السبت، 14 يناير، 2017

بين العزله والانعزال!

عند بداية رحلتي لدراسة الدكتوراه بدأت رحلة في العزله غير مخطط لها بسبب ابتعادي عن الكويت ومعيشي في بلد آخر. مع تقدم سنوات الدراسة في الخارج بدأ أشعر بأهمية العزله لمن لديه طموح علمي للمستقبل وبدأت الأسئلة تدور في عقلي حول مفاهيم متعدده كالعزله والوحده والانعزال والانطوائية. هذه المفاهيم سقطت وبقت العزله لوحدها متربعة على عرش عقلي الذي يقتنع بجدواها كل يوم. من الأمور التي واجهت صعوبة في التفريق بينها هو الفارق بين العزلة والانعزال!

عندما رجعت للمعجم وجدت أن معنى العزله والانعزال متقارب جدا إن لم يكن متطابق. فسألت من أثق بعربيتهم ممن أعرف فأكدوا لي أن ما اطلعت عليه في المعجم صحيح مع التشديد على أن الانعزال هو صيغة مبالغة. لكن ومع احترامي وتقديري للغة العربية ومعانيها واثباتي صحة ما في المعاجم من تفسيرات إلا أنني وجدت عقلي يأبى مثل هذا التشابهه! فالعزلة كما أفهمها هو معنى سامٍ يحتاجه كل صاحب مشروع كان عالما أم مهندسا أم فيلسوفا وربما متنسكا! فعزلته اختياريه هو من اختارها ووضع أطرها بناء على مفاهيم عنده سواء كانت هذه المعايير شرعية ، فكرية ، اجتماعية ، ثقافية وغيرها. أما الانعزال فهو في فهمي مرادف للانطواء إلا أن الانعزال لا يتعبر مرضا نفسيا والانطواء يحتاج من يقع به مراجعه أهل التخصص من أطباء علم النفس! فالانعزال هو اختيار الانسان الراشد للبعد عن الناس ابتعادا كليا وعدم الاحتكاك بهم أو مخالطتهم لأسباب عديدة قد يكون منها ما لقيه منهم أو كرهه لغبائهم أو شعوره للفروقات التي بينه وبينهم في مستوى معين كان هذا المستوى علميا أم سياسيا أم ثقافيا وربما ماليا! وغالبا ما يجنح الانسان للانعزال في المجتمعات الاستهلاكية أو التي أحب أن اسميها المجتمعات التافهه!

هذا الانعزال ليس ضروريا أن يحمل مشروعا فهو قد يكون من أجل الراحه النفسية وربما التزود بطاقات من الصبر والفهم ولعل أوضح مثال على من يطلب الانعزال لا العزله هو السفر. فالكثير ممن يسافرون يعودون بطاقات متجددة يتحدثون عن كيف أنهم خرجوا من روتين الحياة في مجتمعاتهم وغالبا ما يذكرون سلبيات المجتمعات التي يعيشون فيها مقارنة بالمناطق التي زاروها. على هذا القياس هناك من ينعزل في وسط بلده من خلال تحاشيه للقاء من يعرف معرفة وثيقة والهروب لمناطق أخرى لا يعرفه فيها أحد ويكون قادرا على ادارة حياته كما يريد دون قيود اجتماعية او ثقافية او اقتصادية. ومن أنواع الانعزال أيضا هروب الكثيرين من واقعهم إلى المناطق الريفية أو البرية والبحرية هروبا من روتين أو أفراد معينين متى ما ذهب الروتين ومات هؤلاء الاشخاص أو اختفوا حلت عقده الانعزاليين!

