الأحد، 6 يونيو 2010

ثقافة السهل المقيّد



نعود بعد انقطاع إلى سلسله الغربة وأعتذر لمن تابع السلسلة فقطعتها عنه دون إنذار ولكن هو المزاج كفاكم الله شر تقلبه وتبدله وتسلطه ، تدور فكرة هذا المقال حول ثقافة التبسيط وسياسة العقاب وهل ما يحدث في الغرب هو أمر طبيعي أم أنه مصطنع ، بمعنى لو أن المجتمع الأشقر أو الغربي كان في مكاننا اليوم وفي بيئتنا هل تراه سيكون على الرتم ذاته في الثقافة أم أن حاله سيكون كحالنا مثقفون غير مؤثرين ، وثقافة بلا روح ولا هوية وتفكير سطحي في أحيان كثيرة تساؤل دار في خلدي كثيرا وأنا هناك.

في التاريخ إجابة لكل سؤال فلو عدنا إلى زمان الحروب الصليبية والقرون الوسطى لو جدنا الحال معكوس منكوس نحن أهل الصدارة وهم أهل التبعية مع العلم أن الغرب غزا أهل الشرق ولكن في حالتهم هذه خالفوا مقولة المؤرخ الكبير إبن خلدون حيث قال ( المغلوب مولع بتقليد الغالب) ففي حالة الغزو الغربي لبلاد الشام ومصر تأثر الغالب المنتصر بالمغلوب لماذا لأن المسلمين كانوا صنّاع حضارة وأهل ريادة فدخل المطبخ العربي إليهم وبدؤا يستخدمون العطور بل إن ريتشارد قلب الأسد عندما مرض إستعان بطبيب صلاح الدين وكان الطبيب يهودياً.

وكيف لا يتأثرون وهم تبعوا إوزة قادتهم للحرب ولست متأكدا من صحة المعلومة لكن قرأت أن أهل قرية في فرنسا إستيقظ راهبهم في صباحِ أحد الأيام فقال لهم أن المسيح جاءه في منامة وأمره أن يتبع إوزة فلان لأنها ستقودهم إلى حيث عزهم وتمكينهم وفعلا تبعوها ولكم أن تتخيلوا الموقف -إن ثبتت صحته-قرية بأكملها برجالها ونسائها يتبعون إزوة لتدلهم على طريق النصر فأي ثقافة كانت لديهم؟

ولو تسائلنا ما سبب هجرتهم في تلك المرحلة التاريخية من بلادهم وغزوهم لبلاد المسلمين لوجدنا أن الفقر والتخلف وسيطرة الكنيسة وهي السلطة الدينية على كل أمور الحياةوتسيير القساوسة والرهبان لأمور حياة الناس والأعباء المالية والإقتصادية التي كانوا يتحملونها دون أن يحظوا بحقوقهم هو ما دفعهم إلى الإتجاة ناحية المشرق لدرجة أن الكثير منهم إستقروا في المشرق بل وأعلنوا إسلامهم ، بل كان هناك أطباء وعلماء وقادة من أهل الذمة يحظون بحقوقهم وواجباتهم كاملة كموسى بن مهران الطبيب اليهودي ونظيف بن يمن مسيحي وقس وغيرهم كثييير كان لهم أثر في الحضارة الإسلامية وبالطبع سأكتفي بالمشرق ولن أخوض في الأندلس وأهل الذمة هناك ولا يفوتني أن أنبه أن كان لبعض هؤلاء دور في تسيير الحملات الصليبية لكي يتضح الأمر ونذكر المحاسن والمساوئ.

لست بصدد مناقشة عظمة الدين الإسلامي أو صحة رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ولكني بصدد إسقاط هذا الأمر على واقعنا المعاصر اليوم مع ملاحظة أن قاعدة ابن خلدون تنطبق علينا فنحن مغلوبون ومولعون بتقليد الغالب ، هجرة باتجاة الغرب في كل الأمور ثقافية تعليمية سياسية إقتصادية وحتى وصل الأمر إلى العادات والتقاليد ، فلنتأمل في حالنا نحن نأكل الهمبورجر والفرينش فرايز تيمناً بما يأكل أبناء العم سام ، ونحب الأكل الصيني والسوشي الياباني تقليدا لمن يصنع لنا الأجهزة ونعشق الفيش آند شبس كون مستعمرونا في الماضي كانوا يأكلونه وفي المقابل يرى بعضنا أن الرز واللحم والمرق والخبر وغيرها من الأمور ليست لائقة بمن يعيشون في القرن الواحد والعشرين.

