الأربعاء، 7 مايو 2014

النخب السياسية والحراك الشبابي في الكويت مقاربه تاريخية

النخبة السياسية والحراك الشبابي في الكويت مقاربه تاريخية

الربيع العربي هو بلا شك منعطف تاريخي مهم في تاريخ الشعوب العربية إذ أن الحركة الثورية للشعوب العربية في بدايات القرن العشرين قامت على أسس العدالة والمساواة وطرد المستعمر الأجنبي. ثم قامت ثورات العسكر بهدف تخليص الشعوب من همينة الاستبداد الغربي وتطبيق العدالة والمساواة والحياة الكريمة التي لا يزال يفقدها المواطن العربي من المحيط إلى الخليج.

كويت القرن العشرين لم تكن بعيدة عن حراك الشعوب في المنطقة بل كانت داعما رئيسيا للشعوب العربية في نضالها الكتاب الأحمر للقومين العرب شاهد على تبرعات أهل الكويت السخية لثوار فلسطين وهو شاهد على وجود العديد من رموز حراكهم ضمن ما يعرف بالتنظيم السري للقومين العرب كعبدالله الصقر وخالد العدساني وعبداللطيف الغانم ، ولأن طبيعة المجتمع الكويتي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم طبيعة خاصة فالكويت تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم العربي التي وصل حكامها لسدة القرار بالاتفاق مع الشعب منذ تأسيسيها على نظام الشورى الإسلامي في القرن السابع عشر ، هذا التمهيد التاريخي لشرح طبيعة العلاقة بين النخب السياسية في الكويت والشباب منذ عام ١٩٢١ إلى يومنا هذا.

١٨٩٦ فترة انتقالية في تاريخ الكويت الحديث فهي المرة الأولى التي ينتقل فيها الحكم للحاكم عن طريق القتل عندما قام الشيخ مبارك بن صباح وابناؤه بقتل الشيخين محمد وجراح الصباح والاستيلاء على السلطة ، الحكم الاستبدادي للشيخ مبارك كما يصفه المؤرخون الكويتيون كعبدالعزيز الرشيد ويوسف بن عيسى أثر كثيرا على الحياة السياسية والاجتماعية في الكويت ففترة حكمه شهدت استبدادا لا نظير له في تاريخ الكويت الحديث فلأول مره يتم منع الغاصة من مزاولة الغوص بغرض حماية الدولة وهو ما أثر على أرباح التجار فهاجر أبرز تجار اللؤلؤ من الكويت بسبب هذا المنع ، هذه الهجرة كانت معارضة قوية فتجار اللؤلؤ الذين هاجروا كانت قوتهم الإقتصادية هي الأساس في ميزانية الدولة فقد ذكر المعتد السياسي البريطاني في رسالة لها عام ١٩٠٩ " أن عدد الذين سيهاجرون للحاق بالتجار هم ما بين ٦٠٠٠ الى ٨٠٠٠ انسان" وغالب هؤلاء من العاملين على السفن الشراعية جلهم من الشباب وهنا يتضح حجم التأثير الشبابي على القرار السياسي وإن كانت الغلبة في هذه المرحلة للقوة الإقتصادية للتجار.

وحكم مبارك بن صباح (١٨٩٦-١٩١٥) كانت بداية التحركات السياسية المعارضة للأسرة الحاكمه فالشيخ مبارك على مميزاته العديدة الاقتصادية والسياسية إلا أنه كان مستبدا في قرارته لدرجة تدخله في شؤون الناس فلأول مرة في تاريخ الكويت الحديث يتميز الحاكم على المحكوم باللباس والمركب كما ذكرالرشيد في كتابه تاريخ الكويت أن مبارك منع أهل الكويت من لباس الثوب المطرز ومنعهم من ركوب العربة التي يجرها الخيل واكتفى بذلك لنفسه ولأفراد أسرته.

وفي عام ١٩٢١ اجتمع تجار الكويت قبل مبايعة الحاكم الجديد أحمد الجابر على الزامه بالعودة لمنهج الشورى من خلال تأسيس مجلس لهم وسبب طلبهم هذا أن المصالح التجارية لهم تأثرت كثيرا بكثرة الحروب في عهد مبارك وابنائه سالم وجابر وكذلك حصر القرار السياسي في الحاكم وقد كانوا شركاء في القرار بسبب المساهمة المالية الكبيرة منهم في ادارة شؤون الدولة ، ١٩٣٨ كان هناك تحول وتطور في اعتراض التجار والسياسيين الكويتيين على الوضع فقد ظهر لأول مره في تاريخ الكويت السياسي كتلة عمل منظمة سميت الكتلة الوطنية قام على تأسيسها مجموعة من التجار والوجهاء قياداتهم من الشباب كعبدالله الصقر وخالد العدساني بغرض اصلاح الوضع الاجتماعي والسياسي في الكويت واعتمدت هذه الكتلة بشكل رئيسي على الشباب الوطني المتحمس.

 كان قيام هذه الكتلة اعتراضا على سوء إدارة الشيخ أحمد الجابر للبلاد من جهة ومن جهة أخرى تأثرهم بالعراق إذ حول معظم تجار الكويت تجارتهم ناحية استثمار الأراضي في البصرة ونقل الماء من شط العرب بعد الكساد الاقتصادي العالمي في مرحلة الثلاثينيات واختراع اللؤلؤ الصناعي الياباني وحصار ابن سعود الاقتصادي للكويت ، الملاحِظ لأحداث ١٩٣٨ يجد أن الشباب تكبدوا أكبر الخسائر بعد حل المجلس التشريعي الثاني ١٩٣٩ وحتى قبله فالشباب كانوا هم الشرارة التي أشعلت الأحداث عندما قام محمد البراك بالاعتراض على منع سواق التاكسي من أخذ النساء والأطفال للتنزه خارج أسوار الكويت فتم ضربه ضربا مبرحا واهانته علانية وابعاده من الكويت إلى الهند كما تشير الوثائق البريطانية.

 أما في نهاية أحداث مجلس ١٩٣٨ فقد قتل محمد القطامي وهو من الشباب المؤيدين لنواب المجلس وكان المشرف على حرس الشواطئ والجمارك خلال محاولته الدفاع عن شاب آخر هو محمد المنيس الذي أُعدم وكان أول قتيل سياسي في الكويت وسبب القتل هو تصريحه بآرائه علانية ضد الحاكم وأسرته أما نواب المجلس فلم يُقتل منهم أحد وهرب بعضهم للعراق وسجن آخرون ثم اطلق سراحهم، وأنا هنا لست بصدد تحليل أحداث ١٩٣٨ بل بصدد عرض العلاقة بين ماتقوم به النخب السياسية في الكويت من اشعال فتيل النزاع مع السلطه للوصول لهدف سياسي أو اقتصادي معين وبين تضحيات الشباب الكبيرة وتبيان الخلل التاريخي المتكرر في العلاقة بين الطرفين في مراحل مختلفة من تاريخنا السياسي.

هذه التضحيات لم تتوقف فاستمرت في الخمسينيات والستينيات وصولاً إلى الألفية الثانية الحالية ، لم يستوعب الشباب حتى الآن أن الشعارات التي يطلقها الساسة في الكويت على اختلاف توجهاتهم إنما هي شعارات يراد منها التفاوض مع السلطة خلف الكواليس فبإستثناء حركة ١٩٣٨ حاول السياسيون الكويتيون اثارة عواطف المجتمع والشباب المتحمس خصوصا ولكن دون الاستعداد للتغيير الفعلي للواقع السياسي، فهناك مربع رسمته السلطة لا يستطيع الساسة الكويتيون تجاوزه باستثناء ساسة ١٩٣٨ ، تحول الكويت لدولة نفطية ذات سياسات ريعية أثر كثيرا في السيطرة على عقلية المواطن الكويتي فانحدر المستوى الثقافي والتعليمي للشاب الكويتي خصوصا الذي صارت شعارات نواب مجلس الأمة بالنسبة له شعارات قرآنية لا يمسها أحد.


عندما أطلق المدون الكويتي طارق المطيري عبارته الشهيره "ارحل نستحق الأفضل" في ٢٧-١٠-٢٠٠٩ والتي صارت فيما بعد شعارا لثورات الربيع العربي كان نواب المعارضة الكويتية يصرحون في الصحف المحلية عن امكانية التعاون مع رئيس الوزراء السابق ناصر المحمد الصباح بل بعض رموز المعارضة صرح أن ناصر المحمد هو رجل المرحلة في بدايات تعيينه رئيسا للوزراء مثل النائب مسلم البراك والنائب أحمد السعدون وهم من رموز الحراك الكويتي.

