الأحد، 6 سبتمبر، 2015

المقهى

الــمــقــهــى

على شاطئ البحر حيث النسيم العليل المنتشي بندى الرطوبة ، والأشعة الشمسية التي تخترق سطح البحر فتتبخر أجزاء من قطرات الأمواج من شدة حرارة الشعاع ، الرياضيون يركضون على رمل الشاطئ الذي يتأثر بطبعات أقدامهم ، فترجو الرمال أن تهب هبات الرياح وتحمل حبات الرمل التي تغطي أثر تلك الأقدام.

على هذا الشاطئ يقع مقهى بني على الطراز الحديث ، فالأثاث فاخر له ألوان متناسقة تشعر حين الجلوس عليه بأنك جالسٌ على سرير مريح فرش لتجلس عليه وتسعد به ، بجانب الأثاث أو بعبارةٍ أخرى- الكنبات- توجد مجموعةٌ من الطاولات التي صفت بعناية ، تلمحها عيناك فتحس بجمالها رغم بساطتها فلا هي مطرزةٌ بالذهب أو منقوشةٌ بالفضة ، يدرك الناظر لها جمال وبعد أفق من نسقها ويجد فيها روعة البساطة وتألق الإبداع .

في هذا المقهى وقرب أحد النوافذ تجلس هند تحمل في يدها كتاباً تقلب أوراقة بتمعن فلا تحس بمن حولها ، تمر عليها صديقتها فتسلم فلا تجد منها رداً ، تضع كفها على كتف هند فتنتبه بذعر وتبتسم ابتسامة المعتذر ، تحاول هـنـد أن لا تطيل الحديث حتى لا تقطع سكين فراغ صديقتها حبل اندماجها .

تتحدث أنغام – صديقة هند- معها تتحدث عن الموضة وعن آخر صيحات اللباس الحديث ، تنظر إلى ملابس هند فتراها محتشمة على موضة الدين والعادات والتقاليد فتسخر من لبسها ومن صغر عقلها وتخلفه!! ، تواصل أنغام ثرثرتها وتنتقل بين بساتين الحديث فلا تنتقي منه إلا الثمر الفاسد أو الشوك المؤلم ، تهرب هند بنظرها نحو كتابها وتخاطبه عبر أشفار عينها وكأنها تقوله له عذراً صديقي فلست أملك إلا انتظار حدوث المعجزة التي تخلصنا من مصيبتها بسرعة .

تحس أنغامٌٌ أن هنداً شاردة الذهن ولا ترد عليها إلا بعبارات المجاملة ، تتضايق فتأخذ حقيبة يدها وتخرج غاضبة دون أن تسأل عن سبب صمت صديقتها ، يرقص قلب هندٍ فرحا بما حدث وتعود بنظرات الشوق إلى السطور التي تركتها وتعاود الاندماج فيها.

عقل هند يتوقف عن الاندماج في القراءة ، ما هو السبب يا ترى؟! تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تحاول أن تتنفس بعمق لعل هذا الخلل الذي طرأ على مزاجها يزول فتعود للشوق التي كانت تقرأ فيه ، تأخذ شهيقاً بصوت عال ملفت لمن حولها وتنفثه خارج صدرها مسببة حرجاً لنفسها من قوة الهواء الخارج من فمها ، يضيق صدرها أكثر فأكثر ، أضلاعها تتداخل ، نفسها تحاول الفرار من جسدها ، كأنها سجين في حفرة يحاول بكل قواه أن يوسع الحفرة فلا يستطيع ، تنزل دمعةٌ حارةٌ على خدها وتكون خاتمةً لجلوسها فتغلق الكتاب بعصبية وتخرج مندفعة تصطدم ركبتها بالمنضدة فتقلب الأشياء ويزداد حرجها ، تخرج من المقهى تحمل وجهاً أحمر من شدة حيائها.

تهب نسمات البحر الشافية على وجه هندٍ الدامع فتنعشه قليلاً ، تسترد هند بعض هدوئها ، ما الذي حدث هناك لماذا كل هذا يا هند؟!

تجلس في مكانها على رمل الشاطئ ، تنظر للبحر وتسرح معيدةً مشاهد ما حدث قبل قليل ، لا تذكر شيئاً سوى يد أنغام على كتفها ، تعرف ما الذي أصابها .. إنها سكين فراغ صديقتها التي قطعت صفوها ومزقت جمال جلستها.

تنهض مسرعة نحو باب المقهى وتجلس على طاولتها التي ألفتها ، تخرج قلمها فتكتب على صدر أول صفحة في كتابها ( أعاهدك أن لا تقطع أي سكين حبال الود بيننا) تعود لسطورها التي تركتها تشتكي فراقها وتعاهدها بأن لا تجامل على حساب نفسها.

- تمت-

بقلم عبدالرحمن محمد الابراهيم

@alibrahem_a

ليست هناك تعليقات: