السبت، 26 مارس 2011

تاريخ المكتبة الأهلية


مقال نشر لي في مجلة التراث التي تصدر عن جامعة الإمارات

للمكتبة دور في حياة الشعوب وما أرتقى شعب إلا بالثقافة والكتاب ، فالمعرفة طريق سريع نحو الحضارة والتمدن ، وانتشار المكتبات العامة وثقافة القراءة بين الشعوب دليل على تحضرها ، وفي عالمنا اليوم صارت المكتبات العامة معلماً من معالم الحضارة في أي مدينة ، ومدرسة ذاتية لكل إنسان يرغب في التطور والرقي بذاته.

والمكتبة كانت ولا زالت المؤسسة الثقافية التي تنور الأجيال من أجل الحفاظ على التراث والأفكار ، فهي مكانٌ للجلوس مع العلماء بعد وفاتهم والإستفادة من خبراتهم ، ولذلك كان للمكتبة دور كبير في تراثنا العربي الإسلامي فمن حفظ الكتب في البيوت إلى انشاء دار الحكمة في عصر هارون الرشيد مرورا بتدمير المغول للإرث الثقافي وانتهاءا بحقبة الأندلس الجميلة التي لولا المكتبات والكتب لربما لم يصلنا منها شيء.

وقد حرص أهل الكويت منذ القدم على اقتناء الكتب ، فلكثرة سفرهم للتجارة وتجولهم في مناطق متعددة والإحتكاك مع شعوب مختلفة ، صار عندهم نوع من الإنفتاح والتمدن فإشتركوا في مجلات عديدة صدرت في بدايات القرن العشرين كالرسالة والمقطم والهلال والبلاغ والأهرام وغيرها من المجلات العربية الرائدة.

ولما كان المجتمع الكويتي مجتمعا منفتحا وعميق في علاقاته الإجتماعية ، عرفت الكويت الديوانية وهي مجلس الرجال الملحق بمنازل الأسر الكويتية ، وفيه يلتقي رجال الحي في المناسبات وفي أيام متعارف عليها ، ولم تكن الديوانية مجرد مجلس عادي بل كانت ذات أثر عميق في حياة أهل الكويت ، ومن ضمن الآثار العديدة للديوانية كان أثر القراءة وإقتناء الكتب ، حيث كان بعض رجالات الكويت تقرأ في ديوانيته الكتب ولدى بعضهم مكتبات خاصه تحتوى على أعداد لا بأس بها من الكتب ، وقد اشتهرت بعض الدواوين كآل البدر وكذلك ديوانية الشيخ يوسف بن عيسى القناعي.
ومن أشهر من اقتنى مكتبة خاصة في الكويت الشيخ ناصر بن مبارك الصباح ويعتبر أحد أدباء الكويت وكان ضريرا ، ذكره الزركلي في موسوعته الأعلام (7/349) ، ويذكر صاحب كتاب من هنا بدأت الكويت أن الشيخ ناصر بن مبارك كانت له مكتبة تحتوي على ثلاثة آلاف كتاب من أهم المصادر والمراجع.

وفي عام 1913 أنشئت الجمعية الخيرية في الكويت وكان من ضمن اسهاماتها أن كونت مكتبة كبيرة جمعت من تبرعات أهل الكويت وكانت نواة لتأسيس المكتبة الأهلية في الكويت.

تأسست المكتبة الأهلية عندما شعر المثقفون الكويتيون بأنهم خسروا مكان وجودهم بعد إغلاق الجمعية الخيرية وتحويل مكتبتها لبيت البدر الذي صار قبلة للمثقفين من الكويت خاصة ودول الخليج والعراق كذلك ، ولكثرة تردد المثقفين ظهرت فكرة ضرورة وجود مكتبة عامة تكون مقرا لطلبة العلم ومنتدى وصالونا ثقافيا للمثقفين من أجل البحث والمطالعة.

فتبنى الفكرة كل من الشيخ يوسف بن عيسى القناعي وعبدالحميد الصانع وسلطان ابراهيم الكليب ، وكانت مساهمتهم كبيرة في تاسيسها وكان للشيخ يوسف بن عيسى دورا بارزا في جمع التبرعات وكذلك الكتب ، وفي عام 1922 أختير " بيت علي العامر " مقراً للمكتبة الأهلية ونقل إلى المكتبة ما تبقى من كتب الجمعية الخيرية التي حفظتها عائلة البدر وعين السيد / عبدالله العمران النجدي أمينا للمكتبة الأهلية ، وقد ساهم بعض التجار في المكتبة من خلال الدعم المالي للإشتراك في المجلات العربية المشهورة منها البلاغ والقبس السورية والأهرام.

ولسوء اختيار مقر المكتبة الذي كان يقع في شارع ضيق تم نقلها إلى دكان كبير لأحد التجار يقع في شارع الأمير وتم تعيين مبارك بن جاسم القناعي أمينا جديدا للمكتبة ، وبعد فترة قصيرة نقلت المكتبة إلى دكان آخر قريب من المدرسة الأحمدية وأهملت وصارت لا تفتح أبوابها إلا نادرا الأمر الذي سبب في تلف الكثير من الكتب ومقتنيات المكتبة.

وبعد انشاء المكتبة بسنتين وجد الكثير من الشباب الكويتي أن المكتبة لوحدها غير قادرة على النهوض بالكويت من الناحية الفكرية والثقافية خصوصا أن المكتبة لن تكون فاعلة إذا لم تجد كوادر تهتم بها فالمكتبة ليست مجرد خزانة لحفظ الكتب بل دورها أكبر من ذلك بكثير.

من هنا اجتمع خالد سليمان العدساني بمجموعه من شباب الكويت واتفقوا على إنشاء نادي أدبي يدعم المكتبة ويكون منبرا لمناقشة القضايا الفكرية والأدبية والإجتماعية ، وافتتح النادي في رمضان من عام 1924 وانتخب الشيخ عبدالله الجابر رئيس دائرة المعارف رئيسا له وعيسى عبدالملك الصالح القناعي مديرا ومحمد أحمد الغانم أمينا للصندوق.

استمر وجود المكتبة حوالي اثنا عشر عاما دون دور يذكر وقل الإهتمام بها فساء هذا الأمر مجموعه من الوجهاء ممن كانوا يعشقون الثقافة خصوصا بعدما عاينوا الأضرار التي أصابت الكتب ، فقد تلفت مجموعة كبيرة جدا من الكتب وفقدت بقية الكتب ، فكونوا لجنة كان في عضويتها كلٌ من :
الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ، والسيد علي السيد سليمان ، وعبدالله الحمد الصقر ، وسليمان خالد العدساني ، وعبداللطيف محمد الغانم ، وخالد عبداللطيف الحمد.

قرر المجتمعون اقامة مقر دائم للمكتبة ، وهنا كان للمرأة دور في ذلك فعندما سمعت السيدة "شاهه الحمد الصقر " بهذا الأمر قررت التبرع بدكان لها يقع في قيصرية التجار كمقر دائم للمكتبة ، كما قام الأعيان ممن كونوا اللجنة باستأجار دكاكين أخرى اضيفت للمكتبة.

وعندما بدأ العمل على إعادة المكتبة للحياة مرة أخرى ، ظهرت المأساة وهو أن عدد الكتب المتبقية من المكتبة مائتين كتاب من أصل ألف وخمسمائة كتاب عند تأسيسها ولكن هذه الخسارة الفادحة لم تمنع اعادة المكتبة للحياة ، فعين السيد محمد صالح التركيت أمينا للمكتبة الجديدة وأستمر الحال على ماهو عليه سنة كاملة وبعدها ألحقت المكتبة بدائرة المعارف في عام 1937 وغيّر إسمها إلى "مكتبة المعارف العامة".

