الخميس، 22 مايو 2008

هل الوداع حكايةٌ!!



هل الوداع حكايه أم انه جرح طرى ، او انه غصن رطيب صار ايّبس واعترى ، هو العيون تلألأت بدموع شوق كالثرى،هو القلوب تجمدت وتصلبت فيها العرى،لالا أظن بأنه حبَ تأجل وانطوى،فلاهو الشوق الخفي ولاهو وردٌ يُرى،بل إنه سهم رماه في محيانا الكرى ، وكأننا من بعده صرنا خيالا بل دمى.

لماذا يكون هناك لقاء ووداع ولماذا يكون بعد الوداع شوق للقاء ، هل هي الطبيعه الانسانيه أم أن الأمر فطري ليس لنا يد فيه ، هل اللقاء هو بلسم شفاء لجروح خلفها وداع سابق وكيف يكون اللقاء دون وداع قبله هل له نفس اللذة وفيه الاحساس نفسه.

الوداع أنواع والفراق أشكال والمشاعر في كل نوع تختلف عن ما غيرها ، ولذلك ليس دائما يكون المودِعُ حزيناً ولا حتى المودَع ، وهناك وداع يخرج منه كل طرف وقد نسي قلبه ومشاعره مع من ودع ، للوداع بصمات في حياتنا وله محطات ومسارات وفيه آهات وعبرات ومنه عِبرٌ ودورس وإليه مرجع كل انسان فكلنا ذاك المودَعُ في يوم من الأيام.

وداع الأحبه ووداع الحياه ووداع الفرج ووداع الهم ووداع الفرح ، لكل فعل في حياتنا وداع وحتى اللحظات التي مر بنا نودعها دون أن يشعر بعضنا بقيمتها ، لو تأمل كل واحد منا حياته لوجد في كل لحظه من لحظات حياته لقاء ووداع واصعب انواع هذا الوداع هو وداع أرض نحبها أو لحظات نعيشها وربما أشخاص نفارقهم.

عندما ننزل مكانا يكون هذا النزول في أوله لقاءا ولكن مع مرور الوقت ومسيرة الأيام يتحول هذا اللقاء الى وداع وعندها يبدأ الاحساس بالأمل أو الألم ويتوقف هذا الاحساس على ساعاتنا التي قضيناها وأيامنا التي عشنا فيها ، فمن يودع السجن لا يود أن يعود إليه ولكن من يودع وطنه فإنه يتمنى لحظه يعود فيها لموطنه ومكان ذكرياته ، ولذلك الوداع سلبي وايجابي مفرح ومبكي سهل وصعب بشعور أو بدون مشاعر.

أجمل قصص الوداع التي قرأتها هي قصه وداع المحبين ولعلي اذكر لكم هنا قصه خُلدت بالتاريخ وطبعت على صفحات الحب بأقلام الشوق ، هذه القصه يا ساده صاغها عاشقين بحروف من الحب وأبيات من العشق ومواقف من الود ، لم يكن الوداع بأقل صعوبه من الفراق ولم يكن الوداع هو نهايه اللقاء لست متفلسفا هنا ولكن الى اليوم أراهما يلتقيان عندما يقرأ أي أحد قصتهما وهل بعد هذا اللقاء وداع ، أول ما يخطر على بال أي انسان عندما يذكر الوداع قصص الحب والهيام ولكن أي حب أكبر من حب الزوجين المتحابين ، لن اطيل حتى لا أُضيع عليكم جمال لقاء ووداع المحبين.

القصه هي قصه قيس ولبنى ولست هنا لأذكرها بتفصيلها ولكني سأكتب لكما كيف التقيا وكيف ودع كل واحد صاحبه خرج قيس على ظهر ناقته لقضاء بعض حاجياته فمر على حي بني كعب وشعر بظمأ شديد فعرج على أهل الحي ليستقي ونزل عند إحدى الخيام المتناثرة فقامت إليه فتاة فاتنة وحملت له الماء ليشرب , وفتن بها قيس وأعجب بها إعجابا شديدا ومن يومها وهو يتعمد أن يمر دائما على ذلك الحي ليروي ظمأه وعرف ان اسمها لبنى ثم تردد عليها وشكا لها و اعترف بحبه ولم يوافق والده على زواجه فتوسط له الحسين بن علي وكان أخا له من الرضاعه وتم الزواج .

التقيا وأحبا بعضهما ولكن قدر الله أن تكون لبنى عاقرا عقيما ، وتدخل الأب الذي لم يعجبه الزواج من بدايته وطلب من قيس أن يطلقها ولكن قيسا رفض فكما كان من أبيه إلا أن حلف ان لا يجلس تحت سقف حتى يطلق قيس لبنى! ، وبر الأب بقسمه فكان يخرج للهاجره كل يوم ويجلس في الشمس ويأتي قيس له يظلله برداءه والأب على ما أقسم عليه ، وقيس يقف يظلل ابيه حتى يقرب المغيب فيدخل بيته ويعانق لبنى وتعانقه وهما يبكيان ولم يزل الناس به يطلبونه بر ابيه حتى طلقها!،ورحلت لبنى إلى قومها بمكة، وجزع قيس جزعاً شديداً، وبلغ به الندم أقصى مداه، وتحولت حياته إلى أسف لا ينتهى، وندم لا ينقطع، ودموع لا تغيض، وحسرات لا تقف عند حد، ولم يجد أمامه سوى شعره يبثه أسفه وندمه ودموعه وحسراته.

وهنا جاشت العواطف وثارت النفس فكتب أبياتا لن ينساها أبدا قاموس المحبين ولن تكتب إلا في كتب الوداع وصفحات الفراق:

وفارقت لبنى ضلة فكأننى/ قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت أنى مت قبل فراقها/ وهل ترجعن فوت القضية ليت

أُجبر قيس على الزواج من أخرى ولكنه لم ينسى ألم وداع لبنى وسافر إليها فنهره ابوها وزوجها نكايه به من رجل آخر فكان الوداع في هذه المره إجباريا بعدما كان اختياريا فنظم يقول:
أتبكي على لبنى وانت تركتهــا * وكنت كاتي حتفه وهو طائع
فيا قلب صبرا واعترافا بحبها * وياحبها قع بالذي انت واقع
ويا قلب خبرني اذا شطت النوى* بلبنى وبانت عنك ما انت صانع
اتصبر للبين المشت مع الجوى * ام انت امرؤ ناسي الحياة فجازع
كأن بلاد الله مالم تكن بهـــــا * وإن كان فيها الناس وحش بلاقـع
اقضي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني والهم بالليل جامـع
نهاري نهار الناس حتى اذا بدا * لي الليل هزتني اليك المضاجـع
لقد رسخت في القلب منك مودة * كما رسخت في الراحتين الأصابـع
وماتت لبنى فخرج قيس ووقف على قبرها يودعها فأكب على القبر يبكي ويقبله وكيف لا وهو يضم من ودعه مجبرا وحمل الى البيت وودع قيس الحياه بعد ثلاثه أيام.
لنجعل من وداعنا وداعا لا ينسى ولست هنا أدعوا لنفعل كما فعل قيس ولكن لنجعل في كل وداع لنا موقف يسجل أو إخلاص يدون وليتنا نودع عند من نودع بعض مشاعرنا ومواقف سجلت في ذاكرته لنا ويا سعد من كانت مواقفه تخفف لوعه الوداع على من وادع.