الثلاثاء، 8 مارس 2016

صفحه!

رحلتي في تعلم اللغة الإنكليزية كانت صعبة وشائكة جداً، حيث إنني تخرجت من جامعة الكويت وحالي كحال آلاف الطلبة خريجي الكليات الأدبية الذين لا يعرفون من اللغة الإنكليزية سوى قشورها. كان جل اهتمامنا في تلك المرحلة النجاح في الاختبار والتخرج؛ ولذا كنا نتبع النظام الذي يدعونا للحفظ دون الفهم، وبعدها سننجح إما بحفظنا أو بمساعدة المدرس! تعلم لغة جديدة لا يعني أبدا إتقان الحديث فيها فقط، فاللغة ثقافة وعلم وتفكير ولنا فيمن يعمل معنا في منازلنا عبرة وعظة، فخلال السنوات التي يعيشونها معنا يتحدثون العربية ويفهمون اللهجة المحلية لكن لا يفكرون مثلنا!
"اسم إحدى المعلمات اللاتي أدين لهن بالكثير، فهي من قلبت موازين التعليم عندي وأشعرتني بأن اللغة ليست Page"، اللهجة البريطانية أو التحدث كما يفعل أهل هوليوود، رغم أن إتقان هذه اللهجات من الأشياء الجميلة، نعود لمعلمتي "صفحة"، وعلى فكرة هذا اللقب أو الترجمة الحرفية لاسمها يضحكها جدا، ولذلك أنا أستخدمها هنا. ما يميز معلمتي صفحة عن غيرها أنها تفكر معك ولا تفكر عنك، تتلمس نقاط ضعفك لكنها أبدا لا تنتقدك إنما تشعرك أحيانا أنك تتحدث أفضل من جورج بوش الأب والابن وربما الجد! رغم إدراكها نقاط ضعفك، ومن ثم تعالج هذا الضعف بسياسة "ما بال أقوام".
قبل أن أدرس معها، وهي بالمناسبة مدرّسة خاصة كانت تعطيني فيما يعرف في عالمنا العربي بـ"دروس تقوية" رغم أنها ترفض هذا المسمى لأنها تعتقد أن هذه الدروس هي دروس تطويرية، أهدافها كانت ثلاثة لا غير: الأول التعرف على المسلمين خارج نطاق الإعلام، وكانت تسألني كثيرا عن الإسلام وبلداننا العربية والخلافات المذهبية، هدفها الثاني تمحور حول ترك انطباع عندي وعند غيري بأن العالم الغربي ليس ماديا كما نعتقد، بل هو مجتمع كأي مجتمع فيه الصالح والطالح، وأعتقد أنها نجحت في ترك هذا الانطباع في نفسي، أما هدفها الثالث فكان إشعارك بالثقة بنفسك أكثر وأنت تتحدث، بل كانت تشجع طلبتها كما تنقل لي بالحديث بالإنكليزية بلهجة بلدك الأم!
حديثي حول معلمتي "صفحة" ليس من أجل إبلاغكم أنني تعلمت الإنكليزية! بل لألفت انتباه الآباء والأمهات وكذلك المعلمين إلى ضرورة تبني سياسات تعليمية صحيحة، وإن عجزت الدولة عن توفيرها وربما تطبيقها، فتجربتي معها لم تكن في إطار مؤسسة حكومية، بل كانت دروسا خاصة، لكن لعشقها لعملها وثقافتها استطاعت التأثير بي وبغيري من الطلبة، فأرجوكم حاولوا إصلاح ما أفسده السياسيون في بلداننا.
رسالتي الثانية في هذا المقال أوجهها للطلبة في بلدان الغرب، اترك انطباعا إيجابيا في نفوس المجتمع الذي تعيش فيه، لا تتخلّ عن مبادئك الإسلامية، فتخليك عنها أمامهم يوحي لهم بأن الإسلام خطأ والعياذ بالله، لكن اشرح لهم الفروق بين الدين والعادات والتقاليد، وضّح لهم الفروق بين تصرفات الأشخاص وما يأمر به الإسلام وإن عجزت عن هذا فلا تعجز أن تأسرهم بأخلاقك!
رسالتي الأخيرة لمن تجاوز مرحلة الدراسة في الغرب ونجح، والآن يعمل في مؤسسات الدولة، ما الفائدة من وراء دراستك وإتقانك لغة أخرى إذا عدت إلى بلدك وكنت جزءا من تراجع وطنك؟ أين ما تعلمته في الغرب من احترام للقوانين، وتطوير للذات، ومحافظة على الوقت والقراءة، وغيرها من المميزات الجميلة عندهم؟ ولماذا يعود الكثيرون منا ليندمجوا في تيار اللامبالاة والمصلحة الشخصية في أوطانهم مع أن الأساس في الابتعاث والدراسة في الخارج هو العودة لتطوير الوطن؟!
نعم أفهمك أن الفساد أقوى من مقاومتك الفردية له، لكن أنا هنا أتحدث عن شريحة كبيرة عادت من الغرب منذ ١٩٥٥ في الكويت، فالبعثات لبريطانيا وأميركا قديمة في وطننا، أتمنى أن يسعى الشباب والشيب إلى تعديل الوضع القائم، وأخص بالذكر حملة شهادات الدكتوراه الذين يعملون حاليا في المؤسسات التعليمية، فالأمل فيكم كبير، فلا تضحوا بالقيم من أجل المناصب والصراعات الداخلية!

شوارد:
"مهمة المعلم أن يزرع الصحراء، لا أن يقتلع الحشائش الضارة من الحقول".
لا أعرف قائلها.

http://m.aljarida.com/pages/news_more/2012795624