السبت، 16 يوليو 2011

اعرابي في المطعم


الأعراب لم يعد لهم وجود في واقعنا الحالي ربما وُجِد من كان عربيا محافظاً متمسكاً بموروثه وتقاليده أما الأعراب فقد فقدناهم منذ أن انتشر الانترنت وغزا الفيس بوك وتويتر عقول أبنائهم وحلّت البيوت الإسمنتيه محل الخيام في الصحاري والقفار.

قد قيل "بأن العربي هو من سكن الحضر من العرب ،، والأعرابي هو البدوي الذي يعيش متنقلاً في البادية " ولعمري ماعاد هناك أعراب اليوم دخل التحضر قلوبهم وعقولهم وصارت الرفاهية حياتهم فسكنوا الحواضر والمدن وعاشو مستمتعين بسياراتهم بدل الإبل والخيل وصار المُكيف ملاذهم بدل ظلال الشجر فكلنا اليوم عرب حاضره لا عاربة ولا مستعربه.

هل ترك بعضنا الأمر على حاله ورضي بالمساواة فلا أعراب ولا أهل حاضرة؟ كنت موقناً بهذا الأمر حتى ساقتني سيارتي لمطعم فاخر مكانه قبالة البحر ومن طبعي أنني أحب البساطة على التكلف لكن ابن عمٍ لي أصرّ أن نفطر عند خلفاء اليوم وسادة هذا الزمان من يطعموننا من أموالنا ما لا يعجبنا.

هذه المطاعم اليوم صارت فخمة كالقصور تدخلها فيرحب بك حارس القصر عند المدخل ثم يأخذك إلى الطاولة التي ستجلس عليها شخص يبتسم لك بمقدار ما تكون ثيابك غالية ومظهرك أنيقا خادعاً ، يحسب أن كل صاحب ثوب من حرير يملك آلاف الدنانير ويغفل عن أن الكثير من أهل هذا الزمان يلبسون مالا يملكون ثمنه ويركبون مالا يقدرون على شرائه.

تجلس على المائدة فتشعر أن بالسعادة لأنك ستأكل! لكن ما إن تلتفت من حولك فتجد سهام عيون المتطفلين تغزو مضاربك ،تتقي شر سهامهم بإبتسامة علهم يدركون أنك بشرٌ مثلهم لاتهتم بالمظاهر كاهتمامهم بها! 

استحلفك بالله أيها القاريء العزيز إن كنت أعرابياً مثلي ودخلت قصور أهل المظاهر فلا تطأُ قدماك المكان إلا متسلحا بكتب فنون الأتيكيت ومعجم أكلات الشرق والغرب ودفاتر أنواع المناديل ؛ لا تتفاجأ فليس السامع كالمعايِن !

حينما قادنا الرجل المبتسم ابتسامة المُجبرِ لنجلس أحسست أن العالم ضاق بي حتى صار كخرم الإبره قطراتٌ من عرق الخجل والحياء تقاطرت من جبيني كيف لا وأنا أمام جيش عرمرم من الملاعق والسكاكين وملاعقٌ ذات أسنان! كل هذا لن أُشغلك به لأنك ستجده في الكُتب التي أوصيتك بها.

الطامة يا أبناء قومي من الأعراب لم تأتِ بعد ، المصيبة هي حينما أُحضر الفطور وكان شهيا بيضا وجبناً وزيتوناً وفولا وفلافل وكل ماتشتهيه نفسك من ملذات الإفطار لن تأكل يا عزيزي اتعرف لماذا؟ لأن هناك قوانيناً عليك الالتزام بها فأهل هذا القصر المنيف الذي تأكل فيه بأموالك يشمئزون من أكل بالخبر فالبيض يؤكل بالشوكة والسكين والفول بالملعقه والزيتون والجبن بالشوكه وإن تاقت نفسك للخبر فإما أن تأكله بعدما تستقبل معدتك الأكل أو تنقل ما تريد أكله بواسطة الملعقة والشوكه والويل لك إن أقدمت على الأكل بالخبز من الطبق مباشرةً فلا ترتكب حماقة كهذه وتكون حديث أهل المكان ويؤرّخ هذا العام بسنة الأعرابي.

