الاثنين، 18 أغسطس 2008

المتصوف السلفي!!



مقال من كتاب أعرابي في بلاد الإنجليز


المتصوّف السلفي
الجلوس في حديقة غنّاء تحفك فيها الأزهار من كل جانب ويمتد بساط عشبي أخضر نضر بلا صفرة تغشاه على مد بصرك ، ونسمات من هواء عليل تمر بقربك فتعطيك شعورا بأن العافية تمكنت من نفسك والنشاط سرى في عضلات جسمك تنعشك وأنت في قمة كسلك فيا الله ما أجمل تلك النسمات ، خلال هذا الشعور الرائع تنزل على المكشوف من جسدك أشعه الشمس البنفسجية الدافئة لتضفي على جمال الجو حرارة المشاعر شعور جميل لو أحسسنا به في مواقف عديدة لسهل علينا حل مشكلاتنا وفهم آراء الآخرين.



هدوء المشاعر وسكون النفس إن كانت حاضرة في وجود صاحبٍ أديب فقيه غير متعالم ينظر للحياة بغير نظرة العاديين لها ويقرأ بين سطور الكتب ما عجز بعض المتفيهقين عن فهمه أو تحاشى بعضهم بسبب قصر نظرة ترك عقله يقلبه بين أفكاره لعل في التقليب غربله لمفاهيم أو إعادة ترتيب لفكر أكل الدهر عليه وشرب ، إن حصل لك ما قد حصل لي فإنك محظوظ.


جلست مع أحد إخوتي الذين يصغرونني بالعمر ويكبرونني في القدر والعلم رجل لن اذكر لكم اسمه ولكنه سيعرف أنه المقصود حال قراءته للمقال ، التقيت به في الغربة صدفة وما أجملها من صدفة تلاقت قلوبنا وإن كانت لم تلتقي من قبل وما أجمل التقاء القلوب التي تحمل فكراً واحداً فلذة هذا اللقاء لا تعدلها لذة أبدا ، جلست معه أياما ننتقل بين بستان الأدب وروض الفقه وحدائق الفكر ، أسامره في بعض المسائل فأجده صاحب عقل متفتح يسحبك لحب فكره سحبا وأفضل من ذلك يتقن مالا أتقنه وهو فن الإنصات وحسن الاستماع .


هو سلفي القلب والعقيدة والالتزام ولكنه متصوف الفكر والطبائع لم أجد فيه مخالفة لأوامر الله ولا لأوامر رسوله بل كان من المتمسكين بها بغير شدة تغلبه ولا لين يبعده عنها ، حاولت مرارا أن اختبره كما هي عادتي حين التعرف على صديق فما وجدته إلا واثقا من نفسه قويا في حجته لينا في مناصحته.

ناقشته في موضوع التقرب إلى الله عبر الاستغفار ولماذا يستغفر أحدنا أحيانا ألف مره ولا ينال مراده رغم أن الآية صريحة (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا ) ، والحديث (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) فلماذا نستغفر ولا ننال مطالبنا بل ندعو ولا يستجاب لنا ونحن قد تجنبنا أسباب عدم الاستجابة وبعدنا عن مواطن الشبهات .

قال لي بلهجة الواثق هل كانت نيتك من وراء الاستغفار استحضار عظمه الله وقدرته أم أن الأمر عندك لم يتعدى مسألة الأخذ والطلب! ، هل تفكرت في كلمه استغفر الله أم تركت لسانك يرددها دون تمعن في معناها وماذا يراد من ورائها ، كلماته هذه أصابتني بالذهول الإجباري فلم استطع أن أخالفه استمر حديثنا ورجعت لأفكر كيف لهذا السلفي أن ينحى بفكره هذه الناحية أليست الصوفية هي من تدعوا لمثل هذه الأمور ، هل يعقل أن أكون سلفيا بتفكيري وعقليتي على منهاج أهل السنة والجماعة وأفكر بهذا التفكير.

