الاثنين، 25 يوليو، 2011

دمشق بعد تسعين عاما

دمشق بعد تسعين عاماً

بقلم الاديب الاريب علي الطنطاوي رحمه الله

نقلا عن كتابه البواكير


ماذا يكون يومئذ إذا لم نبادر إلى الإصلاح اليوم؟

أخرج هذا ((الطنطاوي)) أولى رسائله *فأغضبت وأرضت، ثم قفى على إثرها بالثانية فلم تدع راضياً عنه أحداً ،ولم يدع الناسُ لفظة في دواوين اللغة تدل على الإنتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبة وحضوراً ،حتى ضاق بخصومتهم ذرعاً فحدث عن نفسه فقال :لفظتني النوادي وجانبني الرفاق،وضاقت علي الارض بما رحبت،حتى لا أرى فيها إلا وجوهاً تعلوها سيما الغضب وأصواتاً تملؤها كلمات الشتم.

ذهبت إلى منزلي فراراً من الناس ،فلم يستقر بي المقام فيه حتى خرجت منه موهناً،وكانت ليله ظلماء لانور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية، ولا صوت إلا صوتقدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرباً،لا اعرف لي قصداً ولا غاية،وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة.

كدت أسير إلى الصباح مادمت لا افكر في شيء وافكر في كل شيء،لولا أن أستوقفني شعور برهبة اعتراني،فعادت إلي نفسي،فبصرت ماحولي فإذا أنا بين الاموات! وإذا أنا قد قطعت هذه الاسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدحداح ودخلت المقبرة،فتمثلت لي شواهدها الماثلة أشباحاً مخيفة،فمُلئُت رعباً وفزعاً ،وخانتني رجلاي فسقطت مكاني،وأحسست بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة،وإذا هو قبر!

وأُحس حركة،فألتفتُ فأرى القبر ينشق فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه،ويقترب مني فأجمد ولا يبقى حياً مني إلاسمعي،فأسمعه يقول:أيها الخبيث!ماأنت ونقد الشيوخ وإصلاحهم،وهلا أصلحت اخوانك وأترابك من الشبان؟أيها الشرير،ألا تبصر أخلاقهم؟ ألاترى تقليدهم الغربيين؟ أعميت عن كل هذا ولم يبق محتاجاً إلى إصلاح إلا الشيوخ؟ويلك! ألست تزعم أنك من صالحي الشبان،وأنت لاتزيد على فرضك،وربما تهاونت به أحياناً؟ فهلا عمدت إلى نفسك فبدأت بإصلاحها ؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي!

ويُعقد لساني فلا ارد عليه حرفاً،ويقترب مني،حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحس بحركة،وأرى سحابة كبيرة تمر من فوقنا،فيلامسه ريحها فيسقط ميتاً وأغوص في الارض عشرة أذرع.

مرت مدة الله اعلم بمداها،ثم صحوت،فرأيت البلاد تغيرت ومن عليها،فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين،بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخكة ذات العشرين طبقة،واهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الاوروبي ،فعرفت في الحال أنني في باريس!

اقتربت من احد الناس فقلت له بالفرنسية التي اعرف منها شيئاً : بونجور.فصعد في نظره وصوب،وتأملني باسماً متهكماً،ثم سار ولم يرد علي شيئاً.فرجعت إلى نفسي فوجدتني غريباً في زيي،وكيف لايكون غريبا من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعت إلى حلاق فحلقت،واشتريت قبعة،وخرجت أنظر متعجباً،لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيت من الرجل الاول.

وأرى شيخاً هِماً فأتخيل أني أعرفه، وأتقرب منه فأجده صديقي فلان ،وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات ، فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شاباً! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فاقول له :السلام عليكم بنجور غود مورنيغ!

فيرد علي قائلاً : وعليكم السلام ورحمة الله .ويعجب من سلامي،فأنتسب له فيعرفني ويهش لي ويقول:كيف عدت غلينا وقد حسبناك مت منذ تسعين سنة؟

-إن لي خبراً طويلاً،ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟

- في السنة 2019 ميلادية.

-وماهذه المدينه؟

-جيب منك،ألا تعرفها؟ هذه دمشق.

-دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك أن لاتهزأ بي.

-جِداً أقول إنها دمشق.

-ومتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟

-لاتغتر، فما لدمشق منه شيء ،ولكنه شارع الاجانب،والاجانب -تجاراً وصناعاً- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام امورها.

