الأربعاء، 16 فبراير 2011

من كتاب ترانيم قلب


تمتمات أطفالي

الأطفال هم زهور هذه الحياة فبهم تُرسم البهجة على شفاه الكبار وبهم تعلو الضحكات التي تدخل السرور على القلب من أوسع الأبواب ، كم من ضحكة طفل رسمت فرحا على وجهه رجلٍ عابس أو امرأة مكفهرة الوجه ، وكم من متضايق من مشاكل الحياة دفع هذا الضيق بتأمل وجه طفلة جميلة ذات أسنان متباعدة غير موجودة ولو ركبت هذه المواصفات على امرأة لسميت شمطاء قبيحة .

ألم يمر أحدنا بقرب طفلٍ فمسح على رأسه بيده مسحةً لا إرادية ، لماذا ؟ هل طرحنا على أنفسنا هذا السؤال ، ولماذا هذه المشاعر تكون فينا رغم أن بعضنا غير متزوج وليس لديه إخوة صغار ؟ السبب في ظني هو براءة هؤلاء ونقاء أرواحهم وصفاء سرائرهم ، فأنت تعلم بأنهم يحبونك لأنهم فعلا يحبونك أو يبتسمون لك ابتسامة صافية نقية لا تحمل في طياتها أي لون فليست بابتسامة صفراء ولا حمراء ولا سوداء ، ابتسموا لك لأنهم أرادوا أن يبتسموا ، فقلوبهم نقية.. يأتيك أحدهم فيسألك لماذا خُلقنا؟ أو لِمَ تسير السيارة على عجلات؟ أو لماذا أنت طويل؟ وما سبب حمل هؤلاء الجنود البنادق؟ وهل يحبنا اليهود؟ وجدي أين ذهب؟ ما معنى أنه في الجنة؟ لنذهب إليه.. لماذا لا نستطيع؟ وأنت أمام هذه التساؤلات تقف تعلو وجنتيك الابتسامة أو تغرق عينيك الدموع.

هم الأمانة التي نحملها في أعناقنا ، فإما أن نحسن صيانتها ورعايتها حتى تثبت وتستقر ، فيقوى عودها وتثبت أقدامها فتنهض في طريق الحياة تسير نحو المسئولية وحمل الأمانة ، وإما أن نسيء حملها فنطرحها تارةً على الأرض وتارةً أخرى ننزلها من الأعناق ونسحبها سحباً فتتهشم وتتلف جوانبها ، وكلما زدنا في سحبها كلما زاد تلفها وفسادها ، فتصل إلى الطريق مُدمرةً مهشمة لا تقوى على حمل مسئولية نفسها وإن حملت مسئولية غيرها كان العبء كبيراً والثِقلُ عظيماً.

من منا لا يتمنى الخير لأطفاله ؟! ومن منا يحب أن يرى الدموع نهراً جارياً على وجناتهم؟! لا أظن أن أحداً يرغب في ذلك ولكنا قد نضطر لذلك إما لتأديب و تهذيب فنقسو عليهم حتى يكونوا على الخط القويم ، نعم نقسو أحياناً لأن في بعض القسوة إصلاحاً لهم ، وفي الإصلاح إنجاز ، وفي الإنجاز تقدم ورقي ، وفي الرقي طموح ، وفي الطموح ظفر وفوز ، نقسو لأن اللين في أوقات القسوة ذنب لا يغتفر وعمل لا يؤجر عليه فاعله ، اللين في أوقات الخطأ زيادة في أعباء التربية على الوالدين وتعليم لمبادئ ثورة التمرد عند الأطفال ، اللين وقت ارتكاب أحدهم خطأً يعني التنازل عن هيبتنا وفقدان جزء منها ، وفي كل لين نفقد جزء آخر من الهيبة ، نلين فيرتقون في سلم التمرد ونغرق في وحل الاستسلام لهم.

نقبل ونلين عندما يكون اللين سبباً في رقيهم ، فابتسامة رضى تصاحبها تعابير لين على الوجه في وقت الإنجاز تعطي دافعاً للعطاء ، وقبلةُ حبٌ نطبعها على رؤوسهم قبل النوم تعطيهم أحلاما هادئة ، وقبلةٌ أخرى تطبع على وجناتهم قبل الخروج للعمل أو العودة منه تعطيهم قدراً كبيراً من الراحة و الاطمئنان وتزرع في نفوسهم تقدير الذات والثقة ، وضمةٌ هادئة تحمل في جنباتها مشاعر عطف وشوق وحب تنطلق من ذراعيك كالسهم تخترق مشاعرهم فيصيب السهم لب المشاعر فتنبثق منه مشاعر مضادة تحمل التقدير والرقة والدفء والطاعة ، سنوات تربية وشهور عقاب ، شهور تدريب وصبر ، وأيام انفعال وضرب ، أيام لعب وساعات توجيه ، ساعات لين وساعة غضب ، دقائق عطف ولحظات عتاب ، هكذا يجب أن تكون الحياة مع عالمهم الرقيق.

من يدخل إلى جنةَ هذه القلوب البيضاء يجد عجباً ، يجدهم هؤلاء الأطفال متعلقين بقدواتهم أمهم وأبيهم ، هذا الشخصان في نظرهم يستطيعون فعل كل شيء و إياك أن تمسهم بسوء أو تنتقص من أقدارهم أمامهم ، ينظرون إلينا فيفعلون مثل ما نفعل إن كنا أهل عبادة وخلق كانوا مثلنا لأنهم مقلدون لا مجتهدون ، وإن كنا أهل سوء خلق وقلة دين و عقل خرجوا مؤذين مشوهين لسمعة أهليهم فهم من رسم خط الشقاء لهم !!

سؤال يُطرح : هل تطبق ما تقوله لنا أم أنك مثاليات أصحاب الأقلام ، هل أطفالك يعيشون في هذا العالم الذي ترسمه لنا أم أنهم يعيشون في دنيا لا مشاعر فيها ، هل انتقلت أنت وزوجك وأولادك لتلك الجنة أم أنكم تتنقلون بين جحيم الغضب وجنة الرضى ؟ هل تستطيع أن لا تلين في وقت الخطأ وأن لا تغضب في وقت اللين هل تستطيع؟!

إن قلت أقدر فلا أكون ذا منطق وإن قلت لا أستطيع فأنا أكذب ، كلنا يستطيع أن يطور نفسه ويعلي من شأنه ويرتقي بأولاده ويحفظ أطفاله ، ولكن لنلتفت لأهم شيء في هذا البناء هل الأساس في العلاقة بين الزوجين سليم ؟ هل يحاول كل زوج التقرب للآخر وفهمه ؟ إن استقرت الحياة الزوجية علا البناء وطال وكان شموخه يوازي السحب وناطح الثريا ، هذا الأساس المتفاهم يخرج لنا طبيبا خلوقاً و مهندساً مبدعاً و كاتباً راقياً وقائداً محنكاً وعالماً ربانياً.

لننقل أنفسنا نحن الكبار إلى جنة الأطفال ؟ لماذا ونحن نعيش جحيم الحياة وكآبتها نأخذ بيد أنقياء القلوب إليها ؟ لماذا لا نكون مسئولين حقيقة لا خيالاً عن هؤلاء ؟ لنعقد العزم على التغيير ، و كل خوف من مجهول لا يجابه بحوار بل يحاور بقرار.

بقلم عبدالرحمن محمد الإبراهيم