الخميس، 10 مايو 2012

ابن زريق يحتفي بمولدي!




في زماننا هذا وقع الحياة السريعة يطغى على وقع ، عالمنا أصبح سريعاً كسرعة تحضير الوجبات في مطاعم الوجبات السريعة! شكل الوجبة الغذائية جميل لكنها في حقيقة الأمر لا لون ولا طعم ومضارها أكبر من منافعها!

هذه الحياة السريعة المتطوره سرقت من مخزون ذكرياتنا العديد من اللحظات الجميلة كان أسلافُنا يعيشونها بتفاصيلها ، فصرنا اليوم نعيشها بدون أن نشعر بها أو حتى نستغل مرورها فبالله عليكم ما حياة المرء دون ذكريات جميلة يسترجعها؟

رنَّ جرس التنبيه في هاتفي المتنقل معلناً عن قرب حلول يوم مولدي! يا الله لماذا لم أعد اتذكر هذه المناسبات الجميلة إلا من خلال الهاتف ألم تعد هذه اللحظات عزيزةً على قلبي؟

أين أنا من جمال ذكراها ؟ في مثل هذا اليوم 11-5 قبل أعوامٍ عديدة خرجت لهذه الدنيا باكياً وفي مثل هذا اليوم لسنوات عديدة عرفت فضل أمي حفظها الله وأدركت قيمة والدي أطال الله فيه عمره، في مثل هذا اليوم بدأت رحلتي في هذه الدنيا.

قبل عامين كتبت مقالاً "صمتٌ في يوم مولدي" كنت حينها قد وصلت لبوابة العقد الثالث من حياتي،هذا العام وجدت نفسي أستعد ليوم مولدي قبل شهرٍ من حلوله! أنا لا أحتفل بهذا اليوم أنا أحتفي به من خلال اطلاق أفكاري في عالم التأمل وابقاء أبواب الكتابة مشرعةٌ أمام حرفي في هذا اليوم وفي غيره من الأيام التي تمر عليَ وتكون للحظاتها ميزه، ومن أين يستمد الكويتُب مثل أفكاره أليست المواقف والمناسبات واللحظات الجميلة كنزُ الشاعر والأديب والكاتب!

لا أكاد أعرف متذوقاً للشعر العربي الفصيح لم يسمع بسيد الغرباء وغريب الشعراء ابن زريق البغدادي ، كيف لا يُسمعُ به ويتيمته التي كتبها سُطرت بماء المشاعر والروعة على صفحات التاريخ ، ابن زريق هذا لم يُعرف فيما اعرف من شعره سوى قصيدة واحده ، سميت بتيمة ابن زريق قالها عندما تغرّب عن وطنه العراق وسافر للأندلس طمعاً في عطايا خلفائها ، لكنهم أعطوه القهر والحزن والكدر!

غربة الروح أقسى من غربة الجسد ، غربة الروح هي الطريق إلى حيث لا نعرف فالروح قد تصير غريبةً في موطنها وبين أهلها وعند أحبابها فيزيد بذلك همُها وتفتقد السكينة ويغشاها الغم وينزل بساحتها القلق.

سيد الغرباء ابن زريق أبا إلا أن يلقي على مسامعي قصيدته احتفائها منه بذكرى مولدي ، وما أجملها من هدية وهل يجد الإنسان اليوم أثمن من النصحية في زمنٍ قل فيه الناصحون وكثُرَ فيه المجاملون ، ألقى ابن الكرخ على مسامعي قصيدته قائلاً:

لا تــعــذليـــه فـــإن العـــذل يولــعــه /قـد قلت حقـاً ، ولكـن ليس يسمعه



جــاوزت فــي لومـــه حــداً أضـر بـه /مـــن حيــث قــدرتِ أن اللـوم ينفعــه



ومن منا يحتاج للعذل واللوم أو حتى التذكير عندما يتلبسه الحزن ويضيق به الحال ويرتدي نظارات الكدر السوداء ، المرء في هذه اللحظات يحتاج لمن يحتويه ويضمه ويخفف عليه وطء المصاب.















ثم ينقش بحروف ملؤها المشاعر فيقول :



يكفيه من لوعة التشتيت أنه له / من النوى كل يومٍ ما يروعه

ما آب من سفرٍ إلا وأزعجه/ رأي إلى سفر بالعزم يزمعه



وكيف لا يكون في حلٍ وسفر وصدره يحمل الطموح وربما الأفكار الكبيرة التي لو وزعت على الفارغين والتافهين في عالمنا لوسعتهم وأنارت عقولهم ، الكثير منا اليوم كإبن زريق في حاله هذا يكون بين مد الفكرة والأمل والتفاؤل وجزر القنوط والوساوس والتسويف.



