الجمعة، 20 فبراير 2009

امرأه وراء الشجون 2

لمن فاته الجزء الأول http://7rf.blogspot.com/2009/02/blog-post.html


الجزء الثاني


لماذا لم يكن حالك يا أبي هكذا عندما كنتُ صاحبة تلك الصورة ؟!

أين تلك الفتاه المرحة التي كانت تقلب مجلس صديقاتها رأسا على عقب من كثرةِ الضحك؟! ،تملك الحجة والإقناع حتى أن بعض صديقاتها يسمونها - قناعة- لما تحمله من منطق في الحديث، كانت عند صديقاتها الأولى دائما في الخلق والتفوق والقيادة بل وحتى في الطبخ.. شخصيتها من الطراز الرفيع جداً.. قائدة بالفطرة من الصعب أن تنقاد أو تخضع لخطأ فما بالكم بالسكوت عن الظلم.. دائما ما كانت تُغيّر قرارات الكثيرين من حولها بإقناعهم بالحجة والدليل ، كثرة قرائتها واطلاعها جعلها تسبق أقرانها بجيل وربما جيلين .. هذا الأمر جعل منها غريبة في بيتها وفي محيط صداقاتها ..أصبحت تحس أنها تافهة ساذجة لا تصلح لأن تحقق ما تصبو إليه ، متفوقة راقية هي لكنها لم تحسن اختيار صحبتها.

تراقب خطوات والدها وهو يسير في الممر ، يدخل غرف إخوتها ليوقظهم ليستعدوا للصلاة بنبرة عسكرية ، تُسِرُ في نفسها ضحكةً ترتسم على عينيها ، تشعر بسعادة بالغة ممزوجة بألم سرعان ما تغلب على ابتسامة العيون لتحول أشفارها إلى شلالات من الدموع المنهمرة...

تَغَيّرَ الممر فإذا هو أبيض طويل ، رائحة المطهرات تغلفُهُ ، السيراميك الأبيض يعكس صورتها وهي على السرير ذو العجلات التي تكاد أن تطير من سرعة الدفع ، بقربها والدها وعيناهُ حائرتان.. لأول مرة ترى نظرة الضعف هذه في عيون الجنرال ، رتبة والدها الحقيقية والتي تناديه بها في سرها ..

"نوف ابقي معي ، لا تفقدي وعيك ، أنت بخير لكن لا تستسلمي" صوت الطبيب يخاطبها ، ضوضاء كثيرة حولها، كلمات متناثرة أشبه بالتمتمات.. اذهب ..هات المقص.. ثبت النبض..احضروا المشرط .. هل نبدأ يا دكتور .. هذا السؤال ليس لي لطبيب التخدير .. ابدئي بالعد 1 ،2 طوط طوط طوط .

صورة بيضاء لمدة ساعات ، هذه الساعات هي وقت العملية وما بعدها ، ليت هذه الصورة استمرت فقد كانت تمثل لي هدنة مع الحياة ، هدنة جميلة لم أعقد مثلها منذ زمن ، حتى في وقت النوم الذي كان لا يصادقني إلا لخمس ساعات على الأكثر.. يا الله !! عشر ساعات مرت دون أن أشعر بها ، أقولها لكم اليوم لأني لم أحس بقيمتها إلا بعد أن استفقت ووجدت أن الهدنة هذه المرة كانت لصالحي.. غيّرت الكثير من مجريات الأمور.. تحولت فيما بعدُ من هدنة إلى معاهدة استسلام الطرف الآخر .. غريبة هذه الدنيا ففي لحظات الضعف كثيراً ما يتحول المهزوم إلى منتصر ، قوانين ونواميس من يحسن فهمها يصل إلى ما يريد بسرعة كبيرة.

"حمداً لله على سلامتك يا قطعةً من قلبي ، كنت أبكي طوال والوقت ، والله لقد تمنيت أن أكون مكانك ، يا الله ، كم كانت هذه الساعات كالدهور!! أحسست بأن الحياة بدون نوف لا تسمى حياة " .
ترفع نوف شفتيها تحاول الابتسام وتقول في صوت متقطع "الله يسلمك يا حياتي فأنتِ الحياة لي يا أمي" .

" لماذا تغضبين!! ألا تعرفين أن الغضب لا يليق بسيدة أنيقة مثلك ، ولماذا لم تخبرينا بما كنت تشعرين به؟ ألسنا عائلتك وأقرب الناس إليكِ" .

تُشيح نوف بوجهها نحو الحائط محاولةً أن تخبئ دمعة صادقة تنزل من عينها .. وكأنها تقول لصاحب الصوت : ألا تعلم أنك أنت السبب ، الآن تسألني عن أهمية عائلتي وأنت من أبعدني عنها ، اليوم تتقرب مني بجفاء كما عودتني ، حتى في انكساري لا تظهر شفقة علي أبدا ، أنا المنتصرة قد رأيت عينيك وأنت تركض بقرب سريري .. لأول مرة تنهزم يا جنرال ، لأول مرة أرى أحاسيس الحب والرأفة والشفقة فيك وقد كنت أعتبرك رجلاً من كوكب الجفاء والقسوة .

كوكبك الذي صورته أنا في خيالي .. كوكب تضاريسه كلها جبال شاهقة وأنهار مالحة ؛ فمن يعش على هذا الكوكب يعتبر عذوبة الماء ترفا وخرابا للبيوت ، درجة حرارة الكوكب عالية لأنكم دفعتموه دفعا بقرب شمس الشقاء حتى تعتاد أجسادكم على البؤس وتغلي قلوبكم في قدور الصبر ، نزعتم من هذا الكوكب أغلب وسائل الراحة وتركتم الضروريات ، ولو كان الأمر بأيديكم لاعتبرتم النوم في العراء رجولة والجلوس في الظلام شجاعة والطبخَ على الحطب بدل الغاز من مزايا المرأة المجتهدة .. بل وأكثر من هذا لربما وجدتم في اختراعات العالم وآلاته المتطورة أساليب جديدة للدلع.

"مهلا نوف ، لا أستطيع احتمال هذا النقد .. تعلمين كم أنت قاسية في حكمك هذا وجانبك الصواب في بعضه"..

صه يا ضميري فأنت لم تسحب إلى هذا الكوكب كما فعل بي ، ولم تجبر على فراق ما تحب دون أن يقنعك جلادك بسبب هذا البِعاد ...

"ولكني كنت معك دائما وأعرف أن كوكب الشقاء فيه مزايا كثيرة" ..

بالله عليك أي مزايا تتحدث عنها .. حتى الحياة هناك جامدةٌ فأين جانبها المشرق؟


للحديث بقية