الثلاثاء، 19 مايو 2009

أَمَةٌ في مجلس الأمة




الأمة هي المرأة التي لا تملك نفسها بمعنى أن تحت ظل سيدها حتى تنجب له ولدا فتسمى أم ولد ، هذا التعريف يقودني إلى نتائج انتخابات مجلس الأمة ووصول أربعة نساء إليه من بابه الواسع وعن نفسي لست مؤيدا إلا لواحدة منهن فقط من ناحية الفكر أما من النواحي الأخرى فكل واحدة منهن لها ما يميزها عند من صوت لها.


الكويت منذ القدم تفخر بنعمة الحرية والديمقراطية فأهل الكويت مختلفون عن جيرانهم وأقليمهم من ناحية الفكر وطريقة التفكير صحيح أن فيهم بعض التحرر والإنقلاب على مفاهيم يعتبرها الآخرون دستورا في حياتهم إلا أن هذه التقلبات ليست مضرة دائما بل تكون في الصالح العام العربي أولا ولتحسين صورة العالم الثالث في نظر شعوب العالم الأول والثاني، كيف يكون ذلك والجواب من خلال الحياة الديمقراطية المتأصلة في جذور هذا الشعب فمن قبل إقرار الدستور والكويت تشكل مجالس نيابية من عام 1921 مجلس الشورى الأول ثم المجلس التشريعي الأول 1938 الذي أنتخب أعضائه بأصوات الشعب بغض النظر عن طبيعة هذا التصويت لأن المقال لا يقيّم التجارب الديمقراطية بالمعايير والأنظمة وإنما نعطي لمحة تاريخية لنصل إلى ما يحدث اليوم ، بعد مجلس 1938 والأحداث التي صاحبته جاء مجلس 1939 ثم تلته مجالس عديدة للمعارف والصحة وغيرها وكانت مرحلة متميزه في تاريخ الكويت أذكر أنني قرأت كتابا بعنوان أول ممرضة في الكويت -بلكة كونكور- وهي تركية الأصل جاءت للعمل في الكويت خلال فترة الخمسينيات من القرن العشرين وكانت خائفة جدا من أن تكون الكويت مجرد صحراء قاحلة كما كان في مخيلتها ولكنها تفاجئت بما شاهدت حتى وصفت رحلتها إلى الكويت وأصدرتها في كتاب ما يهمني هنا الجانب الديمقراطي التي تحدثت عنه عن دوائر الدولة في تلك الفترة خصوصا وصفها لدائرة التعليم من خلال ما يمارسة الطلاب في الدراسة وتعليم البنات فلنتخيل كيف كانت الحريات في الكويت مقارنة بجاراتها الخليجيات وبعض الدولة العربية.


بعد ذلك جاء الاستقلال وتبعة الدستور والمجلس التأسيسي عام 1961 وبدأت الحياة النيابية تأخذ مجاراها في الكويت وتنضج من خلال محاولات الحكومة تزوير الإنتخابات أو حل المجلس حلا غير دستوري ولكن في كل أزمة تعبر الحياة النيابية والبرلمانية في الكويت الأزمة لتكون صلبة قوية وأظن أن هذه الأزمات لم تكن وليدة أفكار حكومتنا الكويتية بل بكل تأكيد هناك من القوى الإقليمية من يريد وأد التجربة لكن حملة لواء الحريات -التي كفلها الإسلام -قبل أن يتشدق اللبراليون بحملها هم من دافعوا عن هذه التجربة فنقول للحي منهم شكرا لك وللميت غفر الله لك .


بعد تجربة الغزو العراقي ومساهمة المرأة الفاعلة فيه من خلال بذل روحها في سبيل الوطن كالشهيدة أسرار القبندي والشهيدة وفاء العامر وغيرهن بدأ دور المرأة يتضح في المجتمع وأن النساء ليسوا كما نعتقد أنهم لا يصلحن إلا للعجن والحلب والطحن وإنما هن أنفع بكثير للمجتمع من هذا الدور ، وهنا يجب أن نفرق بين أمرين وهو أنني لا أدعوا إلى تحرير المرأة على نمط علماني ليبرالي غربي منحل بل أطالب أن يسمح لكفاءات النساء أم يأخذن دورهن في المجتمع وأن لا يصادر عليهن حق التميز بإسم الدين والعادات والتقاليد فما الذي يمنع المرأة أن تكون عضوة في مجلس الأمة -وبغض النظر الفتاوى التي تعتبر المجلس ولاية عامة- لست بصدد الحديث عن التفصيل والتأصيل لأنني أولا لست فقيها ولا متفيقهاً والثاني أن الأمر أصبح واقعا نعيشة والأفضل أن نعرف كيف نتعايش معه.


وصل إلى مجلس الأمة أربعة نساء كلهن من حملة شهادات الدكتوراة وأنا شخصيا استبشرت خيرا بهذا الوصول على المستوى الأكاديمي العالي أطلب منهن أن يحترم الدستور وقوانين الدولة وأن نرى منهن ما عجز الرجال عن فعله سواءا كان هذا العجز بقصد أو بغيره ولكن 3 مجالس في 3 سنوات هو انذار للحريات في الكويت ومحاولة التمهيد للإنقلاب على الدستور ونجح ذلك الأمر جزئيا من خلال انخفاض نسبة المشاركة إلى أقل من 60% في هذه الإنتخابات.


يبدو أن البعض يروج اليوم خبرا مفاده أن هذا المجلس لن يعمر طويلا بل سيكون الأقصر عمرا في تاريخ الديمقراطية الكويتية وسيكون مميزا في كل شيء فهو أقل مجلس من حيث نسبة المشاركة وهو مجلس دخول النساء وهو مجلس تساوي الموازين فلم يعد الإسلاميون يسيطرون عليه بالكلية ولا الحكوميون -مع أنهم الأكثر- ولكن شرائح التيارات كلها ممثلة ليبراليون وشيعة وسلف وإخوان وشرائح المجتمع ممثلة أيضا بدو وحضر وشيعة وسنة .


ما أخاف منه هو أن يكون هذا المجلس آخر مجلس وتسعى قوى وأد الدستور إلى استخدام أدواتها غير المشروعة في تحريك نوابهم من التأزيمين من أجل ترسيخ فكرة أن مجلس الأمة والديمقراطية لا يصلحان في هذا الزمان ويجب تعليقه إلى حين حتى تستقر الأمور وللأسف وجدت هذه الدعوى صدى لها في الإنتخابات الأخيرة حتى أنني كنت أناقش والدي ووالدتي حول عدم رغبتهم في المشاركة فقالوا إن المجلس تأزيمي ولا يدع للحكومة مجالا لأن تصلح وتتفرغ لعملها وأن الكثير من أعضاء مجلس الأمة هم فاسدون وأصحاب مصالح وهذا انحراف خطير في عقلية الجيل السابق لجيلنا إذ أنهم عاصروا الحياة الديمقراطية منذ بدايتها وعرفوا مدى أهميتها فكيف تمكن الآخرون من تغيير تفكيرهم؟!


باعتقادي أن مجلس الأمة لأهميتة التشريعية ولقرب ما يدور فيه من الشعب كون هؤلاء النواب هم أصلا من اختيارنا أصبحنا نرى العيوب الكثيرة فيه خصوصا بعد إنحراف الكثير من أعضائه عن الطرق السلمية واستخدام حقوقهم الدستورية في غير وقتها ، نعم من حق النائب أن يستجوب الوزير ورئيس الوزراء لكن بعد أن يستنفذ الطرق كلها ثم لماذا نضع الكويت على حافة المصادمات والفرقة وباستطاعتنا إصلاح الخلل بطرق أخرى أقل حده ، فالنائب الذي يريد أن يكسب موقفا شخصيا له على حساب وطنه وهويته ليس نائبا وإنما مخربا .


وعلى الرغم من سلبيات مجلس الأمة الأخيرة نرى أن مجلس الوزراء لا يقل في ميزان السلبية كثيرا عن مجلس الأمة فأربعة حكومات في 3 سنوات وأغلب الوزراء هم من وزراء المحاصصة التي لا تعود بالنفع على الوطن ولا على المواطن والأمر من كل هذا الخلافات الكبيرة في مجلس الوزراء نفسه ما تحتاجة الكويت اليوم مجلس وزراء من التكنوقراط متجانس هدفه ليس زيادة دخله الخاص وتوفير احتياطي أجيال لأحفاده وإنما العمل على توحيد الفكرة التنموية للبلد وتقديم مشروع عمل حكومي وتصور مستقبلي لتطوير الكويت في كافة المجالات ونزع العصا من دواليب العربة التي أوقفتها كثيرا ، ومحاولة لعب السياسة بشكل صحيح وإذا قامت الحكومة بعملها على الوجه الصحيح ستجد أن المواطنين سيقفون إلى صفها وينتخبون أعضاء يساعدون الحكومة على إدارة الدولة أما عدا ذلك من الحلول فهو مرفوض ومن حقنا كشعب أن نطالب بمزيد من الحريات لا ببداية عصر الظلمات.


تجربتنا الديمقراطية تجربة فريدة ونموذج لكل الشعوب التي تريد أن تتنفس وليتنا لا نشوهها أكثر مما شوهناها فنخدم مصالح قوى اقليمية تريد لهذه التجربة أن تنتهي خصوصا وأنها بدأت تسبب صداعا مزمنا بعد انتشار الفضائيات وتطور التكنولوجيا خصوصا أن العالم أصبح قرية صغيره ، ويكفي ديمقراطيتنا فخرا أننا في سنة 1990 عندما أسقطت سلطة حكامنا من ال الصباح أعيدت على يد الديمقراطية ومبايعة كافة قوى الشعب للأسرة الحاكمة في مؤتمر جدة وكنا أول شعب يعيد حاكمه دون محاولة واحدة للإنقضاض على السلطة ، وفي عام 2006 صعد إلى الحكم الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بعد أن بايعه الشعب ممثلا في مجلس الأمة وأيضا لم تعلن حالة الطوارئ وانتقل الحكم بكل سلاسة بفضل الله أولا ثم بفضل وعي الشعب وممثليه ثانيا وبتماسك الأسرة الحاكمة في المرتبة الثالثة.


أتمنى أن يكون وصول المرأة للمجلس فأل خير علينا وأن يكون بداية لعهد من الإستقرار السياسي والتطور الاقتصادي والحضاري في الكويت وأن لا يكون وصولها شؤما فيقال أوصلنا المرأة ولا فائدة ترجى من هذه الديمقراطية أبدا ، أدعوكم أخوتي وأخواتي أن نتمسك بالدستور وبالحريات التي نعيشها اليوم ونكون للحاكم عونا في تقويم نوابنا إذا أخطئوا وأن لا نترك المجال لمن يريد أن يزيد من أزمة الهوية التي نعيشها ولنترك العصبيات القبلية والطائفية جانبا ونعود لهويتنا الكويتية التي تمهد لنا العودة إلى هويتنا العربية والإسلامية التي باتت تمثل أزمة في عالمنا الثالث اليوم ويا ليتنا نتحاور بعقلانية بعيدا عن الحمية والعصبية الجاهلية كانت سببا في تخلفنا منذ أن حكمنا الأندلس .