الاثنين، 5 يناير، 2009

الطَرَفُ الخفّي





كل حدث وراءه أسباب وقال نيوتن لكل فعل رده فعل ولكن هنا لا نريد أن نعرف الفعل ورده الفعل بل نتجاوزها لنصل الى الاسباب التي أدت الى أن يفعل الفعل ما فعله ،اليوم تقف الأمه الإسلامية حائرة حزينة لا تكاد تقف على رجلها من فرط ألمها على ما يحدث في غزه وقامت المظاهرات الحاشدة وزأر الخطباء من فوق المنابر وهددوا إسرائيل بالويل والثبور ورفعت أحذية في ورميت في وجه اسرائيل بل بيعت بآلاف الدنانير ، وجمعت الأموال وارتفعت الأيادي تنادي رب الأرباب واعيد احياء سنه القنوت لأن الخطب جلل والمصاب أليم ولكن ماذا بعد ذلك!!


لا ننكر أهمية كل الأفعال السابقة بل هي أقل حقوق اهل غزه علينا ولكن ماذا بعد ، متى ننظر إلى ما وراء الأكمة من صراع وشقاق متى نتوقف عند الجلاديين من غير الإسرائيلين متى ننتبه أن أمتنا الاسلامية والعربية بشكل خاص أصبح اسمها أمه اصحاب المصالح ، مع انطلاق حملة اسرائيل الجوية ومع اطلاق أول صاروخ بدأت التراشق الاعلامي بين العرب لدرجه أنهم عجزوا أن يجتمعوا في قمه من أجل دماء ابنائهم واخوانهم في غزه ، فريق يقول الاجنده الايرانية وسوريا وحليفها حزب الله هم السبب ولولا ارتماء حماس في احضانهم لما حصل ما حصل ، وفريق آخر يقول المساعدات الامريكية لمصر ووقوف مصر الى جانب فتح ضد مصالح الصفويين (مصطلح اسمعه كثيرا) هو السبب ويكفي أن مصر تساهم بشكل فاعل في قتل الغزاويين عبر اغلاقها لمعبر رفح وسماحها نقل المعدات الطبية فقط ، وكل فريق ينمق الكلمات ويصف الحروف ويرمي بكل قوته الفريق الآخر وغزه تحترق!!


لنعد بالذاكرة قليلا الى الوراء قبل الصراع الداخلي الفلسطيني كانت حماس قد فازت بالانتخابات بشكل ديمقراطي سلس لم يتوقعه الا القليل من المراقبين وكان هذا مفاجأه من العيار الثقيل لمحبي الجهاد لأن دخول حماس للمعترك السياسي معناه تنازلها عن بعض إهتماماتها الجهادية ، ورغم أنها صرحت منذ اليوم الأول انها لن تطبع مع اسرائيل ودخلت في اشكالية كبيرة حول موقفها من المعاهدات التي ابرمتها السلطة الفلسطينية قبل وصول حماس للسلطه ومع ذلك استطاع ساسه حماس المبتدئون أن يتجاوزوا أغلب هذه العقبات ولكن مع مرور الوقت اكتشفنا أنهم لا يزالون غرباء عن العمل السياسي فبدأت المشكله من خلال محاولتهم تبني اجنده سياسية معينه في المنطقه وبالطبع فلن يستطيعوا أن يقفوا الى صف امريكا التي يلعنها خطبائهم نهارا جهارا وفي نفس الوقت الأجنده الايرانية ليست قريبه منهم كثيرا لا من حيث الايدولوجيه ولا من حيث تطبيقها على ار ض الواقع ولذلك ذهبوا إلى الدولة القوية في الشرق الأوسط وهي مصر ، ولكنهم لم يدركوا أن مصالح مصر الاقتصادية وفكر ساستها مختلف تماما عن فكر الضباط الأحرار الذين ثاروا من قبل رغم عدم ايماني بكل ما قاموا به الا انهم تركوا بصمه ولو اعلامية خلال فتره حكم عبدالناصر ، اتجه قاده حماس الى مصر املا في أن يجدوا ملجأ لهم يرشدهم ويعلمهم فنون السياسه ولكنهم حاولوا ان يتناسون بأن جماعتهم التي ينتمون اليها محظوره اصلا في مصر فكيف تدعم حركتهم وحدودهم ملاصقه لحدود مصر!! وهذه الايام بعد أن خسر الحمساويون كل آملاهم بوقوف مصر معهم اكتشفوا الامر وصرح قيادي بارز في حماس طلب عدم ذكر اسمه لـ«الشرق الاوسط» إن المسؤولين المصريين يبدون حساسية مفرطة ازاء أي اتصال بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين!!


بعدها زاد أوار النار في فلسطين المحتله بين فتح وحماس وبدأ الخلاف يبرز للسطح الاعلامي وكل طرف يضغط على الطرف الآخر من خلال تلميع نجومه فصار اسماعيل هنية على قمه فريق حماس ومحمود عباس على قمه الفريق الآخر ولكون حماس محبوبه في العالم الاسلامي على الاقل اكثر من فتح وقفت الشعوب في مجملها مع حماس ضد فتح وصار التلميع لاسماعيل هنية (وهو يستحق الكثير مما قيل فيه) عبر المنتديات والصحف والانترنت والتلفاز ولكن ماذا استفادت القضيه الفلسطينية من هذا الصراع التلميعي! ، استفادت القضية بأن اعتقل نواب حماس من خلال الضوء الاخضر الامريكي والعربي ممثلا بفتح ومن يؤيدها وقد ظن الكثيرون ان هذه الضربة الخفيفة الموجعه ستجعل حماس تعيد النظر فيما تفعله ولكن كان رد حماس بأن نشرت الصحف العالمية صورة اسماعيل هنية في احد مساجد طهران جالسا وجميع من في المسجد سجود!! ، وكأني سمعته يخاطبني من خلال الصوره ماذا افعل لم يتركوا لنا خيارا غير اللجوء لايران ،وكان سبب لجوء حماس لايران استسلام كثير من الدول العربية للطغيان الأمريكى وفي المقابل حركة حماس في وضع صعب ليس معها إلا الله ثم تاييد الشعوب الإسلامية، لكن على المستوى الإقليمى برزت ايران بتصريحات عنترية تعمدت بها اختراق جدار خوف الأنظمة العربية كي تتميز في الموقف العلني أمام الجماهير، ونجاح حزب الله الاعلامي في معركته امام اسرائيل عام 2006 جعل لايران وسياستها وتصريحات مسئوليها صدى قويا في عواطف الشعوب العربية وصارت دولة الخلافه المنتظره رغم ان اقل العقلاء عقلا يعرف ان لايران اجنده خاصه وكما هو معروف ان ايران تريد دخول القدس عبر نشر المذهب الشيعي الذي يكاد يكون معدوما في فلسطين واذا تحقق ذلك سوف تكسب مكاسب عظمى لأن الاقصى اليوم هو قضية كل مسلم ومن هنا اجتمعت مصالح حماس مع مصالح ايران والسياسة لعبه قذره لا بد لم يلعبها أن تتسخ يداه.


احتلت حماس غزه بعد فشل تطبيق بنود مؤتمر مكه الذي رعته السعودية وقد اقسم الجميع امام مكه المكرمه بأن يحترموا الاتفاق الذي لم يستمر سوى ما يزيد على الاسبوع ، وبدأت المعاناه التي يعلمها الجميع من قطع للكهرباء واغلاق المعابر والتضييق على الناس لدرجة ان غزه اصبحت تذكر العالم بأيام الشقاء الذي سبق الثوره التكنلوجيه والعلمية ومع ذلك حافظ كل طرف على اجندته الى ان جاء يوم انتهاء الهدنه وبعدها أعطت دول المحور الامريكي كما أحب ان اسميها الضوء الاخضر لاسرائيل لتجرب حظها في غزه بعد ضغط العم سام عليهم وشاهدنا الفظائع التي حدث هناك ومع كل الصور المؤلمه التي شاهدناها والفضائع التي ارتكبت من قصف لدور العبادة والمنازل وقتل الاطفال والنساء لم يتحرك القاده العرب ولو لاستنكار على مستوى رفيع إلا ما شاهدناه من خطاب امير قطر وقبل ذلك وزير خارجيته يتصل بتسيبي ليفني يعاتبها على ما يحدث في غزه!.


