السبت، 16 أبريل، 2011

ثقب العقول



حياتنا اليومية في مفهومها العام جزء من البيئة المحيطة بنا ،فالبيئة لا تقتصر الماء والغذاء والأرض وإنما مؤثر قوي على الفرد وعقله وطريقة تفكيره ، قد يتسائل القارئ كيف يكون ذلك والبيئة ليست أكثر من مجرد مؤتمرات حول الإحتباس الحراري وذوبان القطب الشمالي وكمية غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من عوادم السيارات والطائرات وحتى المصانع ، كيف نؤمن بتأثير البيئة على العقول وغالب الحلول المطروحة على طاولة الإجتماعات هي تخضير وزراعه الأشجار وتقليل عمل المصانع وتحديد عدد السيارات سنويا كما يحدث في الصين مثلاً. نعم هذا الأمر صحيح لكن من الناحية العلمية البحته فقط ، فالإنسان إبن بيئته فالرجل الذي يعيش في صحراء قاحلة مترامية الأطراف له من الصبر ما يعجز عنه من يسكن على ضفاف الأنهار وفي وسط الغابات المثمرة المزدحمة بصنوف الثمار والحيوانات ، وسبحان الخالق العظيم كيف أعطى القدرة لجسم الإنسان أن تتأقلم مع البيئات والأجواء المختلفه . هب أن رجلا يعيش في أوربا البارده ساقته عقود البترول للحياة في قلب الربع الخالي من الجزيرة العربية أتراه سيموت من القيظ وشدة الحر ، قد يكون لكن غالبهم يتكيف مع الجو والبيئة وهذا من نعم الله علينا بني البشر ، والدليل على ذلك قصص الرحالة الذي جالوا في الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر والعشرين كعبدالله فلبي وديسكون ومبارك بن لندن –ويلفرد ثيجر- وغلوب باشا -أبوحنيك- وأشهرهم لورانس المشهور بلورانس العرب ، فكيف صبروا على حر الجزيرة العربية في ذلك الزمان حيث لا أجهزة تبريد حاضرة ولا مباني فخمة مبنية. إذا فالبيئة تأثيرها جلي على تصرفات الإنسان فأهل السواحل أقدر على الإندماج مع الآخرين ، كونهم يستقبلون صنوفاً من البشر من خلال الموانئ المحيطة بهم ، وهم كذلك أهل سفر وتجارة يتعرفون من خلال رحلاتهم على أصناف وشعوب مختلفه فيأخذون المفيد ويطورون به ذواتهم وقابليتهم للتغير كبيرة خصوصا إذا ما إقترنت بالإقتناع. أما أهل الصحراء والجبال أكثر إنغلاقا ينشغلون بالكفاح من أجل العيش أكثر من تفكيرهم بأمور أخرى فالبدوي أو الأعرابي يتميز بالقوة والصلابة والصراحة فليس عنده ما يخفيه في وسط صحراء تعريه ، وهم أهل كرم وجود كونهم يعلمون ما يقاسيه المسافر في الصحراء فيكرمون الضيف لأنهم أحسوا بما يعانيه ، ويحملونه دينا أن يعامل الآخرين بالكرم والبشاشة لأنهم قد يكونون ضيوفه يوما. ولعل القارئ اليوم يقول ما شأننا اليوم بما تقول فهذا الأمر انتهى فلم يعد هناك سواحل وقفار فذاك الزمان ولى ولن يعود ، عصرنا اليوم عصر الطائرات والقطارات والكمبيوتر فما بالك تحدثنا بما أكل عليه الدهر وشرب حتى شبع؟!


تأثير البيئة أحد موروثات الإنسان فبعض العادات كانت من آلاف السنين ولازالت حاضرة في زماننا هذا ، نعم يقل تأثير البيئة بشكل واضح لكن لا تزال أنماط التفكير تستمد بعض طرقها من الماضي ولا يكون ذلك ممكنا دون تأثير البيئة في ذاك الزمان على التفكير ، وإلا لما حاول البعض اليوم الخروج على بعض العادات والتقاليد التي لم تعد تصلح –من وجهه نظرهم لأيامنا هذه. للطبيعة سحر على عقول وقلوب بني البشر وهي جزء لا يتجزأ من البيئة المحيطة بالإنسان وليس أبلغ من حكاية علي بن الجهم عندما وصفته المصادر بأنه "بدوي حافيا" قدم على الخليفة المتوكل لمدحه وللحصول على بعض المال فقال في مدح أمير المؤمنين:


