الجمعة، 11 نوفمبر، 2016

صــــبــــا

{هذه القصة كتبتها قبل ما يزيد على ١٠ سنوات}


صباح مشرق جميل تحس صبا بجمال نسماته تداعب أنفها المرسوم على وجهها رسماً، أنفها الذي طالما حسدها أقرانها عليه هم يرون جميل صنع الله في أنفها ويتمنون لو أن الله تعالى رزقهم جمال الوجه وأنفا كأنف صبا.

"اليوم سيفصل في قرار انتدابي كم رغبت في مغادرة المدينة إلى القرية كم أحب الهدوء الجميل الذي يسود تلك الأماكن" صبا تُتَمتم مع نفسها ، هل الهدوء قاتل أم الهدوء دواء العاقل وأُنس الكاتبِ وسلوى الهائم ، لماذا لا يعجب الآخرين هذا الانتقال من القمة التي يرونها إلى ما يعتقدون أنه القاع ، هل القمم متشابهه وهل يمكن أن يكون القاع عند أحدنا قمة وعند الآخر قاعاً؟! تساؤلات كثيرة تدور في فلك عقلها.

"سأدعو الله تعالى أن يرزقني ما أريد فالعاقل من اجتهد ودعا وبذل الأسباب وترك التوفيق على مسببها" ، تدور الأيام والأسابيع وصبا في مكانها لا تزال تأمل أن يكون التأخير خيراً وترى في كل سبب جانبا إيجابيا وتعتقد أن كل إشارة رسالةٌ طمأنينة بل تمادت في التفاؤل فصارت تحسب أن ما تسمع في المذياع ويوافق هواها أنها المقصودةُ فيه.

" يا الله ما أصعب هذه اللحظة سأدخل مبنى الوزارة وأنا أحس بأن النقل قريب والفرج صار عند بابي والله لن يُخيّب رجائي نعم أنا على ثقة أن الله قد كتب لي ما أريد" ، تطرق الباب وتدخل فإذا بالمدير لا يكترث لوجودها يرمقها بنظرةٍ خاطفة ويعود ليقلب الأوراق التي بيديه خاطبها قائلا " لن تذهبي أي مكان هيا إلى عملك" ، تخرج ودموع القهر تنساب على وجنتيها.

" أين أنتي يا هند لتخففي عني معاناتي ، غيّبك الموت عني فصرتُ ضائعة بدونك لا أنسى نظرتك الحانية لي في قمة مرضك عندما طلبتي مني أن أكتب لك على ورقةٍ ما أحس فيه ولذا سأخاطبك الآن يا أعز صديقاتي"


اي هند أعلم انك لن تسمعيني وموقنةٌ أن التراب قد حجب بصرك وغابت عنك صورتي ، ليتك تعلمين أنني اليوم بحاجةٍ للحديث لقد نُحر طموحي بسكين قوانينهم يا هند ، أو تعلمين أن لا أحد أكترث لأمري الكل واساني مجاملةً لم أشعر بنظرةٍ فيها دفء تخترق جليد قلبي.

هند قلبي الذي كان مروجا خضراء صار اليوم جليدا قاسيا هل علمتِ أنني غريبةٌ وسط أكوام من البشر سلواي هي وحدتي وتلفازي وخيالي ، أدمنت الشعور بالوحدة حتى صرت بالنسبة لهم كالمجنون يهرب من مناسباتهم ولا يقدر أفعالهم .

أهند مهلا فالقلب موجوعُ والنفس خائرة العزم مهمومة وصل الحال للمحال وانمحت الآمال وعاد الأمر حُلما بعد أن أقترب من الواقع ، إن أعلم أنك تحزنين مما تسمعين فكيف أصنع أنا وقد صرت ينبوع الحزن الدافق ونهر الألم المندفع وشلالات الفشل الساقطة من القمة.

اعذريني على سلبيتي فلم تتعودي عليها مني فالحال انقلب والعقل طار وذهب والنفس مكلومةٌ من العجب والعين ماعادت ترى سوى المقابر والتُرب ، زرعنا سبع سنين عجاف فكان حصادنا أعواد من اليبسّ لا تصلح إلى للحرق والتلف لكن لا يزال في النفس فسحةٌ ضيقة للأمل نقش عليها  (اللهم كما منعتني ما أريد لحكمة أنت تعلمها ، أعطني ما أريد بكرم أرجوه منك) .

وداعا يا سلوى خاطري وداعا يا ملاذي عند حزني وداعا يا كانت للدنيا دنيا وداعا يا من تسمعني فتريحني وتزيل عني همي وداعا يا هند

تثني صبا ورقتها وتضعها في حقيبة يدها الفاخرة وهي تبتسم لأنها تتخيل صورة هند أمامها مبتسمة .

ليست هناك تعليقات: