الثلاثاء، 30 يونيو 2009

الكلمة والقيد








ما يدور داخلنا من أفكار هو أمر يخصنا وحدنا أفكارنا كأعضائنا لا نسمح لأحد بالمساس بها ولا نرضى أن نتخلى عنها بسهولة لأننا نعشقها ونحس بدورها وقيمتها في يومنا وكيف أن هذه الأفكار هي من محفزات الطموح لدينا تعطينا دفعات نحو الأمام ، وكلما زاد ايماننا بأفكارنا زاد تمسكنا بها حتى أننا نرخص الغالي والنفيس في سبيل هذه الأفكار.






الأفكار التي تدور في فلك عقل كل واحد منا منشأها إما البيئة التي عاشنا فيها وشربنا مبادئها وأفكارها دون أن يكون لنا دور في فهمها أو تقييمها فكبرنا وصار الكثير منا لا يستخدم عقله في غربلة ما يحمل من أفكار الطفولة بل على العكس صار يدافع عن أفكاره وكأنها كتاب سماوي منزل لا يقبل التحريف دون أن يترك لعقلة ثانية تأمل واحدة هل هذه الأفكار صحيحة وهل يجب أن أدافع عنها وأتبناها وألقنها لأولادي أم أنها تحتاج إلى بعض التعديل والتجميل أو الإلغاء في بعض الحالات! هل فعلا ما نحمله من أفكار علينا أن لا نتخلص منه أبدا الكثيرون يقولون نعم وقلة هم من يسير عكس التيار وليتهم يزيدون.


الإشكال ليس في عدم التفكر في أفكارنا وإنما منع الآخرين من تحسين أفكارهم ومعتقداتهم بحجة أنها لا تناسب أفكارنا! وهل أجبركم من حسن أفكاره على أن تحسنوا أنتم أفكاركم أم هل حجر عليكم أن تفكروا كم تريدون وتظنون ، أنا لا أتكلم هنا عن المعتقدات الدينية أبدا فلست ممن يحبذ الدخول في نقاشات جانبية حول الدين والفرق والمذاهب والملل والنحل وإنما أتكلم بما لا يعارض الدين الإسلامي الصحيح بما أنني مسلم ولا شأن لي بما يعتقده كل قارئ أكان هذا القارئ سلفيا سنيا وهابيا أم شيعيا اثنا عشريا وحتى صوفيا قندهاريا ما يهمني هو أن نستخدم عقولنا لنفهم أفكار الآخرين وآرائهم وهاكم أمثلة توضح ما أريد ايصاله من خلال المقال.


كنا جلوسا عند دكتور متخصص في علم النفس الفيزيائي وبما أنني اكره الفيزياء فقد كانت الجلسة ثقيلة على نفسي ولا أدري بكل صراحه هل هناك علم نفس فيزيائي أم أن صاحبي الذي اقلني بسيارته أخرج هذا المسمى من عنده بعد أن صعبت عليه ترجمة تخصص الدكتور من الإنجليزية ، دخلنا إلى الكافيه وجلسنا وكنا على الطاولة سته أشخاص وبعد أن طلبت مشروبي المفضل -hot white chocolate- بدأ الحوار بالتعارف والحديث عن التخصصات والطموح وبعد أن تجاوزنا مرحلة الإحراج وبدأ الجميع يأخذ راحته سألت الدكتور عن تخصصه وعن علم النفس -لأنني أهتم به ولا أحب دراسته- وأخذنا الحديث إلى رؤية بعض علماء النفس والفيزياء لما سيحدث في المستقبل وعن الإختراعات التي من الممكن أن تحدث ولا تتصورها عقولنا اليوم فأحد هذه الإختراعات أو الدراسات المستقبيلة ان صحت التسمية لأنها لم تخترع بعد ولم يصل الإنسان إلى سرها كان حول قراءه الأفكار هل من الممكن أن يقرأ المرء أفكار من يتحدث معه ، وهل من الممكن أن يُخترع جهاز يقرأ الموجات لا اذكر اسمها الآن :) التي يرسلها الدماغ وبذلك يتمكن البشر من سماع الأفكار وكيف ستكون رده فعلنا في المستقبل حيال سماع الآخرين لأفكارنا هل سيوجد العقل البشري طريقة أخرى تشابه طريقة الحديث مع النفس الآن ، كنت في قمة استمتاعي إلى أن دخل صوت نشاز في دائرة الحوار يقول لا يجوز التفكير في مثل هذه الأمور لأن القرآن والأحاديث النبوية جاءت ضد هذا الأمر وكيف يكون هذا الأمر والله تعالى يحاسب الإنسان على نيته و و و كلام طويل أفقدني تلذذي بكلام الدكتور وبكوب الhot white chocolate الذي أصابه البرود بعد كلام أخينا.


القيد الذي فرضه الرجل على الرأي كان قيدا فيه من الجهل الشيء الكبير وأنا هنا لا أحجر عليه رأيه بل أقول أنه ربط فكرتنا بقيد الدين ونسي هذا الأخ المقلد أن الفقهاء في عصر الحضارة والريادة الإسلامية كانوا يتناقشون في أمور كانت خيالية في زمانهم مثل هل تحسب لمن ركب العنقاء وحام حول عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة حجة كاملة! واليوم تحقق هذا الرأي بوجود رجال الأمن على متن طائرات الهاليكوبتر وهم حجاج فرأي فقهاء القرون السالفة لم يقيد بشرط الدين بل ترك لهم حرية الخيال وتحقق هذا الخيال في عالمنا اليوم فلماذا يضع صحابنا القيد على ما قاله الدكتور لست أدري لربما كانت طريقته الوحيدة للمشاركة في الحوار!!


أمر آخر نعيشه كلنا اليوم وهي المدونات نطرح خلالها آرائنا وأفكارنا بكل اريحية وحرية لأنها ملكنا نحن ، ولدت في عالم الإنترنت لتعبر عما نريد ونكتب ما نعتقد للجميع الحق في الإعتراض على ما يكتب بكل حرية لكن ليس من حق أحد أن يطالب كاتب أي مقال أن يلغي مقاله لأنه يرى فيه خطأ ما ، يفرض لي القيد ويكبل يدي ويقول لي ابتسم وأنت تتخلي عن رأيك وهذا أمر لا يقبله أي حر ولا يقبله صاحب رأي ، لك حرية التعبير عن رأيك والإنتقاد المؤدب ولي حرية الرد عليك وأخذ ما قلته أو رده أما أن تتسلط علي وتقيّد يدّي فهذا أمر لا يقبله أحد ولا يرضاه حر وقد قيل أن 50% من أسباب الظلم على مدى العصور قبول المظلوم بحكم الظالم وأنا أقول أن 70% من تراجع أمتنا سببه رضانا عن الاستبداد الفكري الذي نعيشه .


هل فكرتم لماذا نرى بأن تقيّد أفكارنا أو لماذا نترك للآخرين حرية التعبير عما يجول في خواطرنا لأننا لم نتعود منذ صغرنا على الإختيار بل غرست فينا ثقافة الإجبار أعتقد أحس اننا ظلمنا عندما سلبنا أهلنا حق التعبير وحرية الرأي بدون قصد من خلال الدكتاتورية الوالدية والظلم المجتمعي والقمع الفكري ولذلك من الطبيعي أن نحس بأن من حولنا يتكلمون معنا بصيغة مختلفة عن تفكيرنا لأننا مختلفون عنهم نحاول ابداء وجه نظرنا لا أريد أن نسبح عكس التيار لأنه أقوى منا بالتأكيد ولكن على الأقل نحاول أن لا يجرفنا ونفكر في تصحيح مساره من خلال تربية أولادنا على حسن التعبير عن الرأي واحترام أفكار الآخرين.


الإجبار الفكري اليوم تطور من خلال التأثير غير المباشر على قناعاتنا خصوصا إذا كانت عقولنا سطحية لا تحمل في ثناياها الثقافه والوعي اللازمين لصد أي هجوم اجباري على القناعات والأفكار من خلال الإعلام الموجه الذي يمارس بشكل كبير في العالم وبالأخص في عالمنا العربي فالمتابع للقنوات الفضائية العربية يلحظ أن القضية الرئيسية يتم تظليلها من خلال التركيز على جزء صغير فيها يشغلنا عن لبها وجوهرها وقضية فلسطين خير شاهد على هذا الإنحراف الإجباري في أفكارنا.


كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي يكون فيه الحوار الهادف هو الطريق الوحيد لتغيير الأفكار والقناعات لكي لا يزداد كره بعضنا للدين من خلال سوء تطبيقة من بعض القائمين عليه أو يزداد نفورنا من العادات والتقاليد بسبب تسلط الجيل الحجري المتجدد كما لا أرجوا أن نبتعد أكثر عن العلم والثقافة بحجة تهميش الرأي الآخر في غالب مجتمعاتنا وسماع صدى الصوت الأوحد.


من خلال قرائتي لبحث عن حياة الرئيس البوسني السابق على عزت بيجوفيتش وجدت له رأي جميل عن الحرية يقول فيه :


إن قضية الخلق هي في الحقيقة، قضية الحرية الإنسانية، فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً (إما بقوى مادية داخلية أو خارجية) لا تكون الألوهية ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة.. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقا حرّاً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان.. فالله لا ينتج ولا يشيـّد.. إن الله يخلق، والخلق الإلهي لم يحدث مرّة واحدة ثم توقف.. وإنما هو فعل متواصل مستمر أبداً...
"قد ينجح الإنسان (آجلاً أو عاجلاً، خلال هذا القرن أو بعد مليون سنة من الحضارة المتصلة) في تشييد صورة مقلّدة من نفسه، نوعٍ من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه.. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه.. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون..


ولكي لا نكون آليين يجب علينا أن نجعل لأفكارنا مساحة ايمان في قلوبنا وندافع عنها دفاعا مستميتا عندما نرى أننا على حق وأنها أفكار صالحة ولكن ما إن يتبيّن لنا عكس ذلك نقضي عليها بأنفسنا ولا نترك لعواطفنا المجال في التمادي في الحفاظ على تلك الأفكار لأننا نبحث عن الحقيقة والفائدة لا عن الإنتصار للذات .


ومني لكل حر يفكر كيف يحافظ على حرية أفكاره:)