أنت كالكلب في حفاظك للود ***** و كالتيس في قراع الخطوب



أنت كالدلو لا عدمناك دلواً ***** من كبار الدلا كثير الذنوب



وهنا أدرك الخليفة المتوكل حقيقة البيئة التي جاء منها الشاعر ، ففهم بفراسته أن في عقل ابن الجهم ثقبا كانت بيئته الجافة سببا في وجوده ، وذ لك لأنه وصف كما رأى و ‏لعدم المخالطة و ملازمة البادية । فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان يتخلله نسيم ‏لطيف و الجسر قريب منه



فأقام ستة اشهر على ذلك ثم استدعاه الخليفة لينشد ، فقال :‏


عـيون الـمها بين الرصافة والجسر ******** جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري


خـليلــي مـا أحـلى الـــــــهوى وأمـره ******** أعـرفـني بـالحلو مـنه وبـالمرَّ !


كـفى بـالهوى شغلاً وبالشيب زاجراً ******** لـو أن الـهوى مـما ينهنه بالزجر


بـما بـيننا مـن حـرمة هــــــل علمتما ******** أرق من الشكوى وأقسى من الهجر ؟


و أفـضح مـن عـين المحب لسّـــــره ******** ولا سـيما إن طـلقت دمـعة تجري


وإن أنـست لـلأشياء لا أنسى قولها ******** جـارتها : مـا أولـع الـحب بالحر


فـقالت لـها الأخـرى : فما لصديقنا ******** مـعنى وهـل في قتله لك من عذر ؟


صـليه لـعل الوصل يحييه وأعلمي ******** بـأن أسـير الـحب في أعظم الأسر


فـقـالت أذود الـناس عـنه وقـلمــــــا ******** يـطيب الـهوى إلا لـمنهتك الستر


و ايـقـنتا أن قـد سـمعت فـقالتـــــــا ******** مـن الطارق المصغي إلينا وما ندري


فـقلت فـتى إن شـئتما كـتم الهوى ******** وإلا فـخـلاع الأعـنـة والـغـدر


فقال المتوكل : أوقفوه ، فأنا أخشى أن يذوب رقة و لطافة !


فمن الذي غير ابن الجهم البدوي الحافي إلى الأديب رقيق المشاعر ، لم تغيره سوى البيئة التي انتقل إليها واندمج فيها حتى سدت ثقبا وجفوة في أدبه وأخرجت أديبا رقيقا لطيفا شاعرياً. فرويدكم يا سادتي على الناس وابحثوا عن الثقوب في عقولهم وسدوها كما فعل الخليفة المتوكل ، فالبيئة لها دور كبير في رقة الإنسان وجلافته ॥ صبره وقلة حيلته ... حياءه وجرأته ... تفكيره وتدبيره ، فكونوا له عوناً ولا تزيدوا الثقب اتساعا فتعينوا البيئة عليه.

هناك 6 تعليقات:

سمسم الإمارات يقول...

