء وصلني من برفسور إسرائيلي هو المختبِر الداخلي إيلان بابيه Ilan Pape، هو أحد من اختبرني، فسبحان الله كيف جعل إطراء مؤرخ إسرائيلي عظيم مثله مدحا بالرغم من كامل إيمانه بقضية فلسطين التي يدافع عنها بضراوة واضعا على باب مكتبه عبارة " لا عودة إلا بحق العودة". "أنت وبعض الشباب ممن التقيت سيكون لكم شأن في إعادة كتابة تاريخ الخليج" ثناء مشرفي وصديقي الذي ساندني في جميع مراحل دراستي علميا ومعنويا، وكان مؤمنا بقدراتي يومَ رفضني غيره بحجة ضعف اللغة الإنجليزية! Valeri Marc مارك فاليري أنا ممتن لك جدا فأنت أعرابي مثلي لكنك ولدت في فرنسا! والشكر موصول للمختبر الخارجي الدكتور عبد الله با عبود الذي وجدت منه الثناء على ما كتبت.


يا أيها الأعراب أنتم أمة عظيمة لكن الكسل نال منها، والسطحية دخلت مناهجها التعليمية، والاستهلاكية تعمقت في تفكيرها، ورفض الآخر أصبح نمطا في حياتها، والتقديس غير المُسَوَّغ سلوك بعض علمائها ومثقفيها. أنتم جزء من خير أمة أخرجت للناس، ومن أعلى الناس هِمَماً والتاريخ يشهد لكم. وأنت أيها الأعرابي الطموح لا تدع تثبيط من حولك يقتل طموحك، وثق أن حسن التدبير والتخطيط والصبر وطول الأناة يوصلونك بعد توفيق الله لهدفك، وأنا مثال على ذلك! فمِن أعرابي لا يحسن من الإنجليزية شيئا إلى أعرابي يحمل شهادة في الدكتوراه!


شوارد:

يقول من لا أعرف!

"تجاهل الناس الذين يرددون مستحيل"