الثلاثاء، 8 مارس 2016

غيروا عتبة بابكم أو ازيلوها

يُروى أن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، زار ابنه سيدنا إسماعيل في بيته، فقابل زوجته التي لا تعلم أنه، عليه السلام، والد إسماعيل، ثم سألها عن حالهم، فشكت له الحال وضيق اليد والبؤس الذي يعيشون فيه، فحمّلها سيدنا إبراهيم رسالةً لزوجها يأمره فيها أن يغير عتبة بابه! فما كان من إسماعيل إلا أن طلقها وتزوج غيرها، وبعد فترة من الزمن، عاد إبراهيم لزيارة ابنه، فوجد زوجته الجديدة التي ما إن سألها عن حالهم حتى حمدت الله وأثنت عليه ولم تشكُ، فدعا سيدنا إبراهيم لهم بالبركة، وحمّلها رسالةً لزوجها يأمره فيها بأن يثبت عتبة بابه!
كم واحداً منا، يا تُرى، تحيط به هالةٌ من السلبية في العمل أو في البيت أو عند أصدقائه أو في أماكن مرحِهِ ومتعتِه؟ يحاول كثيرٌ منا ممن قرأ في كتب تطوير الذات والتحق بدورات تعليمية في كيفية الرقي بنفسه وحياته ومجتمعه، يحاول التغيير فعلاً في نفسه وحياته ومجتمعه، إذ امتلأت نفسه تفاؤلاً بعد ختام الدورة، فأضحى الأمل وقوده الذي يحاول من خلاله تغيير الآخرين والإسهام في تطوير مجتمعه، لكنه سرعان ما يجد السخرية واللامبالاة والقليل من الاهتمام! فما يكون منه إلا أن يعود ليسبح في مستنقع إحباطهم وكسلهم، ويحاول أن يكون قريباً من اليابسة! وكم من دارسٍ في الغرب أو الشرق عاش في مجتمع مختلف عن مجتمعه، فأخذ منهم الإيجابيات وحاول تطبيقها على من هم حوله من خلال التشجيع والتنوير والتحفيز، فما وجد ردة الفعل التي كان يرجوها، ولربما شعر أن ما يفعله لن ينجح به، فأخذ يضع المبررات لانسحابه ويهوّن على نفسه قلة صبرها وانسحابها من التحدي.
كلنا مرّ أو حتماً سيمرّ، المرورُ يعتمد على سن القارئ، في مرحلة ما من حياته يشعر باحتياجه للتطوير، فيتحمس لإنقاص وزنه أو تعلم لغة جديدة أو البدء بتجارة، أو غيرها... وفور أن يبدأ، ربما يجد السخرية أو ما هو أقسى منها؛ وهو عدم التشجيع أو اللامبالاة! وهنا يجب أن أشير إلى نقطة مهمة حول التشجيع، فالتشجيع لا يعني الكذب أبداً ولا حتى المجاملة، إنما يعني تحفيز صاحب العمل من خلال إرشاده الى تصحيح الخلل وإضافة الأمل إلى قلب المجتهد وعقله، ولقد شهدت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشجيعاً لسفهاء وصل بهم الغرور أن يعتقدوا أنهم ملكوا كل شيء!
نعود إلى قضية الحماس والفشل الذي يرافق ذلك الذي يشعر باحتياجه للتطوير، فأنا لا أرمي على المجتمع والبيئة كل شيء، وإن كانا أهم وسائل الإحباط، لكنني أعاتب المتحمس ذاته! فالقرارات التي يأخذها القلب وتوافق عليها العاطفة هي في الغالب قرارات فاشلة؛ لأن العقل غير مقتنع بها. أما إذا تصدر العقل المشهد وفكر وتدبر ثم لم يدبر ولم يستكبر، فإن القرارات في الكثير من الأحيان تكون في محلها، إذ إن ضعف النفس والعاطفة لا يزحزح ثبات العقل!
السؤال هنا: كيف بي إذا اتخذ عقلي قراراً، بيْدَ أنّ البيئة التي حولي تضغط عليّ لأتركه وأعود إلى حماهم؟ هنا أقول لك اعتزل كل أحد، وأزل عتبة باب حتى تجد البديل! ولكن قبل أن تزيل ذلك، عليك بذل الأسباب التي توضح لهم من خلالها سبب تغييرك، وأن تصبر عليهم وتعطيهم الفرص، فإذا فعلت ما بوسعك، و"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، ووجدت أنهم عبء عليك وثقل يجرك نحو ما لا تحب فاخلع العتبة! ولا يخدعنّك عقلك فيذكرك بطول عشرة زوجة أو ابتسامة صديق وربما موقف زميل، فهذه الإيحاءات الإيجابية يفترض في مثلك ألا ينساها ويُنكرها، لأن مثلك يجب ألا يكون جاحدا، وتغيير العتبة لا يعني النكران، لكنه، بكل تأكيد، يعني التجديد.
غيروا عتباتكم بالحسنى واخلعوها برفق، ولكن قبل الإزالة لا بد من الصبر والبذل والتعليم والإرشاد، حتى إذا استنفدت الوسائل وضاعت الحكمة وسط صراخ الفوضى فغيّر واعتزل! ولا تتردد، فالمجتمع يحتاج مجموعات المعتزلين حتى تنقذه مما هو فيه!

«شوارد»:
 "يا هذا إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهابة، احذر معاشرة الجهال فإن الطبع لص". ابن الجوزي


http://m.aljarida.com/pages/news_more/2012796956