الاشكال يا سادتي هو أننا لا ننظر لموضع الالم فينا بل نحاول ان نبحث عنه في مكان لن نجده فيه فإسرائيل هي عدونا نعم ولكن هل ادركنا أن اسرائيل ما كانت لتتجرأ علينا لولا تفرقنا وحرص كل صاحب سلطه على مصالحه الجرح غائر عميق ولن يشفى بيوم وليله ولكن ارجوا أن لا نكون كما قال المفكر عبدالله القصيمي (العرب ظاهره صوتية) فنصرخ في المظاهرات التي لم يتعدى أعداد من خرج فيها 10% من اعداد المسلمين في العالم ، الخلل موجود فينا نحن الشعوب ولأننا لا نريد ان نرى المرآه فتفضح عيوبنا استغل ذلك من يقودنا فأوقفنا أمام لوحات يرسمها هو أو ترسم له ويطلب من تصديقها ، مصر والسعودية والكويت وقطر والمغرب وباكستان وايران وفلسطين والعراق كلها نحن ولكن أين نحن مما يحدث! لماذا نترك لهم حرية العبث في قلوبنا وعواطفنا دون أن نحاول ان نفكر لماذا يحدث هذا اصلا وعندها سنجد أن لكل ضعفا حلا وكثيرا ما استشهد بأن ايام الحروب الصليبية كانت الدويلات الاسلامية كحال دولنا اليوم بين الفاطميين الاسماعيليين في مصر والسلجوقيين في الشام والاناضول والأندلس ودويلاتها والمغرب ودويلاتها والخليج وقبائله ومع ذلك كله حضر صلاح الدين فرابض في الصحراء وقاتل الى أن كتب له أن يشاهد بيت المقدس محررا من براثن الصليبيين أعلم أنكم ستقولون أين صلاح الدين اليوم وأنا اقول لكم أين جند صلاح الدين فلولاهم لما تمكن صلاح الدين من فعل شيء ولكان رجلا عاديا فتوفيق الله تعالى وحكمه صلاح الدين وبراعته وحنكته وتوفر الجنود الذين يريدون أن يتخلصوا مما هم فيه كل هذه الامور ساهمت في كتابه صفحه ناصعه البياض في وسط صفحات سوادء مرت في تاريخنا ويكفينا أن نعلم أن المؤرخ الصليبي الاول وليم الصوري قد اشاد بصلاح الدين وتنبأ ان القدس ستفتح على يده.


للكون نواميس لا تتبدل وللدول قوانين كتبها العلامة ابن خلدون واختصرها في طور الاستيلاء على الملك و طور الاستبداد على القوى واصطناع الرجالو طور الفراغ والدعه والاتجاه الى تشييد المباني والمصانع و طور الخنوع والمسالمه وطور الاسراف والتبذير ويكون صاحب الامر متعلقا بما جمعه سلفه ونحن اليوم نمر في طور جديد طور المخاض الذي يسبق وصول الصالحين الى الملك فلننظر الى انفسنا ونلومها قبل ان نلوم امريكا أو الساسه العرب أو حتى اسرائيل فحماس وكل ما يحدث لنا من مآسي هو نتيجه تغافلنا عن آلامنا الحقيقية وأخذ المسكنات لأمراضنا التي صار لزاما علينا علاجها أو قطعها فخلاص الشعوب بأيديها فأبحثوا عن الطرف الخفي وراء كل أكمه!
أختمها بأبيات فالعذر منكم:
نبكي بدمع العينِ أرضاً دُنست / وقلوبنا تشكوا من الخذلان
ولكم هفت نفسي لمجدٍ خالدٍ / تشدوا على أنغامه بلدان
عربٌ وعُجمٌ مسلمون وشيعةٌ / خذلوا فلسطيناً بكوا لبنان
إنهض صلاح الدين شاهد ماجرى /شاهد روؤس الذلِ والنكران
يارب يارحمن فرج كربنا / فرج هموماً داهمت وجداني

هناك 15 تعليقًا:

غير معرف يقول...

افتقدناك وافتقدنا كتاباتك ...والله يكون بعون اهل غزه

FINALTOUCH

محمد سعد القويري يقول...

