الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

رحلة بيلي للرياض

 
 
رحلة إلى الرياض في عام 1865


رحلة إلى الرياض في عام 1865م من تأليف الرحالة لويس بيلي ترجمة وتعليق د.أحمد إيبش ونشر هيئة أبوظبي للثقافة والتراث 2010 ، مؤلف الكتاب هو لويس بيلي ولد في عام 1825 وتوفي في عام 1895 وشغل بيلي منصب المقيم السياسي في الخليج بين عامي 1862-1873 وكان له دور كبير في تحجيم قوة الدولة السعودية الثانية ونفوذها في عمان والساحل المتهادن (انظر دراسة د.عبدالله بن ابراهيم التركي).

الدراسة من الناحية التاريخية ذات قيمة عالية وقد أشار الشيخ عبدالعزيز الرشيد لزيارة بيلي للكويت حيث أن بيلي انطلق من الكويت إلى الرياض ، رحلة بيلي حفظت لنا وصفاً دقيقاً للطريق بين الكويت والرياض في تلك الفترة كما كانت مصدراً مهما لجغرافية المنطقة في تلك الفترة خصوصاً أن الكتاب مليئ بتفاصيل الأماكن والآبار والمدن والقرى التي عبرها بيلي خلال رحلته.

ذكر بيلي في رحلته أن سبب الزيارة للرياض إبعاد مشاعر العداء للبريطانين عن مخيلة الأمير فيصل بن تركي ،ولم تكن رحلة بيلي إلى الرياض الأولى كما يدعي بل سبقه بعامين باليغريف الذي وصل الرياض متخفيا بزي طبيب مسيحي سوري وقد وضح المترجم والمحقق د.أحمد إيبش ذلك الأمر في الكتاب وبينه بشكل مفصل.

لويس بيلي كان المقيم السياسي البريطاني في الخليج وكانت المشاكل كبيرة بين سلطان عمان والقوات السعودية التي تعسكر في واحة البريمي وتأخذ الزكاة من بعض مناطق عُمان وهذا الأمر إمتداد لما كان عليه الحال قبل سقوط الدولة السعودية الأولى على يد ابناء محمد علي باشا حاكم مصر عام 1818 عندما وصلت القوات المصرية إلى بلدة الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى وخربتها وأخذت أسرى سعوديين ونقلتهم إلى القاهره.

من الملاحظ على بيلي ذكره لمعلومات غريبة تكاد لا تصدقها العقول فعلى سبيل المثال يشير إلى يوسف البدر التاجر والوجيه الكويتي المعروف وكان من كبار تجار الخيل في زمانه فيقول "يبلغ يوسف من العمر 72 عاما وأظن أنه تزوج ما لا يقل عن ستة وعشرين مره في حياته وله زوجتان تقيمان معه في نفس البيت".

هنا بيلي يبالغ في مسألة الزواج كثيراً فالمعروف أن الزواج من أكثر من زوجة كان أمراً طبيعياً في تلك الأيام لكن أن يبلغ عدد النساء التي تزوجهن يوسف البدر ستة وعشرين فهذا أمر مبالغ فيه،وربما كان يقصد بيلي الإماء اللاتي كن في بيته وهذا الأمر طبيعي فهن له أمهات ولد إن أنجبن وبريطانيا في ذلك الوقت كانت تحارب تجارة الرقيق وعقد معاهدات كثيرة مع امارات الخليج العربي ولذلك من المستغرب أن لا يدرك بيلي هذه المعلومة.

من مميزات ماذكره بيلي جانباً جميلاً عن الحياة الإجتماعية في الكويت في تلك الفترة حيث أشار إلى قدوم أبناء البادية إلى مجلس يوسف البدر ويدخلون المجلس دون مراسم تحية معينة ويأخذون في ذكر أخبار البادية كما أن بعض يأتي ليعيد مالاً اقترضه قبل عام أو يعرض فرساً أصيلة على عليه،وهذا يعطينا دلائل على أن الأمانه والرجولة كانت حاضرة فيحافظ الرجل على سمعته ولا يرضى أن يمسها سوء ويعيد المال لأهله قبل أن يحين موعد سداده،ويذكر كذلك أن بعض اليهود كانوا يعيشون في الكويت في ذلك الزمان ويتمتعون بحرياتهم الدينية كاملةً ،وأشار إلى أن أهل الكويت هم أمهر صناع للسفن في الخليج بأكمله.

في بعض فقرات الكتاب نجد أن بيلي يتعمد تشويه صورة الإسلام فيقول أن أحد الأعيان المحليين ذكر له أنه يختار شهر رمضان للسفر لكون الصيام لا يحب على المسافر والمؤمن يُعفى من الصيام حال السفر،وهذا صحيح في جانب واحد وهو أن الصيام يسقط عن المسافر وقت السفر لكن عليه قضاؤه كما أن بيلي لا يذكر إسم الرجل رغم أنه من الأعيان المعروفين كما يدعي!
ويشير في موضع آخر خلال رحلته إلى الرياض إلى عدم وصول الإسلام لبعض القبائل في الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب فهو يذكر على سبيل المثال أن أهل الحوطة في سدير انتقلوا من الوثنية إلى السلفية على يد الأمير فيصل! وهذا الأمر بعيد عن الحقيقة لأن الجزيرة العربية ومنذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخلت في الإسلام بل حارب الخلفاء الراشدون بعض قبائلها عندما ارتدت عن الإسلام ولعله يقصد أن بعض الشبهات والشركيات دخلت في سلوك القبائل وهذا هو سبب قيام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب فالشيخ لم يدعوا الناس إلى الإسلام وانما حارب مظاهر شرك كانت موجودة كما يذكر المؤرخون.

ويزدري بيلي العرب في الكثير من الفقرات الكتاب فهو يناقض نفسه حينما يتحدث عن الدور الإنجليزي في تحرير الناس من الرق ومحاربة الاتجار بالبشر والعدالة والمساواة وفي ذات الوقت تظهر عجرفته بين السطور ففي الفقرة 82 يذكر ما نصه "ولو أنني أرى العقلية العربية عموماً تستعصي على الفهم وتتقلبها الأهواء فلا يمكن الركون إليها، إنها عقلية متشددة لدرجة يصعب إبرام اتفاق مع أصحابها ولو لمدة ساعة واحده"

وهنا يناقض نفسه بنفسه ففي بداية رحلته أثنى كثيراً على يوسف البدر وأبنائه وبعض التجار وعندما قابل الإمام فيصل بن تركي نجده يذكر محاسنه وسعة اطلاعه وحنكته ، وعند مغادرته للرياض يعمم تعميماً مثل هذا،الواقع أن من الإنصاف ذكر حوادث معينة حدث له فالعرب كغيرهم من شعوب الأرض ليسوا منزهين عن الخطأ.

ملاحق الكتاب ذات فائدة وقيمة علمية فنجد أسماءً بنباتات أواسط الجزيرة العربية في ذلك الزمان وكذلك جدولا لوصف مراحل الطريق من الكويت إلى الرياض والوقت المستغرق لقطع كل مرحلة،وقائمة بالسلائل المختلفة للخيل العربي وغيرها من الملاحق.

الكتاب في عمومه اضافه للمكتبة العربية وقد سبق أن نشر الكتاب عن طريق جامعة الملك سعود وحقق تلك النسخة عبدالرحمن الشيخ وعويضة الجهني ونشر في 1991.