العزلة أمر آخر لخصه لنا الامام ابن الجوزي بقوله "ولكن لا يصح هذا إلا للعالم؛ فإنه إذا اعتزل الجاهلُ فاته العلمُ فتخبَّط" اذا اشترط الامام بان الجوزي أن تكون العزلة لمشروع ما هو حدده بالعلم. فالعزلة اذن مطلوبة لمن أراد أن يكون عالما لأن الاختلاط في الناس مضيعة للوقت في أحيان ومجلبة للهم في بعض الاحيان أخرى. والعزلة من وجهه نظري تحمي الانسان من سفاسف الرأي في مجتمعاتنا المعاصره فاليوم أصبح الحديث في كل شي سمة الناس في الغالب ولا تعني العزلة أبدا الانعزال عن الناس في حقوقهم وواجباتهم وغيرها. منذ مدة اقرأ في العزلة ووجدت العظيم من الفوائد في كتاب العزلة لأبي سليمان الخطابي ولعل أجمل من وجهه نظري تفسيره للعزله "ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي تختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم؛ فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دونها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها؛ فإن من جرى في صحبة الناس، والاستكثار من معرفتهم، على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه - كان جديراً ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته؛ فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن جهل، ولا من جرب وامتحن كمن ماد وخاطر "

اذا العزلة ليست سلبية كما يصورها البعض ويستشهد بأحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام في فضل مخالطة الناس والصبر على أذاهم لكن العزلة هو أن لا تجعل لأحد عليك سبيل يتحكم من خلاله بحياتك. والناظر اليوم للمجتمعات العربية والخليجية تحديدا يجد أن هناك سمة غالبة عليهم وهو محاربة وقت الفراغ في ما لا ينفع من خلال الخروج المستمر المتكرر للأسواق واللعب والتجمعات في الدواوين والاستراحات والعزب وغالب هذه التجمعات التي صارت ثقافة حتى للنشأ ليس فيها ما يطور لا العقل ولا القلب إلا ما رحم الله. الأعجب الذي لم استطع فهمه هو كيف لمن تذوق حلاوة العلم والتغرب والاطلاع على ثقافات أخرى أن يعود لبلده فينغمس في هذه السخافات التي يمارسها المجتمع في الغالب بسبب خلو عقول الكثير من افراده من الاهداف والطموحات والغايات العظيمه. هذه الشريحة من المجتمع أحملها مسؤولية سوء الاوضاع وترديها أكثر فهم ينغمسون في التيار دون أي مقاومة وتجد المبررات التي يضعونها غالبا ما يؤطرونها بنظريات تعلموها أو أفكار تجد الكثير يحاربها لكن هؤلاء يرحبون بها لأنها تشعرهم براحة أكبر وتخدر ضمائرهم.

وحتى لا يتهمني أحد بالتناقض فأنا هنا لا أطالب المتعلمين والمثقفين بالدخول والتأثير في المجتمع بشكل مباشر لكنني أطلب منهم على الاقل الانعزال عن سفاسف الأمور هذه وعدم الاندماج فيها فحينما يكون من يفترض فيه أن يكون من الطبقة المثقفة في المجتمع مندمجا في هذه الصغائر مضيعا وقته في زيارات اجتماعية تضر أكثر مما تنفع  ومقطعا وقت فراغه في أسواق وغيرها دون أن ينجز شيئا في السنه فهذا والله مما يخجل. كما قلت أن العزلة قرار يضع فيه الانسان قوانينه التي لا يعطي الاخرين حق التطفل وفي ذات الوقت لا يكون هو انعزاليا متشائما بعيدا عن الواقع وهذا الامر يحتاج الكثير من الصبر والعقل والجهد فالناس ستحاربك حتى تكسرك!

هذا المقال قد يكون باكورة لمقالات أخرى في المستقبل ان تعمقت في الفكرة أكثر خصوصا وأنني أبحث عن مفهوم العزلة عند المجتمعات غير المسلمة حتى أقارن بين الأفكار والتعريفات.

شوارد:

قال ابن الجوزي : من أرادَ اجتماع همّه وإصلاح قلبه فليحذرْ من مخالطة النّاس في هذا الزّمان .

ليست هناك تعليقات: