الجمعة، 13 فبراير 2009

إمرأه وراء الشجون







لم تكن جميلة .. كانت صاحبة وجه مقبول لا يشد عيون من يشاهدها حتى لو وضعت المساحيق وأدوات التجميل ، ملامحها هادئة خجولة تبعد أصحاب الأذواق الصعبة عنها.. من ينظر إليها لا يحس بانجذاب نحوها فهي ليست كمن يخرج على تلك الفضائيات حتى لو أبرزت مفاتنها ، كل هذا لم يجعلها تهتم بهذا الأمر لأنها لم تكن تحلم بأن تكون الموضة أول اهتماماتها ، بل كانت تنظر إلى نفسها بأنها جميلة ورائعة وتستحق أن تدلل على أقرانها فما بالكم بخطابها.


نوف عاشت حياة غريبة مليئة بالمفارقات وربما بالمتناقضات ، فوجودها في بيئة لها قوانين صارمة أشبه بالمعسكر فالأوامر يجب أن تنفذ وينصاع لها الجميع ، ومن خالف فمصيره العقاب على حسب جرمه ، وهذا لم يمنعها أن تعيش كشخصية منفصلة عن عالمها الحقيقي ، هي تعيش في عالم الواقع بجسدها أما روحها فتطير بعيدا خارج هذا العالم لتصل إلى خيمة هادئة منصوبة في دنيا خيالها، خيمتها قابعة على جبل أشبه بالتل ، هذا العالم هي من صممه فجعلت حول هذا الجُبيل نهرا رقراقا ينحدر من قمه جبلها ويصب في وادي مزدهر رائع فيه من الورود أصناف وألوان ومن الزهور أشكال شكلت مناظر تسر الناظر إليها فتجر الطمأنينة إلى نفسه جرا ، خاص هو عالم نوف لأنه متميز بأنها هي من تملكه فليس ضروريا أن يكون المسكن أنيقا فخما فالخيمة قد تكون قصرا إن أحبها صاحبها وهذا ما فعلته نوف.


رغم معرفتها بأن الخروج من عالم الأسرة هو خروج على أعراف المجتمع وقوانين العادات ولذلك أعدت عدتها النفسية لمجابهة الهجمات التي ستتوالى دون شك وكيف لا يكون سلاحها تقوية نفسها وهي لا تملك غيره؟


هي تسعى للوصول إلى عالم بلا قيود على الأقل في خيالها عندما يكون العالم دون حساب للخطأ أو مكافأه على الثواب ..عالم آخر يقال إنه لا يمكن أن يكون هنا في هذا العالم ولكنه متحقق في الآخره لمن ينال نعيم الجنة ، هل نؤجل هذا الإحساس إلى هناك أم أننا بإمكاننا الوصول إليه ولو بالمشاعر؟ ، ما أجمل هذا الإحساس عندما يكون العالم بلا قيود.. لا حبال التواصل الاجتماعي تلف حول معصمك ورقبتك وتجرك إليها جرا وأنت تتألم من قوة الجذب ولا تستطيع مقاومته ، فتُجرح مشاعرك ، وتُغرس سكين المجاملات بواجبات الغير، وعندها تنزل قطرات من الحب الذي كنت تحتفظ به لهم .. وكلما كثرت للطعنات قل الحب في قلبك وصار كالصحراء القاحلة جمالها لا يفقهه إلا البدوي المجبر على المكوث فيها أو الزائر الذي يراها لأول مرة.


في صغرها كانت دائما ما تحس بأنها غريبة في وطنها لا تتأقلم مع الأحداث من حولها ولا حتى المعطيات التي تدور في فلك أسرتها ، كانت متمردة وكيف لا تتمرد ومن حولها يعتبرون أسئلتها إزعاجا وانطواءها مرضا وعزلتها عقدة نفسية ، وفوق ذلك كله لا مجال للآراء في ظل حكم القوة الوالدية المستمدة من الوظيفة العسكرية فوسائل التعبير الديمقراطية أو العلمانية ولا حتى الاشتراكية مسموح بها ، أما الإسلامية فتحكم وفق نظرة ضيقة ، طفولتها حتى سن السابعة لم تكن ذات ذكريات جميلة ولا حتى كثيرة فما تتذكره رحلة إلى العمرة التي لا تشد الرحال إلا إليها هي والمدينة النبوية ولو كان القدس محررا لضم إلى جدول الرحلات ، ما أجمل الكعبة ورؤيتها وما أحلى الجلوس في الحرم وتأمل العباد وهم يطوفون حولها .. في تناغم هرموني متصاعد ، فوج يلي آخر ، بين متضرع وخاشع وباك وشاك.. منظر جميل يتأمله كل بالغ يملك عقلا لا طفلاً يبحث عن الفرح فلا يجده إلا بإزعاج المصلين والركض على السجاد ومصاحبة أقرانه من جميع البلدان فعائق اللغة ليس له وجود في أعراف الأطفال يكفي الطفل أن من أمامه يكون بطوله ويحسن فهم الشقاوه ويتقن لغه الإشارة فتتكون عصابة تحرج أسرها وتبعد عنهم الخشوع وتجبرهم على تمني انقضاء العبادة حتى يقل الإحساس بالحرج.