هذا ليس كل شيء ! فحينما توضع هذه الأطباق على على مائدتك لك الخيار في القيام والذهاب للأكل مما يسمى جوازاً بالبوفيه وهي كلمة فرنسية تعني الدولاب ذا الأماكن المخصصة لتخزين الأواني والمائدة التي يوضع عليها الأكل والمشروبات ولا أود أن أحلف بالله بأن الكثير من أهل حاضرة ذاك المطعم لا يعرفون معناها.

تسير بمحاذاة طاولة البوفيه فتحسب أنك تمُر على بقايا طعامٍ أو أن بخيلاً قد دعاك لتفطر عنده،فجميع أصناف الطعام على امتداد المائدة صغيرةٌ جداً تؤكل بقضمة واحدة ؛ العجيب أنه من العيب عُرفاً أن تقوم لملأ صحنك مرةً أخرى لأنك ستتهم تلقائيا بالشراهة.

حينما تنهض ثانية يجب أن يكون نهوضك لأكل الكعك والفاكهة وهنا انتبهوا يابني يعرب اياكم ثم اياكم أن تضعوا الكعك في ذات الطبق الذي اكلتم فيه افطاركم فهذا الفعل وقعه عظيم في نفوس أهل الذوق وأنصار مدرسة الاتكيت كوقع تسونامي على جزر اليابان وما جاورها!

السؤال الذي اعياني ولم أجد له جواباً هل من يتصنعون الأكل في هذا القصر المنيف يفعلون الشيء ذاته في بيوتهم؟ أم أنهم اذا خلوا بصحون الطعام لحسوها؟!!

هذا الصنف من الناس ممن يضايقهم تصرفات الأعراب في الأماكن التي يرتادونها هم أنفسهم ممن ينادون بالحرية واحترام ثقافات الآخرين ونشر العداله الاجتماعية بالطبع لا نقول ولا نعمم أن جميع مرتادي هذه المطاعم يحملون هذه النظره لكنهم عددٌ لايستهان به ، وهؤلاء أنفسهم هم الذين شاهدتهم في مطعم آخر غير فاخر كثيراً يعيبون على عائلة هندية احتفلت بعيد ميلاد ابنتهم ويسخرون من طريقة احتفالهم ؛ والغريب أن المحتفلون ارسلوا لهم جزء من الكيكة! لأنهم أعراب مثلنا لايتصنعون ولا يختبئون خلف المظاهر.

نحن الأعراب ندرك أن  من حق الجميع أن يفرحوا! من حق الفقراء أن يحتفلوا بمناسباتهم في المطاعم والأماكن المفتوحة ؛ ومن حق الأعراب أن لايلتزموا بأتيكيت يُبغضونه ماداموا لا يخالفون الآداب العامة ومن حق أهل المظاهر أن يأكلوا الزيتون بالملاعق  والبيض بالشوكة والسكين مادام هذا يسعدهم ويريحهم لأن السرور مكفول للجميع.

أفخر بكوني أعرابياً لا أحب المطاعم الفخمة والاتكيت وفي ذات الوقت اكتب هذا المقال من الايباد وأحسن القراءة والكتابه ؛ المظاهر ليست سوى قناعٍ يستتر خلفه الخاوي من الثقافة الخالي من العلم فلم تكن الرجال توزن يوماً بمظاهرها ولم تكن النساء تُقيّم يوماً بشكلها ما يُرجِّح كفة الإنسان مخبره وجوهره.

في ختام المقال لا أملك سوى أن أترحم على فقيه الأدباء علي الطنطاوي رحمه الله فهو صاحب فكرة المقال حينما كتب مقالين مشابهين عنونهما بأعرابي بالحمام وأعرابي في السينما في كتابه صور وخواطر جمعنا الله واياه أعراباً كنا أم أهل حاضرةٍ في الفردوس الأعلى