الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

إطلالة العيد




رزقت قبل أيام بطفلي الثالث وأسميتهُ طلال تيمنا بجدي لوالدتي رحمه الله ، دخلت مكتبتي بحثاً عن كتب في معاني الأسماء فمن كسلي لا رغبة لي في مطالعة القواميس ومن كتب في معاني الأسماء قصّر علينا المسافات وأتانا بالمفيد ، قلبت الأوراق بحثاً عن حرف الطاء واستعنت بمحمد طفلي البكر كي يسرد علي الأحرف الأبجدية فأطفال هذه الأيام لا يتقنون العربية ويفتخر آبائهم أنهم يحسنون الإنجليزية وربما الفرنسية ، وتناسوا أن العربية هي لغة القرآن ولسان أهل الجنة.

طلال يا سادة يعني الموضع المرتفع البارز وله معنى آخر المطر الخفيف وكذلك الحسنُ المُعجِب، في السابق كنت أحسب أن اسم طلال من الأطلال وهي بقايا المكان بعد الهجر لكن الحمد لله الذي جعل في الاسم معاني جميلة وأتمنى أن يكون لطفلي طلال من اسمه نصيب ، قد يقول قائل ما دخل العيد بطلال وما دخلنا نحن بطفلك لسنا مجبرين على سماع تغزلك بهذا الطفل الذي لا نعرف ولا يهم الكثيرين منا ، الرابط أن فرحة قدوم طلال علمتني أن العيد ليس بحد ذاته غايةً أو هدفا للفرحة والسرور بل العيد وقتٌ لكسر الروتين والنظر للجزء الممتلئ من الكأس.

الفرحة لا تعني كمال المناسبة بل السعادة تكون بجمال التفكير وحسن النظر وبعده ، ألم تشاهدوا في حياتكم عاملاً بسيطا ينام بسعادة في شارعٍ مكتظ بالمارة أو بطفل يطير فرحا بلعبة مهشمة أو بامرأة تفرح بزفافها لزوجٍ دون عُرس أو احتفال ، كيف يكون ذلك وغالبنا لن يفرح لمثل هذه الأشياء ما الفارق بيننا وبينهم ، هل لأنهم فقراء فهم يفرحون بأبسط الأمور ، بالطبع لا الفارق هو نظرتهم للفرح تركوا همومهم كلها وفرحوا بما حضر أمامهم قد يعودون للكدر والحزن بعد انقضاء الموقف لكنهم فرحوا به وسعدوا .

الفرح يا سادتي لا ينقصه مال والسعادة لا تطلب بالجاه والسلطان ، ولذلك من لم يجد ملابس جديدة للعيد لا يمنعه ذلك أن يفرح ويسعد ويعيش العيد بثيابه الرثة وحتى المرقعة ، العيد يخاطب النفوس لا الأجساد فرحة العيد أمر حسي معنوي حوله الناس في زماننا اليوم إلى أمر جسدي مادي فصار من لا يملك متطلبات العيد ليس من حقه أن يفرح.

لازال البعض مصراً وما دخلنا بطلال طفلك الذي ذكرته في بداية حديثك ، فأقول أن فكرة المقال غازلت تفكيري وأنا أنتظر خبر ولادة زوجتي ، فكنت أقارن حالنا في الكويت والولادة بالمستشفيات الفاخرة التي قد تقارن بالفنادق الخمسة نجوم ، وبين من ينتظر طفله الذي يخرج للحياة بواسطة دايه ليس لها في شهادة الطب نصيب ، هل تختلف الفرحة بين الأطفال الذين يولدون في أرقى المستشفيات ويلبسون أجود الملابس وبين هؤلاء الذين يولدون على التراب في قرى نائية ويلفون بالخرق؟! ، لا فالفرحة واحدة كلا الرجلين الذيّن ينتظران ولادة المولود سيقفزان من الفرح عند سماع الخبر ، فالسعادة والفرح لا تعرفان المكان ولا المناصب ولا الأرصدة في البنوك.

لعل مفهوم السعادة يختلف عند الناس باختلاف ثقافتهم و اتجاهاتهم الروحية و الدنيوية , فالسعادة عند الإنسان الروحي قد تكون في قراءة الكتاب المقدس و الصلاة و الترنيم اما عند الإنسان الدنيوي قد تكون في امتلاك المال والرقص ، لكن في النهاية السعادة هي السعادة فلا فرق في السعادة بين من يفترش الأرض ويجعلها كالسرير ومن ينام على الأرائك والحرير ، الفرح لا يهرب عن الطفل الذي يلعب بالتراب وذاك المدلل الذي بينت له غرفةٌ لعب فوق السحاب ، السعادة لا تميّز بين الأمير والفقير فتعطي الأول كما تعطي الأخير.

اسعدوا وافرحوا واجعلوا من أيامكم أعيادا واستغلوا لحظات الفرح ، لا تسحبوا الكدر إليكم سحبا تجاوزا عن صغائر الأمور وسفاسفها وأعلموا أن السعادة ليست في المال والولد والجاه والسلطان جزءٌ منها قد يكون هناك لكن الجزء الأهم بين جوانحكم داخل قلوبكم وسط مشاعركم لا تزهدوا بما عندكم طمعا في ما لا تقدرون في أحيان كثيرة الحصول عليه أفرحوا الآن وأسعدوا بما تنالون في قادم الأيام ، عيشوا أيامكم ولا تنغصوا على أنفسكم بمستقبل لا يتنبأ أحدٌ به ، لا تتركوا السعي للوصول للطموح والهدف وفي ذات الوقت لا تجعلوا السعي طريقا للكدر ، تأملوا الطبيعة فوالله فيها سحرٌ عجيب على النفس ، لا تغلقوا على أنفسكم الباب وتفكروا بما وراءه بل افتحوا الباب وتذكروا أن السعادة في القلب فكم من سجين سعيد ومريض متفائل ومعاق فرح .

استقبلوا العيد بفرح واجعلوا منه عيدا سعيدا وقد كتبت في العيد الماضي مقالا عنونته بدموع العيد وأنا أعلن براءتي منه واعتذاري لمن قرأه لأنني وجدت فلسفة السعادة والفرح .