السبت، 31 ديسمبر، 2016

سنوات عرقوب!

عرقوب اسم مميز في تراثنا العربي وصار سمة من يخالف المواعيد والوعود فالناس تطلق على من لا يلتزم بموعده عرقوب وحتى نفهم قصة عرقوب علينا أن نرويها وقد ذكر ابن حجة الحموي في شرحه لقصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" لأنه ذكر فيها عرقوب حين قال:


كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاً // وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلاَّ الْأَبَاطِيل


قال الحموي شارحا هذا البيت عرقوب رجلٌ من العماليق وكان من حديثه ،أنه وعد رجلا ثمرة نخله، فجاء الرجل حين أطلعت فقال دعها حتى تصير بلحا فلما جاء الرجل وقد صارت بلحا قال عرقوب دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت قال دعها حتى تصير تمراً فلما أتمرت عمد إليها من الليل فجذها ولم يعطها منه شيئا. فصار فعل عرقوب هذا مثلا عند العرب ومَضرِبَ المثل بالمطل وعدم الوفاء أمطلُ من عرقوب وأخلفُ من عرقوب ومواعيدُ عرقوب أخاه بيثرب. حينما ننظر حولنا نجد أكثر من عرقوب من أهلنا وأحبابنا وأن أعرف أحد هؤلاء العراقيب إن صح الجمع بهذا الشكل. صاحبي عرقوب متميز في حياته وصاحب فكر وقلم وعلم لكن ابتلاه الله بالداء العرقوبي إذ ما أكثر ما يعد وما أقل ما يوفي بوعده في الوقت الذي حدده لكن والحق يقال أنه يوفي بالوعد بعد مده ربما تتجاوز الشهر وربما أكثر. كلما حاورت عرقوب هذا الزمان الذي أعرفه عن سبب تأخره في الإيفاء بالوعد وجدت أعذاره كالآتي: "لم أجد وقتا" أو ربما قال " كان عندي شغل كثير" وفي أحيان أخرى " كنت نائما" وغيرها من الأعذار. قلت في نفسي ذات مره ويح قلبي هل النوم عذر! ألم يسمع ما قالته أجاثا كريستي صاحبه الروايات المشهوره "الكسل ذنب لا يُغتفر" أو أنه لم يسمع قول ابن القيم في ذم النوم والسهر حين قال فيما ما معناه أن النوم الكثير والسهر مفسدة للمرء أي مفسده!

فكرت في الداء العرقوبي الذي أصاب مجتمعاتنا اليوم فصاحبي هذا جزء من مجتمعه! وقلت ما الذي يجعل الكثيرين ممن أعرف وممن لا أعرف يرسمون خططهم وأهدافهم للسنه القادمة ثم لا يحققون منها شيئا وحينما يقدم علينا يوم ٣١-١٢ من كل عام نجدهم يتحسرون ويحلفون بالله أن هذا العام هو آخر أعوام عرقوب في حياتهم لكن أنا على ثقة أنهم سيكونون رفقاء عرقوب في الشهر الثالث من العام الجديد إلا اذا تبعوا الوصفة التالية!!

حتى نصف العلاج علينا التعريف بالداء العرقوبي الذي انتشر في بلداننا فهو طاعون هذا الزمان الذي اخذ الأرواح من أجساد الطامحين وأحالها إلى أجساد بلا أرواح وربما أجساد بأرواح منهزمة لا تريد الخروج من مناطق أمنها، فاليوم كل شيء صار مرتبطا بالأمن والدعة والراحة حتى أفكارنا!! نعود لتشخيص الداء العرقوبي ونسأل السؤال الشهير في موقع قوقل حينما نريد التعرف على مرض ما خمسة أعراض تدل على أن حياتك معرقبه!. 

أول هذه الأعراض هو أنك لا تؤمن بما تريد فعله، فتخطيطك عاطفي نابع عن محاضره سمعتها أو كتاب قرأته وربما صديق منظم أثر بك! والأسوء من هذا كله تأثرك بتويتر ومشاركتك في الهاش تاق عن السنة الجديدة دفعك لكتابه أهداف لها لن تحقق منها إلا ما سيتحقق بالصدفه فقط! هذه العلة إن كانت فيك فعليك يا رعاك الله أن تجلس مع نفسك وتناقشها في أهمية ما أنت مقدم عليه في سنتك القادمة وتبين لها كيف أن هذه الأهداف ستعود بالنفع عليك وبعدها عليك أن تتخلص من العرض الثاني من أعراض الداء العرقوبي. بعد جلستك مع نفسك وتبيان أهمية أهدافك لها عليك أن تنتقل لواقعك فتحدد أهدافا ممكنه التحقق، فلا يمكن لك أن تكون عالما في فن خلال سنة أو أن تقرأ ١٠٠ كتاب وأنت كنت لا تقرأ كتابا واحدا من قبل أو أن تكون مليونيرا ومشروعك مبني على الاقتراض! الأهداف الواقعية تبعد العرقبه عنك لكنها تبعث في النفس حماسا كلما تحقق جزء من النجاح خلال ال٣٦٥ يوما المقبله عليك.