ولا بد من وقفة مع هذه الأسماء فاهتمامها بالمكتبة والثقافة لم ينبع من فراغ فالشيخ يوسف بن عيسى القناعي صاحب دور كبير في المجتمع الكويتي منذ بداية عشرينيات القرن الماضي فهو عضو مجلس الشورى الأول وصاحب الفضل في انشاء المدرسة المباركية ثم الأحمدية وهو فقيه وأديب وشاعر أدواره متعدده وصاحب بصمة كبيرة في تاريخ الكويت الحديث.
أما السيد علي سيد سليمان فهو عضو في المجلس التشريعي 1938-1939 ومن كبار تجار الأقمشة وعضو في مجلس المعارف 1936 وصاحب مساهمات فاعلة مع تجار الكويت لدعم التعليم .
وكذلك هو الحال بالنسبة لعبدالله الحمد الصقر إذ كان من مؤسسي الكتلة الوطنية التي مهدت لقيام المجلس التشريعي الأول في الكويت 1938 وكان عضوا فيه ، ومن قبله كان عضوا في مجلس المعارف 1936 وتاجرا كبيرا كثير الأسفار والإحتكاك مع الشعوب الأخرى ، أما سليمان العدساني فهو كذلك له دور بارز في اقرار الحقوق التشريعية للكويتيين وعضو في المجلس التشريعي 1938-1939 ومجلس المعارف 1936 ومن رجالات الكويت ووجهائها.

أما عبداللطيف محمد الغانم فهو ابن محمد الغانم أكبر تجار اللؤلؤ في زمانه تلقى تعليمه خارج الكويت وكان له دور في دعم القضية الفلسطينية في عام 1936 وكذلك انضم لجماعة الكتاب الأحمر التي كانت تدعوا للقومية العربية وله دور بارز في الحركة الوطنية التي ساندت قيام المجلس التشريعي .

ونختم بخالد عبداللطيف الحمد الرجل العصامي الذي قدم والده من منطقة الزلفي في نجد إلى الزبير حاضرة الجزيرة في ذلك الزمان حيث ولد خالد الحمد هناك ثم انتقل بعد ذلك للكويت وعمره أربعة عشر عاما وعمل في اليمن وسواحل أفريقيا حتى كون ثروة كبيرة وصار صاحب جاهه ، أصبح خالد الحمد عضوا في المجلس التشريعي 1938 ومساهما فاعلاً في المجتمع الكويتي من خلال دعمه المادي والإداري.
كل هذه التفاصيل تدل على مدى الوعي والثقافة لدى وجهاء المجتمع الكويتي في ذلك الوقت الأمر ولذلك أدركوا أهمية المكتبة ودورها في تنمية عقول المجتمع وبشكل خاص الشباب .

وقد تحولت "مكتبة المعارف العامة" بعد ذلك إلى معلم من معالم الكويت وبدأ الإهتمام بها بشكل كبير ، فأضيفت لها شتى أنواع الكتب في جميع العلوم والمعارف وكانت نواة للمكتبة الوطنية بعد الإستقلال .

وفي عام 1990 عندما حصل الغزو العراقي الغاشم للكويت لم تسلم المكتبة الوطنية من النهب ، فقامت القوات العراقية بنقل محتويات المكتبة إلى بغداد وحفظت هناك مدة الغزو ، ولكن بعد تحرير الكويت فبراير 1991 طالبت الكويت بإعادة محتويات المكتبة وعندهنا كانت المحنة الثانية في تاريخ المكتبة إذ اعيدت الكتب في حالة يرثى لها مع خسارة أعداد كبيرة من نفائس الكتب ولا زالت المكتبة تعاني من هذه الخسارة الكبيرة.

للمكتبة الأهلية دور فاعل في تنمية العقول الكويتية فقد كانت نواة لتأسيس جيل واعي كان له أكبر الأثر في دعم الحركة الوطنية الإصلاحية والمجلس التشريعي في عام 1938-1939 ، كما حمل على عاتقة فيما بعد مسئولية الحفاظ على المكتسبات الوطنية الكويتية بعد الإستقلال من خلال المطالبة بانتخابات تأسيسية لمجلس شعبي يضع الدستور مشاركة مع الحاكم وكان ذلك في حكم الشيخ عبدالله السالم الصباح في عام 1961 ، ويكفي للدلالة على ذلك أن عبداللطيف محمد الغانم كان رئيسا للمجلس التأسيسي الذي صاغ أعضاءه دستور الكويت .