جلست وبقربي كوب شاي مطعمٍ بالنعناع الذي يضفي طعمه على العقل راحة يحتاجها وبدأت أترك لقارب تفكيري الإبحار في هذه الإشكالية هل التفكر فيما نقول وندعو ونعتقد يدعونا إلى التقرب من الله أكثر ، وهل استحضار عظمه الله من خلال ترديد ما نقول بشكل أعمق يزيدنا قربا من الله كما يدعي الصوفية ولا يفعلون! ، نحن بحاجه إلى ترقيق القلوب وإطلاق الفكر نحو التفكر أكثر من أكثر من استقبال التلقين دون فهم أو إدراك لما نقول ، هل تفكر احدنا لماذا نستغفر الله ولماذا بالاستغفار نحقق لأنفسنا ما نريد ونرضي الله بما فعلنا ؟ هل خطرت في بال أحدنا أن يقول استغفر الله وهو يتفكر بمعنى أن الله هو الملك وسرح في خياله واستشعر عظمه الله وانه واقف على بابه يطلبه الرحمة والغفران والحصول على بغيته ومراده.

الله هو الملك وهو الغفور وهو الرحيم والرازق والرزاق هل استشعرتم يوماً وقوفكم على باب الملك تطلبونه وترجونه أن يفتح لكم ، من أدمن قرع الباب فتح له كلمه قرأتها ولكن يعلم الله أنني بدأت أطبقها على نفسي واستشعر بأنني اطرق باب الملك الجبار الوهاب وأرجوه أن يفتح لي وأتخيل وأتفكر بملكوته وقوته وعظمته سبحانه فلا أجد نفسي سوى جرم صغير بل أصغر من الصغير نفسه وهو يسمعني وينظر إلي ويحس بي بل ويتبسم ويعجب من دعائي ، استغفره وأنا اعلم أن الاستغفار باللسان لن يوصلني إلى مرضاه الملك العلاّم بل إن استغفاري له بجناني ووجداني يوصلني إلى مرضاته سبحانه .

عندما دخل السفاح عبد الله بن علي عم أبي العباس السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام قتل من بني أمية الكثير وجعل جثثهم تحت السماط وجلس وأكل عليه وقال لقومه من ينكر عليّ قالوا ما نعلم أحدا ينكر عليك غير الإمام الأوزاعي فدعاه وعندها علم الإمام الأوزاعي أنه مقتول لا محالة فتحنط وتكفن وودع أهله وخرج يؤم مجلس عبد الله بن علي ودخل عليه وجثث الأمويين على جانبي المجلس فسأله ما قولك يا أوزاعي في ما فعلناه ، فرد الإمام قال حدثنا فلان عن فلان عن جدك عبد الله بن عباس لما نظر رسول الله إلى الكعبة فقال مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك ولَلمؤمن أعظم عند الله حرمة منك ،فغضب الأمير وأرعد وأزبد فما كان ممن في المجلس إلا أن رفعوا ثيابهم لكي لا يصيبهم دم الأوزاعي ولكن حدث عكس ما توقعوا فالأمير قال للأوزاعي اخرج ، فشاع الخبر وانتشر فلما قيل للأمام ما سر وقوفك وصدعك بالحق أمام هذا السفاح فقال استحضرت عظمه الله وأنني بين يديه فما شعرت إلا وأنني لا أرى من ظلم وجبروت هذا شيئا ، وقد روي أن عبد الله بن علي مر على قبر الأوزاعي بعد وفاته فقال ما كنت أخشى أحدا في هذه البسيطة سوى صاحب هذا القبر!.

هل وصل الإمام الأوزاعي لذلك الشعور عبر تخيله فقط أم أنه عاش فيه وطبقه في حياته وجعل الله نصب عينيه وأمامه ، لولا اندماج الإمام الأوزاعي بذلك الشعور ووصوله لدرجه عاليه من التفكر والخضوع لما صغر أمامه عبد الله بن علي ولكان خوفه هو المسيطر أما من تيقن بأن الله ناصره وحافظه وأن الله على كل شيء قدير يقينا لا قولا كان وقوفه أمام أي إنسان لا يعدل شيئا أمام خوفه من الله أو رجائه بأن يمن الله عليه بالثبات والفرج في أوقات الأزمات والملمات.

بعد هذا الموقف كيف سيكون تفكركم وترديدكم للأذكار والأدعية هل على نمط الترديد كآلات التسجيل والمذياع والمتصوفة أم بطريقة السلف أصحاب التفكر والاعتقاد الصحيح ! اترك لكم الإجابة؟