الموضوع متشعب جدا وأخاف أن يفلت من يدي فلا أقدر على كتابة ما أريد وآخذكم يمينا وشمالا ولأعود بكم بعد لذلك للفكرة التي أود الحديث عنها ألا وهي ثقافة التسهيل المعقد وفكرتها بإختصار هو أنني أضع سياسة للعقاب الصارم مع تسهيل أداء المطلوب ، بمعنى لماذا لا نجد الأوساخ تلقى على الأرض في الغرب هل هم يتمتعون بالنظافة أكثر منا لا أبدا فهم من أقذر خلق الله لا يستنجون من بول ولا غائط بالماء وإنما بالمناديل ولا يستخدمون الماء كثيرا لنظافة أجسادهم ويستعيضون عنه بالعطور التي تخفي الروائح السيئة لماذا إذا يحافظون على نظافة الشارع والحديقة والمنزل والسيارة وكل المرافق العامة ؟ ، لأنهم ترعرعوا على مثل هذه الأمور فكان الوالد والوالدة قدوة لأبنائهم في هذه الناحية كما أن القمامة منتشرة في كل مكان وبشكل واضح ثم هناك عقاب صارم لمن يلقي الوسخ على الأرض أو يترك مخلفاته دون إزالتها ، والعجيب أنك ترى أبناء جلدتنا هناك يفعلون فعلهم وعندما يعودون إلينا سالمين ينكصون على أعقابهم بعد أن هداهم الله .

ولننظر إلى الإلتزام بالطريق وربط حزام الأمان والتقييد بالسرعة لماذا في الغرب نرى هذه المظاهر وعندنا تكاد تكون معدومة ، ربما لأن الإعلام عندهم أخذ على عاتقه توعيه المجتمع بمخاطر فعل هذه الأمور ثم إنهم لديهم جمعيات أهليه تعنى بمثل هذا الأمر وشركات تأمين لا ترحم وقوانين صارمة وغيرها من الأمور .

التساؤل المهم لماذا يطبقون القانون لأن الكامرات منتشرة في جميع أنحاء بلدانهم فبالرغم من الوعي والثقافة التي تشربوها والتفكير الذي وصلوا إليه إلا أن هناك فئة منهم لا يردهم سوى هذه الكامرات فهم يخافونها جدا ولا يتجرؤون على خرق القوانين في حضرتها وعندما تغيب فقل سلاما للقانون وإحترامه وأهلا بكسره وإيلامه ، وكم من مره جلست تحت ظل الشجرة التي حدثتكم عندها وفكرت في هذا الأمر فوجدت أننا نحن المسلمين من صلب عقيدتنا أن الله سبحانه وتعالى يرانا دائما وهو مطلع علينا في كل الأحوال ولا تخفى عليه خافية فلسنا بحاجة إلى كامراتهم ، ثم إن ديننا وسيرة نبينا وأخلاقنا تعطينا ثقافة رائعة جدا لا أدري لماذا نعجز عن تطبيقها .

قد كنت في الماضي أردد قول الإمام محمد عبده عندما زار فرنسا ( رأيت إسلاما بلا مسلمين ) وفهمت في غربتي أن كل ما يجعلهم متفوقون علينا هو موجود لدينا بصورة أو بأخرى ولكننا نقول ما لا نفعل ونفعل ما نعلم أنه خطأ ، لذلك أرى أن الحل أن نتأمل بأعيننا ونعيد صياغة الدين ولا أدعوا إلى كتابته بصورة غير التي أنزل بها وإنما أدعوا إلى تبسيطه وإيصاله بطريقة تناسب القرن الواحد والعشرين دون الإخلال بالنص والمفهوم فنحن المسلمون لدينا سيئات وحسنات تدخلنا الجنة وفي الوقت ذاته تصلح حال مجتمعاتنا.

الغريب قبل الختام أنني في المقبرة ذات يوم ووجدت الناس تشرب الماء وتلقي بالقناني الفارغة على الأرض دون وعي وكان بجانبي والدي فقلت له لو أننا نبهنا إدارة المقبرة لوضع المزيد من الحاويات بشكل واضح ومميز حتى لا يرمي الناس الأوساخ على الأرض خصوصا أننا في المقبرة وهذا المكان يكون الأدب والإيمان في أقصى معدلات إرتفاعه وفي المقابل ندعوا الأخوة الذين يذكرون الناس بيوم القيامة والقبر أن يذكروا الناس بآداب الطريق والنظافة والمحافظة على المقبرة ولكنني عندما تجرأت وتحدثت مع أحد المسئولين قال لي هل أنت عاقل تريدني أن أزيد الحاويات وأفعل كل هذا من أجل القناني التي ترمى فلماذا أدفع المال لعمال النظافة؟ صعقني الرد وتبسمت إبتسامة أمل أن نعود للدين الصحيح الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأحاديث آداب الطريق وإماطه الأذى عن الطريق صدقة وبالطبع كما أقول دائما لا أعمم فعل هذا الرجل على جميع المسئولين ولكنني أريكم أن هناك من يفكر بهذه الطريقة.

تحياتي للجميع