الاثنين، 3 يوليو، 2017

فلسفة ومناهج أم استعراض عضلات؟

منذ دخول تويتر إلى حياتنا كخليجيين وأنا أفكر فيه كمصدر رئيسي لتطوير فكر الشعب العربي والخليجي بشكل خاص. لكنني مع مرور الوقت بدأ الإيمان عندي يزيد بأن تويتر صار انعكاسا للواقع الخليجي الذي نعيشه في كل يوم. في هذا المقال ، وهذه نصيحة للقارئ المندفع، أنا أناقش وجهة نظري في مؤرخي الخليج تحديدا والعالم العربي بشكل أقل. أعيد هدف المقال بعبارة أخرى، أنا هنا لا أحاول التنظير إنما أحاول وضع اصبعي على الجرح الذي قد يؤلم البعض كما أنني أحاول تشجيع الفلاسفة والمنظرين على نقد العقل الخليجي!

قبل أيام شاهدت حوارا بين رجلين لهما اهتمام بالتاريخ، كلاهما حافظ للوثائق وأماكن المعلومات وكلاهما أيضا له اطلاع لا بأس به على المخطوطات والكتب لكن يعيب الرجل الأول أنه بدأ في مرحلة دراسة الماجستير. نعم أعني ما أقول بداية الدراسة والعلم قد تكون أمرا سيئا لمن لا يدرك قيمة العلم لذاته. حتى أفسر أكثر هناك ثلاث أنواع من الباحثين الخليجين والعرب وغيرهم قابلتهم في حياتي حتى اللحظة النوع الأول الذي يريد أن يحصل على الشهادات العليا للوظيفة فهو يحصل على الماجستير والدكتوراه من أجل راتب أعلى وساعات عمل أسهل. أما النوع الثاني فهو نوع صاحبنا وهو الذي يريد العلم حتى يتميز عن غيره، وغيره هنا تعني عوام الناس والمهتمين لا أهل التخصص فهو يريد جذب الأضواء لنفسه من أجل أغراض خاصة به وهنا قد يجمع صاحب النوع الثاني طموح النوع الأول بالاضافة إلى ما ذكرنا.

النوع الثالث وهو قليل في المشرق والمغرب هو الذي يبحث عن العلم لأجل العلم ويفتش في المعرفة ليزداد يقينا بأن ما يجهله أكثر مما يعرفه. قد كنت أظن أن مفهوم التواضع عند العلماء محصور في حضارتنا الإسلامية وجزء من ديننا حتى شاهدت محاضرة لأحد أعظم علماء وفلاسفة هذا القرن نعوم تشومسكي يقدم فيها نصائح ومن ضمن النصائح قوله بتصرف " ثق تماما أنك كلما علمت كلما زادت معرفتك بأن جهلك أكبر!". والأمثلة كثيرة وكثيرة جدا في حضارتنا الإسلامية وعلمائنا اليوم في الأمتين العربية والإسلامية وهذا الإستدراك لمن يرفض أي شيء قادم من الغرب!

نعود لأصحاب القصة، صاحبنا الأول الذي بدأ دراسة الماجستير يبدو أنه قد أخذ محاضرة عن منهجيات التاريخ قبل أن يبدأ نقاشه مع الطرف الآخر فكان مما قاله لخصمه ما هي المنهجية التي تفترضها؟ وهل استخدمت منهجية معينة في رفضك؟ هذه الكلمة شدت انتباهي فأنا متابع للرجل منذ فترة وما عهدته إلا وصفيا ناقلا من بطون الكتب وفي أحيان يخفي بعض المعلومات التي يمكن أن تؤدي بالمتابعين له للإنسحاب لأنها مست قبائلهم أو دولهم أو بعض من مات من حكامهم. رجعت فقرأت كامل الحوار بينها ووجدت أن اقحام المنهجية في خلاف على صحة معلومة أمر غير دقيق. كلا الرجلين متمسك بحقيقة تاريخية قرأها ويعتقد صوابها وكلاهما أيضا استقى معلوماته من كتب مطبوعة حديثا وكلاهما أيضا يتهم الآخر بعدم الموضوعية في الطرح فأي منهجية يجب أن تناقش هنا؟

لمحمد عابد الجابري رحمه الله هذا الفليسوف العظيم مقولة جميلة "نحن "أي العرب" تحولنا من كائنات لها تراث إلى كائنات تراثية" معنى ذلك أننا نقلنا التاريخ من أساسه الصحيح الذي بنت عليه مدارس تاريخية كثيرة فلسفاتها منذ عصر هيرودوت المؤرخ الاغريقي إلى يومنا هذا إلى اساس هش. جعلنا التاريخ الذي وإن اختلفنا في تفسيره وتحليله ، فلن نختلف أننا لا نعيش فيه! الرجلين تحولا إلى كائنات تراثية تدافع عن التاريخ وكأنه واقعها اليوم بل أكثر من ذلك تستدعي النصوص التاريخية لمساندة خلاف سياسي طارئ ! نعم لا أنكر أن استخدام التاريخ في استشراف المستقبل وتحليل الحاضر أمر أنا مؤمن به ومارسته ، لكن أن نستدعي النصوص فقط ونعيشها وكأننا جزء منها فهذا الذي يستغرب منه العقلاء!

قلة قليلة في الخليج العربي تمارس التاريخ عن فلسفة ومنهجية ، نعم أقولها وأنا ممن يعاني من نقص في هذا المجال أحاول ستره بتعلم ما ينفعني وتطوير ذاتي في المجال النقدي والفلسفي  والمنهجي التاريخي وغيره. هناك من الأصدقاء الحاصلين على شهادات الدكتوراه حينما تناقشه في المنهجيات المتعلقة في بحثه يجيبك بوضوح وشفافية لكن حينما تسأله سؤالا نقديا أو استشكاليا خارج اطار المدرسة أو المنهجية التي يستخدمها تجده يتلعثم ويحاول الإجابة بإجابات عامه أو يتفلسف عن جهل! أنا مدين لأصدقائي الدكتور بدر القلاف والدكتور حامد السهو بالكثير في قضايا المنهجية رغم اختلاف تخصصاتنا. هذان الرجلان كانا يسألاني أسئلة دقيقة في منهجيتي البحثية وكنت انحرج ولا أجد جوابا حتى دفعوني دفعا للبحث عن اجابات ترد على تساؤلاتهم. وقد قرأت مرة "المؤرخ مطالب بالخروج من ضيق التخصص إلى عام المعرفة".

حتى نفهم التاريخ علينا أن نفهم الفلسفة وعلم الاجتماع وفي أحيان الاقتصاد وعلم النفس وربما اللغة والفقة والفكر! البشر الذين عاشوا في زمانهم لم يكونوا فقط كما نقل لنا! ولو كان الأمر كذلك لما تنوعت المدارس التاريخية بين مركز على الأفراد وساع للبحث في الثقافة وتقليدي يؤرخ للثالوث المقدس حتى اليوم الاقتصاد والسلطان والدين!

كنت أجهل أهمية الفلسفة في فهم التاريخ حتى بدأت اقرأ في كتب الفلسفة التاريخية والمناهج البحثية فوجدت أن الفلسفة في التاريخ دورها التعرف على الذات المفكرة وليس الموضوع المفكر فيه فقط، يقول المؤرخ التونسي الهادي التيمومي " المؤرخ ليس بإمكانه التعرف على المنطق الموضوعي للظواهر الإجتماعية وإنما على العقل البشري بواسطة ذاتيته".

بدأت في القراءة في فلسفة التاريخ قبل عدة أشهر وكنت أحسب أنني بعد حصولي على شهادة الدكتوراه سأتصدر المجالس لأنني دكتور في التاريخ! لكنني اكتشفت من قراءة سير فلاسفة التاريخ ورواده أن التصدر لا يزال بعيدا وأن من أراد التصدر والبقاء في الصدارة عليه أن يحفر كرسيه في صخور المعرفة والحفر لا يأتي دون تركيز وجهد وعرق! النظرة للتاريخ الخليجي تحديدا والعربي بشكل عام يجب أن تتغير، لن اتفاءل وأقول لنؤسس مدرسة جديدة في الفلسفة والنقد التاريخي ولكني أقول لنمهد للأجيال القادمة مثل هذه المدرسة وليتنا نخرج من تقديس التاريخ والأشخاص والأحداث ونستعيض بدلا عنها بالحوار معها في البداية ثم تحليلها ونقدها وربما تطويرها! ولنتعلم المصطلحات العميقة دون الاعتماد على ويكيبيديا أو المعاجم لكن لنقرأ أصول المصطلحات حتى ندركها ونستدرك عليها، فما ساد الجهل المركب في أمة إلا أصبحت مثلنا!

شوارد:
"يولد الرجال متساوين مهما اختلف تاريخ ميلادهم ، لكن الفضائل تصنع الفروق فيما بينهم"

تنسب لفولتير!


هناك تعليقان (2):

الزهراء بهزاد يقول...

مقال ممتاز، كعادتك تنظر الى ما وراء الحديث فتحلل وتتفكر وتستنتج،، من الرائع ان يمتلك الباحث تلك المقومات، وان كانت واجبه لمن يسلكون درب البحث.
اعود للمقال فقد فتح لي مقالك الكثير من الامور لافكر فيها، والتي لم اكن اراها بهذا الوضوح من قبل... ونظرت لكتاب قابع منذ اكثر من ٩ سنوات على احد رفوف مكتبتتي بعنوان "تطور منهج البحث في الدراسات التاريخيه" وادركت انه حان الوقت لقراءته، ليفاجئني رفيق اخر يستند عليه بعنوان "فلسفة التاريخ في الفكر العربي" كنت قد نسيته :)
سلّم الله عقلك وفكرك، وادام قلمك...

Abdulrahman Alebrahim يقول...

أن نأتي متأخرين خير من أن لا نأتي نهائيا :) لا زال في الوقت بقية يا دكتوره والجهد والوقت كفيلان بحل كل مشاكل العالم