سمسم الإمارات
أتذكر عندما كنت أدرس مادة الجغرافية في مدرستي أن البيئة هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان، والذي يحتوي على التربة والماء والهواء، وما يتضمنه كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة من مكونات جمادية، وكائنات تنبض بالحياة، وما يسود هذا الإطار من مظاهر شتى من طقس ومناخ ورياح وامطار....الخ، إذا هل يا ترى البيئة لها تأثير كبير أو بسيط على تكوين شخصية الإنسان، أكتشفت أنه في المرتبة الأولى تأتي العادات والتقاليد و التي تتحكم في أخلاقيات الإنسان.
فمثلا ذكرت يا أبا محمد أن هناك بعض الرحالة الذين جالوا الوطن العربي في القرن التاسع عشر والعشرين واستطاعوا أن يعيشوا في تلك البيئات والتي تتصف بشكل عام بالحر الشديد خاصة في الجزيرة العربية، وعاشوا فيها،فهل تعتقد أن أخلاقياتهم غيرتها البيئة التي عاشوا فيها؟ أم ظلت كما هي؟ خاصة الرحالة لورنس العرب هذا أمر.
والأمر الآخر ألا تعتقد أن الإنسان بطبعه لديه حب التعرف والإطلاع على عادات وتقاليد الشعوب الأخرى، وهذه فطرة فطرها الله سبحانه وتعالى في النفس البشرية تصديقا لقوله( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)فالإنسان بطبعه لديه حب الأستكشاف والاطلاع، ومن هذه القاعدة الربانية فإن الإنسان مهما كانت بيئته باردة حارة جافة مزدوجة يستطيع ان يعيش ويتكيف في أي بيئة، ليس بالضرورة الذين يعيشون في بيئة صحراوية يمتازون كلهم بالكرم، أو الذين يعيشون في بيئة ساحلية أو في بيئة باردة أو جبلية يمتازون بالبخل، الكرم والشهامة والعزة والمروءة هذه صفات نتوارثها بالعادات والتقاليد وليس من خلال البيئة التي نعيش فيها، هذه وجهة نظري يا أبا محمد، الحر والبرد والرطوبة والمطر ....الخ أتوقع ليس لها تأثير كبير على سلوك الإنسان تجعله كريم أو بخيل، وإنما يكتسبها من خلال الأخلاقيات التي تربى عليهاوأستمدها من خلال جو أسرته،وهناك الكثير من الأعراب في العصور الإسلامية من اشتهروا بالبخل، وأشهر من ألف عن البخلاء الجاحظ وانت تعرف كتابه ( البخلاء) حيث جمع أشهر بخلاء العرب وأبرزهم خالد بن صفوان " ، كان إذا جائزته قال للدرهم : طالما سرت فى البلاد ، والله لأٌطيلن حبسك ، ولأٌديمنَّ لُبثك ، وقيل له : لم لا تنفق وإن مالك عريض ؟ فقال: الدهر أعرض منه ، قيل : كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله ، قال : ولا أخاف أن أموت فى أوله.
ومنهم " أبو الأسود الدؤلى"، ومن قصصه أنه عمل دكانا عاليا يجلس عليه ، فكان إذا أكل عليه لا يناله المجتاز فمر به أعرابى على جمل ، فعرض عليه أن يأكل معه ، وظن أنه لا يناله ، فأناخ الأعرابى بعيره ، حتى وازى الدكان وأكل معه ، فما جلس بعد ذلك على الدكان ، وكان يقول : لو أطمعنا المساكين فى أموالنا ، كنا أسوأ حالا منهم ، وقال لبنيه : لا تطعموا المساكين أموالكم ، فإنهم لا يقنعون منكم ، حتى يروكم فى مثل حالهم .
ولم يقف لبخل عند أدنياء الناس وأوسطهم ، بل تجاوزهم إلى الملوك والخلفاء .
ومن هؤلاء الخلفاء البخلاء " عبدالملك بن مروان " وكان لبخله يلقب برشح الحجر ولبن الطير كناية عن شدة بخله
ومنهم أبنه" هشام " وكان ينظر فى بيع الهدايا التى تهدى إليه ، وحكى عنه : أن أعرابيا أكل عنده ، فرفع اللقمة إلى فيه ، فقال هشام : فى لقمتك شعرة يا أعرابى . فقال : وإنك تلاحظنى ملاحظة من يرى الشعرة والله لا أكلت عندك أبدا . ثم قام وانصرف ، إذا هؤلاء عاشوا في بيئة صحراوية حارة وجافة ومع ذلك أشتهروا بالبخل بالإضافة إلى خفة الدم:)، أشكرك على موضوعاتك الجميلة في هذه المدونة الرائعة، حيث
متنوعة ما بين سياسية، وثقافية، وتاريخية، وعلمية.
تحياتي لك

محمد ماجد المطيري يقول...

تأثير البيئه من خلال شخص مثل علي بن الجهم
يعتبر استثنائيا لانه لم ينتقل من بيئه الى اخرى على مراحل
بل اتنقال مباشر من اقصى اليمين الى اقصى اليسار
فلو تدرج بالانتقال لأحتفظ بالكثير من موروثه القديم
او ظل عليه

عبدالرحمن محمد الإبراهيم يقول...

الكريمة سمسم الامارات

كعادتك بالتعليق متميزه ما شاء الله أثريتي الموضوع وأضفتي معلومات جميله

فشكرا لكِ

عبدالرحمن محمد الإبراهيم يقول...

الصديق العزيز ابو ماجد

الهدف هو الانتقال الايجابي كما حدث مع ابن الجهم كما لا ننسى فطنه الخليفة المتوكل الذي فهم بيئة ابن الجهم فاستطاع الاستفادة من شعره وتحوير تفكيره

أهلا بك عزيزي

كنزي عجزي يقول...

فكرة المقال جميلة أبا محمد، لكنها في رأيي كانت بحاجة لتوضيح أكثر وتفاصيل أوسع.

وأما العنوان المختار (ثقب العقول)فرائع جداً جداً، لكنه ربما لموضوع أعمق وأكبر من أثر البيئة!!

شكراً على الفكرة وعلى الكتابة الجميلة التي أتحفتنا بها.

egtot.com يقول...

شكرا لك على موضوعاتك الجميلة والمدونة الرائعة