الأربعاء، 4 يونيو 2008

نعم يئسنا ولكننا لن نقنط




من يقلب صفحات التاريخ ويتعمق في تفاصيله ويفصل نواميسه لا بد أن يقف عند تجربة القرون الوسطى الأوربية ، تلك القرون التي سادت فيها سلطة الكنيسة والباباوات والقساوسة ، في تلك الحقبة من الزمن وقبل عصور النهضة يجد المتأمل والباحث انقلابا كبيرا للمفاهيم مع الإصرار على جعل الشعب مقيدا بقيود الجهل التي تقوده للانصياع للمستبد الذي يحكمه ، وكيف لا ينقاد له وهذا المستبد يحكمه باسم الدين والرب .


أستغرب كثيرا عندما أجد بين سطور الكتب التي تحكي عن ذاك الزمان أن عائلة واحدةً وربما رجلا واحدا يملك مقاطعه كنورماندي أو إقطاعية كمناشستر بما فيها من خيرات وبمن فيها من بشر ، وهؤلاء البشر لا يتحركون ساكنين بل يسيرون منقادين مع ولي نعمتهم دون أن يفكروا لماذا هم يفعلون ذلك!، ولكننا نحن نعلم لماذا كانوا عاجزين لأنهم كانوا جاهلين ولم يحاولوا أن يتعلموا ولم يسمح لهم مالك أمرهم أن يتعلموا ، في الوقت الذي كان فيه الشرق والإسلام تحديدا قد كفل لكل عاقل طفلا كان أو امرأة حقه في التعليم وبهذا سطع نجم الأمة الإسلامية في تلك الفترة خصوصا أن الأمم السالفة كاليونانيين والرومان وغيرهم كانت تجعل العلم مقتصرا على طبقة واحده ليدوم لها الحكم والاستبداد أطول فترة ممكنه.


لماذا هذه المقدمة ولماذا تحاضرنا عن تاريخ أوربا ونحن نعلم أن بعد هذه القرون المظلمة كان عصر النهضة التي سادت فيه أوربا العالم وكانت لها الريادة بفضل علمائها ومفكريها وأدبائها ، ما الحكمة من وصف حال أوربا ونحن نعيش في المشرق والثقافات تختلف بل حتى النفسيات والنظرات ، فالمقارنة بين الشرقي والغربي فيها نوع من الإجحاف لأنه لا يمكن الوصول إلى لقاء بينهم إلا في حدود ضيقة جدا.


الرابط يا سادتي هو الاستبداد فما عاشته أوربا في تلك الأيام نعاني منه نحن اليوم ، نعم لم يعد هناك إقطاعيون يحكموننا بقوة السيف ولكن هناك لورد وبارون ونبلاء جعلونا نعيش في وهم حقيقي مكنهم من السيطرة على عقولنا فصرنا تابعين لهم دون أن نحس بأننا لا نملك أنفسنا ، فرضت علينا قوانين ومفاهيم ركبت فينا تركيبا وأجبرنا على هضمها ومع مرور الوقت صارت جزءا من حياتنا ، الذي يجمعنا مع تلك القرون البائسة هو الجهل والانصياع وراء أفكار يسوقها علماء ومفكرون هم في الأساس صنيعه سيد الإقطاع وإعلامه ، والمتأمل لحالنا يرى أننا لا نجرأ حتى على التعبير عن رأينا أمام عالم ما أو مفكر أو حتى أديب وديننا الذي نؤمن به يحدثنا على النقاش والحوار وحتى الاعتراض ولذلك حادثة المرأة والخليفة عمر بن الخطاب مشهورة معروفه .


فرض ثقافة معينه على مجتمع ما تمكن كل لورد أو إقطاعي من إنفاذ ما يريد ، ولذلك الإصرار على نشر الجهل والتسليم دون تفكير وعدم استخدام العقل يعتبر علةُ كل العلل وهنا يتبين دور مدارس الإجبار ومناهج الغصب وعلماء الاستبداد الذي ينشرون أفكاراً هي في حقيقتها بعيدة عن الواقع وعن الفطرة ،عهد الخلفاء الراشدون هو عهد الإسلام الصحيح والفهم العميق للقران الكريم ولذلك لم يتكرر ذلك المجتمع أبدا بعدهم حتى في عصور الازدهار الفكري والثقافي والعلمي الذي واكبه انحطاط في الحريات والتعبير والتفكير ، وللأسف حولنا نحن اليوم هذا الدين الشامل الكامل للحياة إلى بعض الطقوس وحصرناه في زاوية الفرائض والعبادات وكثر الدعاة اليوم وقل العلماء وهذا برأيي دليل على انحدار الأمة فأمه علمائها لا يتجاوزون دعاتها هي أمه لا تستحق أن تكون في مصاف الأمم المتقدمة ولذلك قديما كان الدعاة قله والعلماء كثر.
أقسى أنواع السيطرة التي مورست في العصور الوسطى هو الاستبداد الفكري والقمع العلمي ولذلك كم من عالم أثبت نظريته فقتل ونكل به ولعنه العوام الذين كان الجهل مسيطرا عليهم وها هو اليوم بعد عصور الانتصار والتحرر بطلا من أبطال العلم بل من أبطال أوربا الذين تفخر به شعوبهم .
عالمنا الشرقي المسلم اليوم عاد ليفعل مع العلماء وأصحاب الطموح نفس الفعل فعلى كثرة الأموال ووجود من يحاول أن يرتقي بأمته ووطنه ونفسه لا يجد إلا صدا وتكسير عزائم وقمع أفكار ولذلك توجه المبدعون اليوم في الشرق الإسلامي وغير الإسلامي إلى الغرب الذي احتواهم ووجههم وعرف كيف يستفيد منهم ، ومع كل أسف أن هذا الغرب أفسدهم بماديته البحتة .

أريدكم أن تفكروا في واقعكم وحالكم هل نحن فعلا بخير أم أننا نجهل ما يدور حولنا نهتم بالكماليات والأمور التافهة التي ندفع إليها دفعا وننسى الأهم والواجب بل الركن ، أين هم العلماء اليوم أين هم المبدعون؟ قد يكونون أحياء ولكنهم مدفونون بالحياة القاسية التي تحيط بهم فهم بين نار الطموح والفهم وبين نار العيش وضرورات الحياة ، الدين الإسلامي لم يقصر العلم على الشرع فقط ، ونحن اليوم وللأسف صار غالبنا يتوجه نحو العلم الشرعي فقط الذي اختزل في نظري إلى العبادات والفقه وبعض الأحاديث تخدم من يوجهها ، ونسينا أو تناسينا كيف كان علماء أمتنا الربانيون علماء عاملون تجاوزوا ما في الكتب إلى الاجتهاد فهاهم فقهاء الحنفية يفكرون في زمن مضى كيف يصلي من كان بين السماء والأرض ونحن اليوم نعيش في عصر الطائرات فيا لله ما أعظمهم تعلموا فحكموا ولم يحكموا ولنا في ابن تيميه والعز بن عبد السلام وابن حنبل مثالا على ذلك وجهوا العامة والخاصة لأنهم عرفوا كيف يتعلمون فيسودون ويقودون.
لست أدعوكم لليأس هنا ولا للقنوط بل أدعوكم لإعادة النظر في واقعكم وحياتكم وتفكيركم ، أدعوكم لأن تخرجوا من العباءة التي ضاقت بكم وضقتم بها إلى فضاء مجد أوسع ينتظركم ، أدعوكم لطرق باب العلم والفكر والأدب لمجالسة العلماء ولو عبر صفحات الكتب ، نشتكي من حالنا ونحن سبب هذا الواقع فكروا أننا بجهلنا وانقيادنا لما يريده من يعتبرون أنفسهم فوقنا هو أساس ألمنا وحزننا ، ليحاول كل منا تغيير نفسه ولا يجعل لمديره طريقا لتحبيطه أو لوسائل الإعلام المحبطة سبيلا لتقييده لنحاول أن نعود لأمجادنا ونبدأ عصر النهضة الخاص بالمشرق كما سبقنا به أهل المغرب ولكن ثقوا بأننا سنكون أفضل منهم لأننا نحمل بجانب العلم عقيدة وديننا يجبرنا على التميّز.