الجمعة، 29 أكتوبر 2010

وداعا مريم




الدنيا غريبةٌ عجيبة تجعلنا كل يوم نكرر سؤالاً ما فتئت ألسنتنا تردده ، لماذا يحدث هذا؟! لكن بعد برهةٍ من سماع السؤال وعودةِ العقل للدماغ نقول هذا بقدر الله وهو كائنٌ شئنا أم أبينا لأن الله يفعل ما يريد وعكس ما نريد لأنه أرحم الراحمين بالعبيد ، ربُنا عندما يقضي أمراً فهو لنا خير لأنه تعالى أعلم بما ينفعنا وفي داخل كل عسر يسرين فالله تعالى غفور رحيم حليم رحمن يحب عباده ويرحمهم.

في صباح يوم الاثنين أخبرتني والدتي حفظها الله أن مريمُ ابنةُ عمي في المستشفى وفي قسم العناية المركزة وأعمامي عندها مجتمعون وقع الخبر كالصاعقةِ التي حرقت قلبي ، هي وزوجها للتو عائدين من إجازة ماذا حدث ، ذهبت ووجدت زوجها وأعمامي صابرون محتسبون يسألون الله أن يخفف عنها ألمها ويعيدها إلى أطفالها بصحة وعافية ، وصدفةً وأنا مقبِلٌ على قسم العناية الفائقة وجدت طفلةً كالقمر تبتسم للدنيا فسألت عن الطفلة فقالوا لي هي ابنةُ مريضةٍ فاقدةٍ للوعي وكانت هذه مي ابنة مريم التي لم تلتقي بوالدتها في هذه الدنيا.

دخل علينا شهر رمضان ولا تزال مريم غائبةً عن الوعي بُذلت لها جميع الأسباب ولكن لم يكتُبِ الله لهذه الأسباب النجاح ، دخل العيد فرح الناس ولكننا لم نفرح ففي قلوبنا غصةٌ ،مريم لا تدري أن العيد دخل ، كنت دائما عندما أقابل فواز زوجها أجده صابراً محتسبا يتطلع إلى السماء فيقول " الله كريم" ويذكرنا أن ندعو لها وكان له ما أراد فصارت الكويت كلها تدعو لمريم بل انتشرت رسائل في الجوال تدعوا لها دون أن تعرفها وكان أكثر ما يفرحني عندما تأتيني رسالة من شخص لم أخبره بخبر مريم يرسل لي دعاءاً يسأل الله فيه أن يفرج عليها و يُشفيها .

مر شهران وفي يوم الثلاثاء غادرت هذه الدنيا مريم ذهبت عنا وفي قلوبنا حزن عظيم لفقدها ، أيقظتني والدتي من النوم صباحا متأثرةً تقول " مريم ابنةُ عمك في ذمة الله " ، نزل خبر وفاتها على قلبي بسرعة أحسست أنها في يد الله وفي نعيم الجنة ، أسرعت إلى المستشفى وجدت أعمامي وزوجها كما وجدتهم في المرة الأولى صابرين محتسبين فعرفت أن من أنزل السكينة على قلوبهم هو الله وأن هذه أول بشارات قبول أم محمد في السماء مصداقا لقوله تعالى ((وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)).

انتهت إجراءات الدفن وذهبنا للمقبرة فوجدناها قد غصت بالمشيعين خمسة جنائز مريم كانت آخر تلك الجنائز وصولاً منظرٌ مهيب ، تقدم الإمام للصلاة فإذا هو والدها كان صابراً محتسباً صلى عليها وكأنه يصلي على قطعةٍ منه ، خلق كثير دعا لها حملناها إلى قبرها وضعت في لحدها كأنها أميرةٌ محمولة على أكتاف الرجال ، رائحة الحنوط والطيب لازلت أشم عبقها ، وجهت للقبلةِ وانهالت على قبرها الدموع قبل التراب ، خرج خالها وزوجها الصابر وأخوها من القبر وكأنهم قد تركوا أنفسهم فيه ، انهال التراب يغطي جسدها الطاهر لكنني كنت أدفنها وأنا موقنٌ أن الله قد أخذها إلى رحمته وأن تحت هذا التراب نعيم وجنات عرضها كعرض السماء.

حلت مراسم العزاء جاء أهل الكويت كلهم معزين ، غص المجلس بكثرة القادمين ولي العهد وكبار القوم حت مساكينهم كلهم كانوا في المجلس على ثلاثة أيام ، الكل يدعوا لها والكل يطلب لنا ولزوجها الصبر والسلوان ، وفي مجلس النساء لم تجد المعزيات مكانا يجلسن فيه فقد وقفوا يدعون ويبتهلون إلى الله أن يرحمك ، تفاءلت أكثر علمت أن الله تعالى كتب لها القبول فالله إن أحب عبداً أنزل محبته في قلوب عباده والعباد شهود الله في الأرض وها هم قد حضروا بأعداد غفيرة للمقبرة وللعزاء فيا رب أكتب أم محمد عندك من المغفور لهم ومن المتنعمين في جنات النعيم.

ودعا أم محمد وداعا يا ابنة عمي وداعا لكن يعقبهُ لقاء في جنات النعيم ، وداعا فزوجك الصابر فواز شهد لك ونحن على قبرك أنه لم يرَ منكِ إلا الخير ، وداعا فأعمامك الذين لم أشاهد دموعهم في حياتي إلا مرةً يوم وفاة جدي ذرفوا الدموع على قبرك ، وداعا مريم فأخوالك خرجوا من آخر يوم في مجلس العزاء وهم يذكرون محاسنكِ وصفاتك الطيبة ، وداعا مريم فوالداك لا يزالان صابرين محتسبين يدعوان لك.

لا تحزني فمحمد ولولوة ومي التي لم تشاهديها كلنا ونساءنا آباءٌ وأمهات لهم ، هم وديعتك التي نحفظها بعيوننا هم أبناءنا من اليوم هم صورتك الجميلة التي كلما نراهم نتذكرك ، وداعا يا ابنة عمي وداعا يا مريم.


عبدالرحمن محمد الإبراهيم