 بعد عامين من حملة "ارحل" وتحديدا في ١٦-٩-٢٠١١ اتضح للجميع أن هناك طرفين في الحراك الشباب والنواب الذين يمثلون النخبة السياسية اليوم، فبينما كان الشباب يطرحون في ساحة الصفاة نظرتهم للتغيير في الكويت من خلال اقرار قانون الأحزاب والحكومة المنتخبة وبعضهم يطرح الإمارة الدستورية كشباب حزب الأمه ، كان السياسيون وتياراتهم يناقشون رحيل رئيس مجلس الوزراء واستبداله وكوني أحد من حضروا تجمع الشباب فلم يكن عدد الحضور يتعدى ال١٥٠ شخصا على الاكثر بينما تجاوز الحضور عند النواب والتيارات السياسية الالف ربما.

الحراك الشبابي ينقصه التنظيم المؤسساتي كما أن هناك إشكالية تدني المستوى الثقافي وليس التعليمي للشباب الكويتي، فتقديس نواب مجلس الأمة والاهتمام العالي بكلماتهم وأقوالهم والتسليم لهم على الرغم من اختلاف مواقفهم وتبدلها تبدلاً واضحا ربما يقلل من أهمية التأثير الذي سيقوم به هؤلاء الشباب في الحياة السياسية الكويتية، الرمزية السياسية الكويتية لاتزال ترتبط بأشخاص تموت بموتهم ويندب الجيل الذي يأتي بعدهم الحظ ويتفاخر بأمجادهم دون الخروج باستراتيجية واضحة عن كيفية تطوير الحياة السياسية الكويتية.

الحراك الشبابي لم يُقدربشكل جيد ربما عواقب الدخول في تحالف مع النخبة السياسية وأعادوا خطأ من سبقهم فلم يقرؤا التاريخ بالشكل الصحيح لكون تجربتهم السياسية كانت نابعه من معاناة يشعرون بها لا هدف سياسي يطمحون إليه، الشباب لم يكون كتلة واحده للتفاوض مع السلطة أو النواب وبذلك كان طرفي النزاع السياسي أقوى في تسيير التفاوض من الشباب.

 نشأت العديد من الحركات الشبابية كحركة كافي والسور الخامس ثم في وقت لاحق تفكك بعض هذه الحركات وتكونت حركات جديده كحركة حشد وحدم وغيرها بعضها كان ولازال يحمل هدفا ورؤية وبعضها تأسست نتيجه تدخلات التيارات السياسية أو رغبة بعض الشباب في تصدر النشرات الإخبارية ، هذا التشرذم أدى إلى سهولة القضاء على هذه الحركات كما أن من أخطاء هذه التجمعات عدم استقطاب بعض فئات المجتمع كالشيعة فنسبة الشيعة في الحراك الشبابي بسيطة جدا.

دخول الشباب في حركة نهج التي أسستها التيارات السياسية والنواب دون أي اشتراطات فعليه مكتوبه ساهم في ابعادهم تدريجيا عن قيادة الساحه واستغلالهم في توصيل رسائل من النخبة إلى السلطة فدهاليز السياسية كان تعقد فيها صفقات بين النواب وبعض المتنفذين كالشيخ أحمد الفهد والشيخ ناصر المحمد وهو ما كان الشباب بعيدا عنه فلم يدركوا آثاره إلا لاحقا.

 العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيها نوع من الارتباط الأبوي والشعب بطبيعيته مرتاح ماديا فليس الجوع والظلم هو من أخرجه كحال ثوار ليبيا أو سوريا أو مصر ، والدليل أن الكثير من تكتل نواب نهج عارض في البداية فكرة الإمارة الدستورية والحكومة المنتخبة والأحزاب بل استغرق الأمر منهم العامين ليصعدوا حراكهم ويطلق مسلم البراك خطاب لن نسمح لك وهو الخطاب الذي جاء بعد ابطال عضويتهم في مجلس ٢٠١٢   بيان الأغلبية  فالمصلحة هي من مُست بالنسبة لهم.

أحداث مسيرات كرامة وطن كانت بيانا واضحا بأن الشباب هم من قدم التضحيات والنواب هم من أخذوا الانتصار فعند سؤالي لأحد ضباط القوات الخاصه التي رفض أن اذكر اسمه كان عدد الشباب المعتقلين والذين تم اطلاق صراحهم دون تحويلهم للنيابة العامه ١٠٠٠ شاب خلال مسيرات كرامة وطن جميعها.

وفي المقابل عدد القضايا المرفوعة على الشباب كما ذكر لي المحامي حسن الكندري وهو أحد المحامين الناشطين في مجال حقوق الانسان ومحامي عن الشباب أن عدد الشباب الذين رفعت بحقهم قضايا تجمهر هو اكثر من ٢٥٠ شاب أما من رفع بحقهم قضايا المساس بالذات الأميرية فعددهم ٢٢٠ تقريبا وهذا دليل دامغ على أن وقود الحراك هم الشباب.

أما النواب فعلى الرغم من وجود قضايا على بعضهم إلا ان تأثرهم لم يكن كبيرا فعلى سبيل المثال لم يخسر أحدهم وظيفته كما حصل مع الشاب راشد العنزي ولم يحبس أي منهم أكثر من اسبوع كما حصل مع بقية الشباب المعتقل والطامة الكبرى أن بعض النواب الذي أشعلوا مسيرات كرامة وطن الرافضة لمرسوم الضرورة بتحويل الأصوات في الدوائر الانتخابية من ٥ اصوات الى صوت واحد طالبوا الناس بالتصويت في الانتخابات الأخيره كالنائب السابق محمد هايف وبعضهم يلمح اليوم بإمكانية خوض الانتخابات في حال تعديل المرسوم الاميري إلى صوتين مثلا عن طريق مجلس الأمة الحالي! 

الشباب أنفسهم خرجوا على شاشات التلفزة يطالبون بتغيير الدستور عن طريق الانتخابات ومجلس الأمة وهم ذاتهم الذين قالوا في مسيرات كرامة وطن "لن نسمح لك"، طارق المطيري الذي أطلق شعار أرحل يطرح اليوم مسودة تعديلات دستورية عن طريق مجلس الأمة الذي تحله الإرادة الاميرية وترفض تعديلاته أيضا الإرادة الأميرية وقد ذكر ذلك صراحة في لقاءه التلفزيوني على شاشة قناة الوطن أن تعديلات حركة حدم ستكون داخل قاعة البرلمان ، هذا الإصرار على اتباع القواعد التقليدية للعبة السياسية يجعل الحراك الشبابي سطحي الفكر إذ أن نواب مجلس الأمة لم يستطيعوا تمرير تعديلات دستورية منذ ١٩٦٢ كما أن النظام الانتخابي الحالي في انتخاب افراد يمثلون انفسهم يجعل من الصعب جدا ان لم يكن مستحيلا احداث أي تعديل دستوري حقيقي، واذا فرضنا جدلا أن ثلثي المجلس استطاعوا التصويت على تعديل الدستور فإن ارادتهم عاجزة مالم يوافق الأمير عليها وفقا لنص المادة ١٧٤ من الدستور فكيف يتم تعديل الدستور تعديلا جوهريا والحكم في النهاية ليس بيد المجلس؟ 

السلطة ممثلة بالأسرة الحاكمه لديها هاجس السيطرة على الثروة والقوة فتمنع قيام قوى اجتماعية وسياسية مستقله تعبر عن واقع المجتمع الحقيقي فهي تحارب مثل هذه الجماعات بالقضايا تارة والإعلام تارة أخرى مثلما حدث مع التيار التقدمي وحزب الأمة على سبيل المثال، النخب السياسية في الكويت منذ تأسيس الدولة الحديثة ١٩٦١ لم تنجح في إقرار رؤية واحده فالتعليم والصحة والإسكان كلها قضايا تناقش في جميع مجالس الأمة والسلطة تتحكم بسير العملية السياسية من خلال التحالفات التي تعقدها كل عقد مع تيار معين فالنخب السياسية متمثلة بالنواب بالدرجة الأولى مخترقة من قبل الأسرة الحاكمه وبذلك أي تحالف بين الشباب والقوى الإجتماعية وبين هذه النخبه يؤدي إلى الوصول لمصلحة السلطة في الغالب.

يفتقد شباب الحراك الكويتي إلى المشروع السياسي الواضح المتفق عليه فكل مجموعة ترى الاصلاح من زاوية مختلفه وبعض المجموعات تابعة للنواب بشكل واضح والبعض الآخر صاحب مشروع سياسي كحركة حدم لكنهم في الوقت ذاته أعضاء في ائتلاف المعارضة الذي ليس له من اسمه نصيب ، إذا رغب الحراك الشبابي السياسي في الكويت أن يصل لدولة ديمقراطية عصرية وإمارة دستورية عليه بالعمل والتضحية من أجل أهدافه أما الخطابات الرنانه والتغريدات النارية لن تغير من الواقع شيء ، الحل بمؤتمر وطني شبابي جاد تُشكل من خلاله كتلة واحده تفرض أجنداتها على السياسين وليس العكس. فالوعي السياسي قد يكون عليا لكن الخلفية الثقافية والالتزام تأتي في المستقبل الخوف على الحراك الشبابي ليس من نفسه لكن من فرض وصاية نخوبية متعالية من قبل التيارات السياسية كما يحدث حاليا.