الأحد، 16 يناير 2011

أبو القاسم البوعزيزي



وقفت أمام البحر متأملا الموج الهادر يضرب رمال الشاطيء فتتناثر ، من يوقف تدافع الأمواج وعلوها إذا ما أبرقت السماء وعصفت الرياح ، خُيّلَ لي أنني أرى في كل موجة رجالاً أحراراً مروا عبر التاريخ ، نفوساً أبية لا ترضى بغير الحرية وطناً وبغير الكرامة مسكناً.. لا تعجبوا يا سادتي من هذا الوصف فقد وقفت على الشاطيء بعد أن شاهدت ثورة رجال تونس!.

تونس الخضراء لم تكن الثورات فيها وليدة اللحظة فقد مرت عليها ثورات عديدة في تاريخها وقاومت غزاة كالفرنجة في تاريخها القديم وأحفاد روما وباريس في تاريخها الحديث ،

هناك ثورة الفلاحيين بزعامة عمر بن عثمان عام 1906 ضد الفرنسيين وهي من أطول الثورات ضد الإستعمار الجاثم على صدور أبناء المغرب العربي في ذلك الزمان ، وثورة الحرية والاستقلال 1956 ، وإنقلاب بورقيبة على الملك محمد الأمين باي 1957 ، فثورة الخبز 1984 ، ثم انقلاب الوزير الأول زين العابدين بن علي على بورقيبة وتولية مقاليد الحكم 1987 ، فبين انقلابات عسكرية ومقاومة للقوى الاستعمارية استمد ثوار اليوم عمقهم التاريخي.

ثورة الشعب لا تأتي في الغالب إلا عندما تنتهك الكرامات والمقدسات أو عندما لايجد أهل البلد قوت يومهم فكيف إذا اجتمع الأمرين كما حصل في تونس، فتاريخ بن علي حافل فقد حرم على الناس الصلاة إلا في أوقات وأماكن معينة، ومنع شعبه المسلم من الحج بحجة انتشار مرض انفلونزا الخنازير، وزج بالمتدينين في السجون، كما حاول عزل تونس عن محيطها العربي والإسلامي فمنذ عهد بو رقيبة وصولا لعصر بن علي وتغييب تونس عن الساحة العربية أمر واضح للعيان ، واليوم تطالعنا وسائل الإعلام العالمية أن إسرائيل تأسف لرحيل زين العابدين بن علي الذي كان من أكبر الداعمين لها سراً؛ فقد دعمها عبر منع أحرار تونس من التظاهر وجمع التبرعات لنصرة غزه عام 2008 ، ومن هنا فقد مس بن علي معتقدات الناس وآراءهم، وهمش شريحة عظمى من المجتمع التونسي لا تزال تحب الانتماء العربي والإسلامي وستظل على هذا الحب والعهد، وأصدق ما يدل على ذلك افتراش الناس لأعلام تونس والصلاة في الساحات العامة.

وحارب بن علي وحكومته الناس في رزقهم فأعطاه سببا آخر للثورة فقد سيطر هو وأقاربه والمقربين منه على مقادير الاقتصاد ، وتناسى تحليل التونسي ابن خلدون في مقدمته عندما حذر من اشتغال أهل السلطة بالتجارة ومنافستهم لأهل البلد لأن ابن خلدون أوضح أن التجارة من السلطان مضرة للرعية ومفسدة للجباية -نظام الضرائب اليوم- ، وذلك أن منافسة الحاكم للناس في أرزاقهم يدعوه لأن يهرب الأموال التي يغنمها إلى الخارج إما عن طريقة هو أو عبر هروب التجار ورؤوس الأموال إلى دول أخرى مما يسبب أزمة اقتصادية حادة في بلده تؤثر على أفراد شعبه ، فهو حاز السلطة فأراد المال، ولن يجد المال إذا كان للناس خلق فاتخذ من كاترينا الروسية مثالا له عندما شكت لوزرائها قلة المال في خزائنها، فأشاروا عليها أن تدعو النساء للخلاعه والمجون، بشرط أن تكون هذه الخلاعة نظير أموال، فهب الرجال والشبان للعمل لصرف قوتهم على جميلات عصرهم فتضاعفت خزينتها وتلاشت أخلاق شعبها ، وهذا ما حصل مع تونس التي استبد بحكمها زين العابدين فأجبرها على خلع حيائها ولكن أحرار تونس تمسكوا بأخلاقهم طوال ال23 عاما وإن كان التمسك سراً.