هذا الشاعر عنده ثقة بالله ومعرفة في كيفية تحفيز ذاته وبث السرور في نفسه فأعطى نفسه الكثير الأمل حين قال:



وما مجاهدة الإنسان توصله / رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه

قد وزع الله بين الخلق رزقهمو / لم يخلق الله من خلقٍ يضيعه



لا تفرح يا صديقي الكسول فالمجاهدة من متطلبات الحياة ولو كان ابن زريق بيننا اليوم لوجدته ينصحك بأن تسعى وتبذل جهدك وتصبر وتقاتل وتفكر في أفضل الوسائل التي توصلك لهدفك ، فالزرق لا يصلك لفمك وإنما عليك أن تسعى له ، فالفارق شاسعٌ بين الدروشة والتوكل فكل متوكل على الله سبحانه يبدأ عمله بالإستخارة يُتبعها بالإجتهاد ويختم خطته بالرضا بما قسم الله له .



فالإستخارة لا تعني أن ما تطلبه من الله عز وجل سيصلك وإن وجدت في نفسك راحة ! والتوكل على لايعني أن سترزق ما تشتهي لأن تدبير الله لك أفضل من أمنياتك لنفسك وأدق من تخطيطك لمستقبلك فكن مؤمناً بأن ما يكتبه الله عليك هو الخير دائما.



يستمر أنيس الغرباء في اسعادتي فيكمل القاء قصيدته ليصبر بها كل غريب أو مغترب ويصف لهم حاله قبل مئات السنين فيقول :



لا أكذب الله ثوب الصبر منخرقٌ/عني بفرقته لكن أرقعه



ومن منا اليوم لم يسأم من الصبر وهل هناك من يستمتع بالصبر؟ حتى المبتلى لو خيرته بين رفع البلاء أو الصبر عليه فسيختار الأول لأن الإنسان بطبعه يجد في الصبر مشقة ولولا هذه المشقة لما وعد الله الصابرين بالأجر العظيم يوم القيامة حين قال تبارك وتعالى: ( إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب).



هل تظنون يا سادتي أن شاعرنا اكتفى لا والله ماهذا طبع ابن زريق فالكرم شيمته والبذل من صفاته ، أكمل احتفائه بي فقال :



رزقت ملكاً فلم أحسن سياسته / وكل من لا يسوس الملك يخلعه

ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا/ شكرٍ عليه فإن الله ينزعه



هذه أجمل فقرات احتفاله بذكرى مولدي حين ربط واقعي الذي اعيش فيه بماضيه الذي كان يعيشه ، فكل من يقرأ الأبيات تقفز إلى ذهنه ثورات العز العربية ، فكل الحكام الذين أسقطهم الربيع العربي ومن سيخلعون عما قريب بإذن الله لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يحسنوا سياسة ملكهم ، وأنت كذلك أيها القاريء الكريم اذا لم تضع لنفسك خطة للحفاظ على النعمة التي تملكها ولم تجعل لشكر الله في يومك نصيب سترى ما لا يسرك والأيام دولٌ وثق أن دولتك ستنهار قريباً إن لم تحسن سياسة حياتك.



ثم يرسل البغدادي لي هديته مغلفةً بآخر بيت كتبه فيقول :



وإن تغل أحداً منا منيته/فما الذي بقضاء الله يصنعه



نعم إذا وقع القضاء صار الإنسان بين أمرين إما من الشاكرين فينال بذلك خير الجزاء من الله وإما أن يكون من المتذمرين فيخسر الأجر العظيم ويضر نفسه ويساهم في تدمير لحظاته،شكرا يا سيد الغرباء على احتفالك بذكرى مولدي علمتني أن سنوات عمري لا تضيع ما دام الإنسان يملك صحته فكما قيل كل سقوط هو أجمل بدايه.



وللقراء المتذمرين دائما الذين يقولون لي في كل عام وما شأننا نحن بيوم مولدك ومن أنت  حتى تجبرنا أن نقرأ ذكرياتك فأقول لهم قول أديب الفقهاء علي الطنطاوي رحمه الله حين وصف حالي وحالك وحال الناس كلهم فقال



"حين أتحدث عن نفسي أتحدث عن كل نفس ، وحين أصف شعوري وعواطفي أصف عواطف كل من كان في مثل حالي وشعوري ، كأستاذ التشريح لا يشق صدر كل حيوان من حيوانات المختبر بل يشق الصدر والصدرين ليرى الطلاب مكان القلب وحركته ويشرح لهم عمله ، لأن القلوب التي لم يروها لا تخلتف عن القلب الذي شُق فرأوه ، وهذه من عجائب قدرة الله إذ جعل الناس مختلفين وهم ومتشابهون ومتشابهين وهم مختلفون!"



كل عام وكل طامح بخير

المقال منشور في جريدة سبر

http://www.sabr.cc/inner.aspx?id=30759