الاثنين، 11 مايو 2009

دموع في يوم مولدي




هل تصدقون أنني لم أتذكر أن اليوم هو يوم مولدي إلا حينما غربت الشمس ، وما آلمني هو أن أحد الزملاء ذكرني ولم أتذكر أنا لوحدي الألم الذي أصابني هنا ليس لأنني لم أتذكر أن اليوم هو يوم ميلادي بل لأنني منشغل في الحياة ومنغمس فيها حتى أنني نسيت نفسي واهتماماتي .


تساءلت لماذا وضعت عنوانا دموع في يوم مولدي وليس من عادتي أن أضع العنوان قبل أن اكتب المقال فأنا متعود على ذلك لكن اليوم اعتراني شعور غريب رغبة ممزوجة بين الضحك والبكاء لا تسألوني كيف يكون ذلك لكني كنت أشغل بأن فمي قد اعتلته ابتسامة وفي الوقت نفسه ترقرقت عيناي بالدموع ، إحساس جعلني أتأمل حالي ماذا أريد وما الذي فعلته خلال سنوات عمري ، هل أنا على الطريق الصحيح أم أنني انحرفت عن الجادة وسلكت طريقا آخر تساؤلات كثيرة مزجها عقلي لكن دون أي محاولة للإجابة.


دمعاتي يا سادتي سأحكيها لكم هذا العام ففي كل الأعوام كنت أكتب مقالا متفائلا عن يوم مولدي ولكن اسمحولي في هذه السنة أن أمزج بين نقيضين وأجمع بين متضادين ولو كان هذا الجمع في خيالي فقط ، أحاول أن أسحبكم سحبا نحوي علَّ أحدكم يشعر بما يعتريني فيصف لي دواء عجز من حولي أن يجدوه لي .


أول دمعة كانت طيف خيال مر بقربي وذكرى حزينة جلست عندي ، ليس بيدي أن أدفعها لأنها تمثل لي 20 عاما من الذكريات السعيدة ، خيالٌ لو كان الأمر بيدي لأعدت له حقيقته وأعطيته روحا من روحي لتدب الحياة فيه من جديد ، لن أعطيه روحي كلها فهي ما أملكه ولكني سأعطيه جزءا منها حتى يعود ، ما يجعلني أتساءل دائما هو هل من الممكن أن يعود ولا يكون كما كان ، هل عودة الغائب اليوم في حياتي تجعله قريبا مني كما كنا قبل سنوات نزلت الدمعة فخففت حرارة الفقد وألم الفراق ومع هذا ما زال ألم الفراق يهز لي وجداني وقد قلت فيه شعرا من قبل أعيده عليكم اليوم لعله أبياته تحول الدمعة إلى بسمة فقد قيل البكاء يطفأ حريق الروح.


ألم الفـراق يهز لي وجداني * ويعيدني أبداً إلى أحـزاني

ويصوغ بالأشعار حزناً ًخطه * بدموع عشق في جبين الجاني

هلاّ - أيا زمن البعادِ - تركتنا * نحيا حـياة الـورد والريحانِ

فِيضي مُزُونَ الشعرِ فوق ديارنا * واستزهري قلب الحبيب الفاني

عل الورود تعيد لي ما قد مضى* ويعود رشد الهائم الولهان


دمعة باردة تبّرد حرارة أختها دمعة فرح دمعة إحساس الأبوة يا الله كم هو رائع هذا الإحساس أن يكون أحدنا أبا أو تكون إحداكن أُماً كم هو جميل شعور المسئولية ، روعته تكمن في صعوبته لا يستطيع أحد أن يصفه حتى لو عاشه وجربه بضعه منك تستودعها رحم زوجتك فيشكلها الله بقدرته على صورتك وعند ولادته تشعر أنك أنت المولود فتريد له كل خير وتتأمله منه ما عجزت عن تحقيقه وترجوا أن يكون أفضل منك فأي كلمات تقوى على وصف هذا الشعور.


دمعة دافئة تهمس قائلة لا تنسى ما تعلمته من دنياك وحياتك خلال سنوات عمرك سأسرد عليك بعضا مما تعلمته حتى تعتدل حرارة الدموع ويحل الأمل مكان الألم بل ما سأفعله هو أن أقلب الحروف فأجعل الميم قبل اللام أليس غريبا أن يكون الفرق بين الألم والأمل عكس الحروف فقط مع أن الفارق في الحياة كبير فكل شعور له واديه الخاص لكن لعلك لم تفهم أن قلب الحروف يعني أن كل من حل به الألم سيجد الأمل إن بحث عنه في وادي الألم ، ومن يعيش في الأمل سيجد الألم حتما لأنه المؤمل مؤلم إن لم يرافقه جهد واقعي ، جعلتني أخرج عما أريد قوله هل نسيت ما تعلمته من دنياك ؟ أنا سأذكرك علمتك دنياك أن الله عظيم برحمته ، حليم بعفوه ، كريم برزقه ، فلا تحصر حياتك في ذنب اقترفته أو إثم اكتسبته بل سارع بالتوبة وكن على ثقة بأن الله لن ينساك. وعلمتك أيضا أن همومنا وأحزاننا تسيّر في الغالب حياتنا ، وقد نحاول التغلب عليها بالحلم والصبر ورؤية المواقف بالصورة الإيجابية ، ولكننا نفشل لأننا ربطنا نجاحنا بتقبل الطرف الآخر لنا؟! ولا تنسى درسها المؤلم الذي دفع الأمل في روحك دفعا عندما تعلمت أنه في أحايين كثيرة تكمن المشكلة فيمن حولنا لا في أنفسنا الطموحة ، وهذه الظروف ليس لنا عليها إرادة ولا يمكننا تغييرها ، ولكن يجب أن نعيي أنه ليس من أراد لك الخير فأخطأ كمن أراد لك الشر فأصاب! فلنعط كل ذي حق حقه ولنمض في طريقنا.


اتركي لي المجال أرجوك صوت دمعة ضاحكة نعم لا تستغربوا من أن الدمع يضحك بل ويقهقه أيضا فهو بالنهاية مخزون نخرجه في حزننا وسرورنا كم من إنسان عندما وصل مبتغاة وهدفه بل من أن يبتسم ويصرخ ذرف دموعه دون شعور ، وكم من أم طبعت قبلة مبللة بالدموع على جبين ابنتها يوم زفافها فهي لم تملك غير تلك الدموع هدية تقدمها ، وكم من منتظر خارج غرفة العمليات يتحرى خروج الطبيب ذرف الدموع فرحا بقدم الأمل على لسان الألم ، وكم من عابد في مصلاه سجد لله شكرا وذرف الدموع لأنه فرح بما أعطاه الله من أحساس بنعمه عليه وكم وكم وكم من دموع فرح خرجت دون مناسبة إلا لأنها أرادت أن تخرج.


سأختم دموع بأبيات عن الدموع كتبتها فحولت أحرفها شعور الحزن إلى سعادة رغم أن كلماتها قد تكون حزينة إلا أنني سعدت بخروجها ولست واثقا من وزنها وجودتها على سلم فاعلن ومفاعلن كفانا الله وإياكم شر المفاعلات القريبة والبعيدة :


أيا عين ما عاد البكاء وسيلة / ولا عاد للدمع يا عين مهرب

فكل دموع يُنعشُ العين قطرُها / يموت شعورٌ من لظاها ويغربُ

وهل أنت يا دمع إلا حكاية / سرى ذكرها شرق وذاعَ مغربُ

فما لي أراك قد جفت منابع / من الحزن كانت في صباها تَسَرَّبُ


وأختم مودعا بكلمات كتبتها عندما تذكرت أحداث في الماضي لا أعرف لها مكانا مناسبا إلا هنا قلت فيها معاناتنا مع الآخرين تبدأ عندما يكون ماضينا هو الفيصل في الحكم علينا ومهما حاولنا أن نرتقي في حاضرنا ونطور مستقبلنا فإنهم يجلسون للحكم علينا وأخطائنا القديمة تمثل أمامهم فكيف نرجوا منهم أن يحسنوا الإصغاء والتقييم.


كل عام وانتم بخير