- وماذا فعل أهلها ؟ فلقد تركتهم على أبواب نهضة اقتصادية كبرى،ولقد أسسوا معامل للدباغة والنسيج و...

- آه،لقد أذكرتني عهداً كنت له ناسياً، ولا يعرفه مما ترى غيري. إن ماتقوله صحيح،ولكن..آه! عمَّ أحدثك ؟هلم،هلم إلى أحد المقاهي فغنني لا اطيق الوقوف.

وندخل المقهى فتاتينا فتاة كانها فلقة البدر تسألنا طلبنا، ويجيبها رفيقي بلغة لا ادري ألاتينية هم أم لغة الصين،

فتنحني قليلاً وتنصر. فأقول له: ماهذه الفتاة وباي اللغات تكلمها؟

-إنك قد قطعن علي حديثي الأول، ولكني مخبرك عن سؤالك. ليس من كلمة فتاة ولكنه شاب.

- شاب؟ شاب؟ وماهذا الشعر الطويل؟ وماهذه الثياب القصيرة؟ وماهذه الاصبغة؟ وماهذا الكحل في العينين؟

- نعم ياسيدي ، إنه شاب، وهكذا كل شبان اليوم،لا يعرفون إلا التجملوالرقة، أما الأعمال الكبرى والمشروعات العظيمة فكلها بيد المرأة!

- ماذا تقول؟ أبُدلت الأرض غير الأرض؟ أم قامت الساعة؟ أم طلعت الشمس من مغربها؟ أم ماذا؟

- إن شيئا من ذلك لم يكن، ولكن هذه ((الموضة)) التي بدات في زمانكم بحلق شاربي الرجل وشعر المراة ،وحضورها في الكليات وعقدها المجامع،واشتغاله بالزينه وعكوفه عليها، قد جرنا إلى ماترى، وماخفي عنك أعظم. وأما هذه اللغه فما هي إلا خليط من اللغة العامية واللغات الأجنبية،وأما الفصحى فلم يعد يعرفها إلا المنقطعون لدراستها ،وقليل ماهم! ودعني أتم لك حديثي الأول :إن هذه النهضة الإقتصادية التي بدأ في زمنك، والتي سارت سيراً حسناً حينا أقبل الطلاب على مساعدتها، لم تلبث أن ركد ربحها وتقاربت خطاها لانقطاع الناس عن مساعدتها ومثابرتهم على شراء البضائع الأجنبية، فضعفت،ثم اضمحلت فلم يبقى لها أثر. وخلا الجو لقُبرة أوربا،ولكن لا صائد لها!

وهنا جاءت (أو جاء) الكارسون بقدحين من الخمر،فقلت:خمر؟أأنا أشرب الخمر؟!

-مهلاً يا أخي، فما في المدينه شراب سواه وإن هذه الحانات التي كانت في زقاق رامي(الذي يرى اليوم في مخططات دمشق الاثرية) وإهمال الحكومة أمر إغلاقها وتحريم تعاطي ما فيها قد سبب لنا هذا البلاء العام والشر المستطير.

-ولكني لا أشربه.

-ولماذا؟

-عجيب! أليس بحرام؟

-حرام؟ هاهاها ّ مابقي من يقول حرام وحلال.

- ماذا؟ وهل ذهب الدين؟

-أليس لك بذهابه علم؟ هاك المسجد الأموي ،لا يدخل إليه إلا المتفرجون ،لا المصلون. ولا تعجب من هذا، فإنك تعرف أن شبان زمانك كانوا يتهاونون بأمور الدين ويتغافلون عنها ، وسار أولادهم في طريقهم ، فنشأ هذا النشء الذي لايعرف من الدين إلا الأسم.

وطلب إلي صديقي أن أقوم معه لندور في المدينه،فامتطينا سيارة، فرأيت ميداناً عظيماً فيه تمثال، فقلت له: تمثال من هذا؟

-ليس تمثالاً لبشر،ولكنه تمثال الحريه.

-وماتمثال الحرية؟

- هو...

وها صدمتنا سيارة أخرى،فصحت :وارأساه!

ففُتح الباب ، وأفقت فإذا أنا في الفراش. وإذا هي دمشق لا باريس،وسنة 1929 لا سنة 2019،لا بنايات ولا تماثيل،ولا تهتك ولا إلحاد،وإذا كل ما رأيت رؤيا منام وأضغاث أحلام!

ليست هناك تعليقات: