الأحد، 21 أغسطس 2011

جراحاتٌ لها في القلب عمقُ!


منذ أن بدأت ثورة الأبطال في دمشق وأنا أُفكر كيف أكتب مقالاً ؛أمزج فيه بين روحي وفكري وحبي للشام وأهلها ما السبيل الى ترك قلمي ينتفض فيكتب ملحمةً تُخلد في تاريخي فيقال رحم الله عبدالرحمن يوم انتصر لمصر وانتفض لليبيا وترحم على أمير الثورات ورمزها بوعزيزي تونس ولم ينسى سوريا.

حبي لسوريا منبعه عشقي لكتابات أديب الفقهاء علي الطنطاوي رحمه الله وكيف لا تحب دمشق وأنت تقرأ له كتابه دمشق!،هل تعرفون ماقاله عن دمشق؟ قال " دمشق وهل توصف دمشق؟ هل تصور الجنة لمن لم يرها دمشق دنيا من أحلام الحب وأمجاد البطولات وروائع الخلود؛دمشق اقدم مدن الأرض وأرسخها حضارة دمشق تعانقها الغوطة وتحرسها الربوة ذات الشاذروان"

هل تعلمون ياسادتي أن الطنطاوي من ثوار سوريا اليوم! نعم هو ثائرٌ صبور عاصر زمن الفرنسيين فخطب في أهل دير الزور خطبة جمعة نارية كان لها أثرٌ كبيرٌ في نفوس الناس، قال فيها: ‘لا تخافوا الفرنسيين، فإن أفئدتهم هواء، وبطولتهم ادَّعاء، إن نارهم لا تحرق، ورصاصهم لا يقتل، ولو كان فيهم خير ما وطئت عاصمتَهم نِعالُ الألمان’!م."

وحينما استولى البعث وتقلد حافظ الاسد الحكم قتل ابنته بنان الطنطاوي ، لماذا قتلها لأن زوجها عصام العطار قائد الاخوان المسلمين! ؛ ألا يذكركم هذا الفعل بشيء؟ يذكرنا بابنه بشار الاسد عندما قام أطفال يحملون قلوب رجال بالكتابة على الجدران عبارات أشعلت الحماسة في قلوب اهل الشام وفجرت الغضب وأثارت بركان التمرد على الاستبداد فما الذي حصل؟ قتل الآلاف لانهم ايدوا ماكتبه الاطفال فهل فهم بشار أن الأمور تحل بالتفاهم والحوار !

لا لم يفهم فهو دون عقل لا يعي أن الكرامة الإنسانية من العار تدنيسها وأن حاجز الخوف لدى الشعوب العربية صار من الذاكرة بعد خطاب بن علي الشهير أنا فهمتكم! وأن أحفاد الأبطال وضعوا لامة الحرب وسلو سيوف الشجاعة فخرجوا يدافعون عن كرامتهم وينشدون حريتهم مستمتعين بأزيز الرصاص مستنشقين أريج دماء الشهداء متوكلين على الله يسألونه اما النصر واما الشهادة،فصار الشهيد يزف كالعريس كيف لا وهم من احفاد الأديب الطنطاوي.

لكل شامي فقد عزيزاً اسمع ما يقوله فقيه الادباء في ذكرياته "ما صدقت إلى الآن وقد مر على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة الآن يقصد عام 1404 هـ ، وأنا لا أصدق بعقلي الباطن أنها ماتت ، إنني أغفل أحيانا فأظن إن رن جرس الهاتف ، أنها ستعلمني على عادتها بأنها بخير لأطمئن عليها ، تكلمني مستعجلة ، ترصف ألفاظها رصفاً ، مستعجلة دائما كأنها تحس أن الردى لن يبطئ عنها ، وأن هذا المجرم ، هذا النذل .... هذا .......يا أسفي ، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يطلق على مثله ، ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام ، إن في اللغة العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة ، وأمثالها ، ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدد الجارة بالمسدس حتى طرقت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها ، ثم اقتحم عليها ، على امرأة وحيدة في دارها فضربها ضرب الجبان ، والجبان إذا ضرب أوجع ، أطلق عليها خمس رصاصات تلقتها في صدرها وفي وجهها ، ما هربت حتى تقع في ظهرها كأن فيها بقية من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون ، ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ..........ولكن على أقدامنا نقطر الدما ثم داس الـ .... لا أدري والله بم أصفه ، أن قلت المجرم فمن المجرمين من فيه بقية من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدميه النجستين على التي قتلها ظلما ليتوثق من موتها ، ولكنه فعل ذلك كما أوصاه من بعث به لاغتيالها."

بالله عليكم أليس هذا ما يحدث اليوم قناصة يقتلون المتظاهرين غدراً شبيحة يضربون المعتقلين ظلماً وجورا مأجورين ينتهكون الأعراض ويدنسون الشرف ويهدمون بيوت الله جهرا،جبناء يحملون البنادق يقابلهم شجعانٌ يكشفون صدورهم لايهابون الموت،بشارات النصر بدأت تهب فسوريا انتفضت عن بكرة أبيها، أدرك الناس أن أمام أمرين اما الموت أو الحرية.

صموا آذانهم عن علماء السوء وادركوا بفطرتهم السوية أن الاستعباد مذموم في الدين تذكروا كلمات الفاروق عمر بن الخطاب متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا،جعلوا من كتاب جدهم عبدالرحمن الكواكبي طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد فهموا منهم معنى الاستبداد حين قال " لو كان الاستبداد رجلا، وأراد أن ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وإبني الفقر، وإبنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة" فانتفضوا.

وركزوا في قوله لهم "إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه وخوفهم عن توهم التخاذل فقط." فثاروا ونفوسهم عامرةٌ باليقين بأن الله سينصرهم وان خذلهم العالم فعلمونا درساً في اليقين فكانت جمعة الله معنا ثم لن نركع الا لله وختموها بجمعة بشائر النصر لأنهم نفوس أبيةُ تكره الظلم وتمقت الإستبداد فهي كالفرس الأصيلة لا يروضها إلا النبلاء فهن من يحسن معاملتها ويفهمها وتتركه بدورها يمتطيها.

لله دركم يا أبطال سوريا والله لم أشاهد أشجع منكم تفوقتم على ثورات العرب بأن كنتم تؤمنون بأن الله سينصركم فخرجتم تطلبون اما النصر او الشهاده،لله دركم يا أحفاد العظمة وشهداء ميسلون كتبتهم تاريخكم في صفحات التاريخ بدماءٍ لا تمحى ؛ لله دركم يا أحفاد الكواكبي فهمتم وصية جدكم بعد مئة عام.

ارجوكم متى ما اسقطتم الصنم فضعوا لاديب الفقهاء علي الطنطاوي نصباً في قلوبكم فقد مات وهو يشتاق لكم لدمشق لبردي لجبل قاسيون لحي المهاجرين للغوطة لدير الزور لحماة وحلب وكان دائم الترنم بقصيدة امير الشعراء

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ" "وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي" "جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي" "إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي" "جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ" "وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري" "وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ" "يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا" "إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا" "وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ" "وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ" "بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ" "وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ

رحم الله الادباء الشهداء فقد كانت الشام ودرتها دمشق ملهمتهم ، واسقط الله بشار وزبانيته ودمرهم تدميرا،لعل الحياة تعود لنهر بردى فتدور السواقي وتخضر القلوب ابتهاجاً بخذا الربيع العربي