أدارت نوف رأسها نحو الصورة المعلقة على الحائط فدمعت عيناها بدون تردد ، فهي الإضافة إلى أنوثتها هي رقيقة المشاعر لدرجة الحساسية المفرطة.. أي كلمة أو نظرة وربما همسة تجبر دموعها على النزول بمناسبة أو بغيرها ولذلك صار الجميع لا يقدرون تلك الدمعات لأنهم اعتادوا عليها ، هي تحزنني فلماذا أصر على تعليقها ؟! هل نحن من نجلب الحزن لأنفسنا أم أنه مفروض علينا ، لماذا نبحث دائما عما يكدر خواطرنا ويذكرنا بأشياء لا نحبها ؟! وهل النظر للجانب المظلم من كل مأساة نتعرض لها ثقافة مفروضة علينا؟ أين التفاؤل أم أننا نفهمه عندما نكون سعداء فقط ؟ بعض المفاهيم نحسن الحديث عنها ولكننا عند أول اختبار نرسب فيها رسوبا مدويا لدرجة أننا نقنع أنفسنا بالخطأ الكبير الذي كنا نفعله في السابق؟ لو تركنا لعقولنا التأمل دقيقة قبل اتخاذ أي قرار أو التعبير عن أي شعور لكان حالنا أفضل هل هذا ممكن!


عادت للنظر إلى البرواز الذي يحتضن صورتها قبل وصول المرض إليها ..كانت في صحة متعافية مرحة كفراشة المرج التي تضفي على جمال المرج جمالا ، وتزيد عبق الأزهار عطرها ، وتعكس أشعة الشمس على جناحيها الرقيقين فلا تزعج عيون المشاهدين لجمالها بل تزيده توهجا وتلألأً .. هل ممكن أن يحول المرض الفراشة إلى ذبابة ، لا لا يمكن ، نبضات من التفاؤل بدأت تُضخ من قلبها لتنعش نفسها المكتئبه قليلا ، آه يا قلبي حتى وأنت متعب وعدة شرايين فيك مغلقة لا تزال تنبض بالحياة ، مضغةٌ جامدة لا عيون لها ترى جمال الحياة ، وأنا إنسانة يقال بأنني رومانسية حساسة رقيقة أراها سوداء ، مفارقة عجيبة كيف لم أنتبه إليها.


(( ألا تزالين مستيقظة يا حبيبتي ، قرُب الفجر يجب أن تخلدي للراحة ، ومع هذا من حسن حظي أنك مستيقظة فما أجمل رؤية القمر في منزلنا)) ترفع رأسها لترى رجلا تحبه كثيرا لا تتذكر أنها نظرت إليه ولم تر الابتسامة تكشف عن بياض أسنانه الجميلة ، هو كل شيء في حياتها ، هل ما قاله عن القمر مجرد مجاملة أم أنه فعلا يراني قمرا ؟هل من المعقول أن التفاؤل وصل للجميع ولم يطرق بابي بعد؟ يا لله كم كنت أرى كلماته هذه بأنها لا تعدو مجاملة للتخفيف واليوم أراها نظره تفاؤلية ترسل رسائل إيجابية لعقلي .

((أين ذهب بكِ خيالك ، هل لا تزالين بعيدة أم أن صوتي أعادكِ إلى كوكبنا؟)) ، تنهض نوف لتعانق الرجل المبتسم على باب غرفتها وهي تقول له : ((كم أحبك يا أبي لا حرمني الله من طلتك ودلالك لي وإن كان يفسدني بعض الشيء ولا أستحقه))


للقصه تتمه :)