ثالث الأسباب هو البيئة المحيطة بك من أصدقاء وزملاء وأهل، هذه البيئة إن كانوا من قبيلة العراقبه فعليك تخفيف العلاقة بهم قدر المستطاع مع حفظ حقوقهم الدينية والاجتماعية في الوصل. واجعل من أهدافك أن تكتسب بيئة جديده تجد فيها من يشاركك همومك الفكرية وطموحاتك العلمية ولعلي اضرب لكم مثلا فقد ذكر لي أحدهم أنه كان ينفر من مصادقة أهل التاريخ من غير المتخصصين الأكاديميين فلما فكر وقلب الفكره جيدا خرج من منطقة الأمان فصادق بعض الرجال ممن يحبون التاريخ لكنهم لا يحملون شهادات كبيرة ولا صغيره فيه، يقول أنه استفاد في فهم الواقع التاريخي استفادة كبرى لا توفرها له الكتب ولا الوثائق ولا المصادر بل وفرها له اصدقاؤه الجدد الذين صاروا من أعز من هم حوله اليوم.

رابع الأعراض لتشخيص داء العرقبه هو عدم الصبر والتضحية في سبيل الوصول للأهداف، فثقافتنا الاستهلاكية أجبرتنا على التفكير أن كل شيء قابل للشراء! وهذا قد يكون صحيح في الكثير من الأمور سوى التطور الفكري والمعرفي والصحي وغيره لأن هذه التطورات تعتمد اعتمادا كليا على الجهد والخبره والوقوع في الخطأ والاستمرار على الصواب وهذا لا يوفره لك المال فكلنا نعرف أن فلان لم يكتب كتابه بل كتبه رجل غير مصاب بالداء العرقوبي وكلنا نعرف أن علان لا يدير شركته بل يدفع لمكافح أموالا طائله لكي يستمر في الربح وبعضنا يعرف أن القصيدة ذائعة الصيت لم يكتبها من نسبت إليه أنما كتبتها ذاك الشاعر الفحل الذي أجبرته أفكاره الخطأ على بيع بنات أفكاره وغيرها من الأمثله الشيء الكبير. من نواميس هذا الكون أن الصبر مفتاح الفرج والفرج ليس بالضروره أن يكون مالا أو فرح أو سعادة فقد يكون الفرج فهم أعمق للحياة وقد يكون ابتعادا عن النكد وقد يكون أيضا الراحة النفسية والعقليه! هذا يقودني لخامس الأعراض العرقوبية وهو أنك كباحث عن التخلص من العرقبة تظن أن الحل فيما تفهمه فقط فترفض كل جديد وترفض بعض ما يطورك بحجج واهية ، دينية اجتماعية ثقافية عقلانية، دون أن تفهم كامل الفهم لماذا ترفض! فليس ما تفهمه هو الحقيقة وان بلغت ما بغلت من العلم فكيف بك وأنت لم تصل لدرجة طالب العلم بالله كيف تثق بفهمك؟ وطالب العلم هنا ليس المقصود به طالب العلم الشرعي! بل كل طالب علم ومعرفة مهما كان تصنيفها وعلى أي شكل كانت!

يا معاشر العراقيب أنتم بحاجة للفهم أولا وللثورة على أنفسكم ثانية تسقطون بهذه الثورة عرش الكسل الذي سيطر عليكم ردحا من الزمن وتزيلون دولته العميقة في أذهانكم وبعدها تكونون سادة عقولكم فتطورونها فالعقول كالدول تحتاج وقتا لتظهر معالم التطور والتغيير عليها! كل عام وأنتم بخير وأتمنى لكم سنة خالية من عرقوب ولصديقي العرقوبي سامحتك هذه السنة لكن في السنة القادمة قد لا أجد لك مكانا في دفتر التسامح عندي!

شوارد:

"الأبطال لا يُصنعون في صالات التدريب، الأبطال يُصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي: الإرادة والحُلم والرؤية"

تنسب لمحمد علي كلاي

ليست هناك تعليقات: