الثلاثاء، 23 مايو، 2017

النقد والتطوير لماذا ننفر منه؟



في يوليو من عام ٢٠١٦ قدمت ورقة في مؤتمر جامعة اكستر حول العلاقات الكويتية الزبيرية
وكان نموذجي هو عبدالعزيز الرشيد رحمه الله. وقد قرر القائمون على المؤتمر طباعة كتاب يحتوي على الورقات العلمية التي قدمت فيه على شكل فصول لهذا الكتاب.

تحمست كثيرا لفكرة الكتاب خصوصا وأن لغة الكتاب هي اللغة الإنجليزية وقليلة هي الكتابات التخصصية في تاريخ الكويت وأقصد بالكتابات التخصصية هي الكتابات في مواضيع ثقافية واجتماعية تتعلق بتاريخ الكويت أما ما كتب عن تاريخ السياسة في الكويت فهو كثير جدا. لعلك عزيزي القارئ تتساءل وما شأننا نحن بقضية نشرك ومشاركتك في المؤتمر أم هي دعاية مجانية لنفسك؟ والحقيقة أن هذا الفصل هو الذي أتى بفكرة المقال لأنه بعد اعادة الفصل لي من مُحكميّن وجدت اشاده لكنني أيضا وجدت الكثير من الملاحظات التي وضعها هذان المحكمان بعضها جوهري وبعضها شكلي لكن المهم أنني وجدت ثقلا كبيرا في نفسي وحسنا فعلوا عندما لم يظهروا أسماء من راجع الفصل.

عندما قرأت النقد لأول مره شعرت بنوع من الحنق والضيق، كيف لهؤلاء الذين انتقدوا أن يفهموا هذا البحث الدقيق في تاريخ الكويت وكيف لهم أن يقيموا عملي؟ في الكثير من الأحيان كانت تعليقاتهم نرجو التوضيح هنا أو من هو هذا العالم أو ذاك. قررت بعد قراءة الرد لأول مرة ألا أرسل الفصل من جديد لهم بعد التعديل فكيف لي أن اتعامل مع من لا يحسن فهم عملي؟ بعد يومين بدأت أفكر وأراجع نفسي هل فعلا كان عملي كاملا؟ وهل رأي الذين اعطوا ملاحظاتهم لا يهم؟ ولماذا يكتبون بطريقة نقدية وأنا اعتبرها هجومية؟ ولماذا يهاجمونني هل يعرفونني أصلا؟

بدأت الفكرة تكبر في عقلي وصرت أتتبع طريقة كتابتي لبحثي هذا ووجدت أنني فعلا كنت مقصرا! في الحقيقة رغم معرفتي بأن الموضوع ليس واضحا في ذهنية الغرب وفيه صعوبة على المتخصص منهم لأنه يتحدث عن زاوية من زوايا تاريخ الكويت لكنني في حقيقة الأمر كتبته دون توضيحات كثيره. ما أقصده مثلا عندما أتكلم عن الفروقات في العقيدة الإسلامية بين الأشاعره وأهل الحديث وغيرهم لا أوضح لغير المتخصص ما أقصد بالضبط ولا أوضح ما هي الفروقات بشكل دقيق. وهذا مثال من أمثلة أخرى خصوصا في عدم التعريف بالكثير من الأعلام عندي والمجهولين عند القارئ! فمثلي كمثل الطاهي الذي أحضر مكونات الوجبة وطبخها على نار هادئة لكنه لم يحسن عرضها وتزيينها وكان ذلك سببا في عدم اقبال الزبائن عليها، فالأفكار كالأطباق متى ما أحسنا تقديمها وعرضها وجدنا إقبالا أكثر عليها.

الأمر الثاني الذي لم أحسن فعله هو أنني كتبت باللغة الإنجليزية لكن بعقلية الأكاديمي العربي. فنحن في التاريخ نميل كعرب لسرد الأحداث وحشد المصادر والنصوص وبعضها ليس له علاقة مباشرة في موضوع البحث بينما طريقة الكتابة الأكاديمية الغربية هو كتابة ما يتعلق بالفكرة دون اسهاب مقل أو ايجاز مضر. لذلك كانت كثرة التعليقات كانت لعدم فهمهم ما هو الرابط بين هذه الفقرة والفكرة العامة أو هذا الاستطراد والفصل بذاته. عندما قرأت الملاحظات شعرت بأن النقد يقول "أنت لست عميقا" لكنني اكتشفت أن مفهوم العمق مختلف بين المدارس الفكرية والتاريخية ومكان ومحل نشر العمل الأكاديمي!

مفهوم العمق في ذهني على الأقل هو أن أكتب شيئا مختلفا وأن أصل لفكرة فريدة لم يسبقني لها أحد أو ربما سبقني لها قله قليلة! لكن مفهوم العمق عند الكثيرين شيء مختلف نوعا ما فقد يكون العمق في ربط الأفكار بطريقة منهجية واضحة وفي أحيان أخرى شرح المفاهيم بصورة أوضح ومرات كثيرة في تبرير سبب اختيار الموضوع وطريقة ربطه بأحداث، أفكار، مواضيع سابقة. هذا العمق وجدت أن الكثيرين من الباحثين في التاريخ الخليجي الذين درسوا ويرغبون في نشر مقالات أو كتب باللغة الانجليزية يعانون منه، وأنا منهم، فمن كان مثل حالتي درس البكالوريوس والماجستير في بلاد العرب ثم ذهب ليدرس في الغرب الدكتوراه يجد هذه الصعوبة لاختلاف طرق التدريس والمنهجيات في التعليم.

في عالمنا العربي اعتدنا على تقديم أقل الجهد والحصول على أكبر المدائح في الكثير من الأحيان، بل أذكر عندما كنت في مرحلة البكالوريوس كان بعض الطلاب يشترون بحوثا مكتوبه ويحصلون على درجات مرتفعه وهذا أصل عند البعض أن نقدك لعملي يعني هجومك الشخصي علي. في الغرب الأمر مختلف نوعا ما هم يدفعون الطالب لتعلم ثقافة النقد ويطالبونه بأن ينتقد ويوضح القصور في الأفكار السابقة ويحلل أسباب ذلك ويربط ما بين فكرة وأخرى بل هم يحاربون السرد محاربة كبيرة. مثل هذه الخطوات أخرجت منهم أشخاص طردوا فكرة التقديس من عقولهم وصاروا يتمردون بشكل علمي وعملي على أفكار سبقتهم ويطورون تلك الأفكار وفي بعض الأحيان يخرجون بمدارس فكرية جديدة. بكل تأكيد أنا لا أعمم أن الغرب كلهم على هذه الشاكله! لكنني أقول أن مثل هذه الثقافة موجودة عندهم في المدارس والجامعات وفي حياتهم الخاصة.

النقد شيء رائع إذا كان من متخصص وكان من أجل تطوير وتنمية وتعديل الأفكار أو السلوك، في أحيان كثيرة أفكر في فكرة النصيحة في ديننا الإسلامي وأراها مشابهه للنقد فالنصيحة تكون هدية للأخرين لتطوير أنفسهم وهي كذلك من وسائل تطور المجتمع لأن الإسلام أوجبها للجميع ومن الجميع.


شوارد:

"رحم الله من أهدى إلي عيوبي"

عمر بن الخطاب