محمد البوعزيزي الشاب الجامعي الذي تنازل عن شهادته ورضي أن يكون بائع خضار وفاكهه على عربة ، لم يجد مالاً حتى ليؤجر مكانا ويصبح تاجرا ، قطعوا رزقه وحرموه قوت يومه!! حاول التظلّم لكنه لم يجد أذنا مصغية من الظالمين ، تقطعت أنفاسه وهو يلهث وراء حقه، أحس بنار القهر والحرمان فحتى رزقي حرمتموني منه ولم توفروا لي بديلا! سحقا لحياتكم هذه!! فسأموت وأنا أشتعل لعل لهب النار التي تغطي جسدي توقظكم! ، رحل محمد وكان أول شرارة انطلقت وأول شهيد في ركب الحرية ، مات محمد وسقط النظام الذي ظلمه خلال شهر.

البعض يرى أن البوعزيزي انتحر حرقا والإنتحار في سبيل الحرية مرفوض وغير مقبول اما النضال والموت للخلاص من الإستبداد فهو المطلوب ، بغض النظر عن موت البوعزيزي فكما يراه البعض منتحرا يراه آخرون قد جُنَّ وفقد عقله وفي كلا الحالتين حسابه عند الله ليس لنا نحن البشر أي سبيل للتدخل ، فليتنا نترك قضية هل مات أم انتحر ونرى نتائج ما حدث.



ثورة البوعزيزي حركت أنظمة عربية مستبدة كثيرة فبدأت تراجع حساباتها وتقرأ في كتب الاستبداد فرجعت للكواكبي فوجدته يقول قبل 100 عام "المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم ذُلاً وكالكلاب تذللاً وتملقاً ، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدِمت خَدَمت وإن ضُربت شرست" ، شعوب العرب اليوم نار الحرية أشعلها في نفوسهم البوعزيزي فنجد صداها في مواقع تويتر والفيس بوك والمنتديات وحتى الصحف كلهم اتخذوا من كلمات شاعر تونس أبو القاسم الشابي نشيدا وطنيا لهم:


إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر


على أخوتنا في تونس التنبه أن ما قاموا به هو بداية الثورة وأنها لن تنتهي إلا بنظام ديمقراطي يحقق لهم العدالة والمساواة ، فلا يتركوا لرجال الظلام أن يسيطروا على مقاليد الحكم من جديد بصورة مستبدة جديدة فالمستبد يتلون فعليكم أن تعرفوا ألوانه ، حقوقكم لا بد أن تأخذوها ولا تكونوا ظاهره عاطفية ثارت للبوعزيزي وتخمد بخروج بن علي بل صيروا حقيقة واقعية ومثالاً يحتذى به ، حريتنا أساس إنسانيتنا تذكروا ذلك جيّدا فمن يتنازل عن حريته سيعيش في حظيرة في قفص حديقة مربط سمها ما شئت أما الوطن فلا يقبل على ثراه إلا الأحرار.

أمر آخر يخص بلدي الكويت يحاول البعض أن يصور ما يحدث في الكويت شبيه بما يحدث في تونس وهذا أمر منافي للواقع ، نطمح ككويتيين إلى مزيد من الحريات والديمقراطية الكاملة لكننا لسنا كأهل تونس هم وصلوا لأدنى مراحل القمع والاستعباد ونحن نعيش في دولة شبه مدنية ، نحتاج إلى الكثير من التغيير والتقدم للأمام لكن على السياسيين التنبه من استثارة عواطف الشباب فيدفعونهم إلى الايمان بأمور في تونس لا نعيشها نحن في الكويت ، والواجب على النواب اليوم أن يستغلوا الفرصة التاريخية في تنبيه حكومتنا أن سياستها الحالية قد تقودنا إلى هاوية الاستبداد المستعبد فيخرج بوعزيزي كويتي في قادم السنوات ، أما أن يكون حالنا اليوم كحال تونس فهذا أمر ينافي واقعنا الاجتماعي والسياسي وحتى الإقتصادي.

المعجزات لن تحدث في هذا الزمان، فليس بيننا نبي، وإذا أردنا الوصول للحرية فهناك طريق واحد ، أن تكون نفوسنا حرة لا يستعبدها بريق المنح المالية ، فالاستبداد اليوم صار يشعر بالخطر فانتفض ولبس عباءة من ورق الشجر وتناسى أن الورق يسقط إذا نزل المطر ، سقانا الله أمطار الحرية والعدالة والمساواة ، وصيب العفو ينهال على قبر البوعزيزي و70 شهيدا