الأخ رجل يحمل مشاعر

أشكر لك هذا التحليل السياسي

وأمنياتي
وتمنياتي

أن يعجل الله بنصرهم

دمت بكل خير
تحياتي

رجل يحمل مشاعر يقول...

أخي الكريم FINALTOUCH

هذا اقل واجب علينا تجاه اخوتنا في غزه وقد اجبرت المزاج اجبارا على كتابه هذا المقال لعل الله يغفر لنا تقصيرنا في حقهم.

لك ودي عزيزي

رجل يحمل مشاعر يقول...

أهلا بالكريم ابو سعد

نصر الله اخوتنا في غزه في ظل هذا التخاذل العربي والاسلامي والدولي اليوم وصل عدد الشهداء 820 ولتوها الاردن تستعدي سفيرها لدى مصر احتجاجا على ما يحدث في غزه

لك الله يا غزه

the.thinker يقول...

عسى الله يكون في عونهم ويلطف بحالهم ويرحمهم برحمته الواسعه ، مشكوور على هالكلام تسلم ايدك يابومحمد

رجل يحمل مشاعر يقول...

أهلا بأخي المفكر

قمه الكويت اليوم ربما ستسفر عن حل مادي على الاقل بعد التبرع السخي من المملكه والكويت وقطر

أهلا بك عزيزي

meme يقول...

الله يطلف بحالهم ان شاء الله وينصرهم على اعدائهم ويرحم موتاهم

جميل ان نذكرهم ولو بكلمه والدعاء لهم ان لم نستطع مساعدتهم (: لك مني خالص الشكر

الــوَجــدْ يقول...

::::::::::::::::::::

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسال الله تبارك وتعالى أن تكون بخير وبأحسن ..
:
مقال وتحليل سياسي يكتب بماء الذهب ..
(( غافلنا عن آلامنا الحقيقة وأخذ المسكنات لأمراضنا التي صار لزاما علينا علاجها أو قطعها فخلاص الشعوب بأيديها فابحثوا عن الطرف الخفي وراء كل أكمه! ))
علينا أن نبحث عن الطرف الخفي
وعلينا أن نعالج جذر الأمة الإسلامية
:
وأسال الله أن يصلح الحال ويكتب لنا مجدا يجدد فجر الظلام بغدٍ مشرق ..
:
بارك الله فيك ..
حفظك الله ..
:::::::::::::::::::::

روان يقول...

جزاكم الله خير
اعجبت بالمقال وبالتحليل =)

الحارث بن همّام يقول...

أحسنت القول ..
حكام الغرب لديهم مشكلة في فقه الاولويات

رجل يحمل مشاعر يقول...

بداية اعتذر جدا لهذا التأخير على الردود ولكني اثق بأن نبل اخلاقكم وحسن ظنكم يسبق طلبي السماح منكم فللجميع العذر :)

الكريمة ميمي

الآن وبعد انتهاء المشكله ليتنا لا نقف امامها على انها مجرد حرب انتهت بل ندعوا الله ان يرينا الحق وينصر اصحابه:)

سعيد بتواجدك فأهلا بك

رجل يحمل مشاعر يقول...

أهلا بالكريمة الوجد

اشكالنا كأمه عربية هي اننا لا نقرأ ولذلك قالها موشي ديان لا تقلقوا من العرب فإنهم امه لا تقرأ :)

وراء الأكمه لا نراه بالمناظير الليلية ولا بأشعه اكس وانما نراه بمراكز التحليل والمدارس الاستراتيجية والبحوث العلمية وهذا ما نفتقده هذه الايام في عالمنا

عودا حميدا لك ايضا فقد طال انقطاعك :)

رجل يحمل مشاعر يقول...

الكريمة روان

سرني ان المقال راق لك :) وسعيد بتواجدك في هذه المدونه المتواضعه

أهلا بك

رجل يحمل مشاعر يقول...

شاعرنا المتميز

فقه الاولويات يصنف على امزجه الكثير منا فلا رابط له للأسف :)

سعيد بتواجدك

غير معرف يقول...

الصراحة وانا اقرء المقال توقفت لحظة صمت لمده دقائق..

وانا علمت من هذا المقال ان الدنيا فيها خير

وان في امل ان الشعوب العربيه تتوحد..

ونكون علي قلب واحد ..

شكرا