الخميس، 23 ديسمبر 2010

حتى لا نعود للتخلف








حتى لا نعود للتخلف
لم أرغب في الكتابة حول الأحداث السياسية الجارية في الكويت لأني عاهدت نفسي أن أبتعد عن دهاليز السياسة؛ كونها تسبب الصداع والفرقة، وما يزيد كرهي لها أننا نعيش في مجتمعٍٍ كثير من أفراده يتحدث في السياسة دون أن يعي ما يقول.


لكني اليوم بعد أن تابعت لقاء شيوخ القبائل على قناة الوطن شعرت بالخوف من العودة للوراء من دولة مدنية يحكمها دستور إلى إمارة تدار بشيوخ ووجهاء وتجار فقط، أنا أقر أن الحكومة تتحمل الجزء الأكبر من المشاكل التي يعاني منها المواطن الكويتي اليوم، وهي سبب رئيس وكبير في التأزيم السياسي الذي شل الحياة السياسية في الكويت، وربما كانت هناك أجندة لوئد نموذج الديمقراطية الكويتية الرائدة في منطقة الشرق الأوسط عموماً والخليج العربي خصوصاً، ودفن الحريات الجزئية التي نتمتع بها كمواطنين بحجج واهية تجرنا لها هذه الأجندة جراً، ويكون حالنا بعد ذلك كبراقش التي جنت على نفسها.


في الكويت نمتلك مساحة من الحرية، وغيرنا يمتلك مسّاحة تمسح كل آرائهم، هذه المساحة جاءت نتيجة لطبيعة تكوّن مجتمع الكويت، فبعد أن تكاثر عدد من استوطن الكويت، اتخذوا قراراً بتنظيم شؤون حياتهم، فاختاروا من بينهم أعظمهم حميّة وأقواهم شكيمة وهو "صباح بن جابر"، وتم الاختيار وفق الطريقة العشائرية العربية؛ فقبل بالأمر بعد أن أخذ على أهل الكويت أن ينفذ حكمه في الشريف والوضيع.


وهذه العلاقة استمرت طويلاً، ولكنها أيضاً مرّت بفترات من الحكم الفردي، مروراً بمجلس الشورى 1921، والمجلس التشريعي 1938-1939 والأحداث المؤلمة التي لا تخفى على الجميع، فهذه التضحيات التي ورثها من عاش في بداية الاستقلال جعلتهم يدركون أهمية الدولة المدنية والتنظيم فأدى ذلك بمباركة من الشيخ "عبد الله السالم الصباح" رحمه الله إلى إقرار الدستور وإشراك الشعب في السلطة... لست هنا لأعطيكم درساً في التاريخ، فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب التاريخ لكنني هنا لأتحدث عن كويت اليوم.


قضية رفع الحصانة عن الدكتور "فيصل المسلم" والتكتيك الحكومي في عدم حضور الجلسات إلا بوزير واحد هو من فجّر الخلافات بين تكتل المعارضة والحكومة، فأنا على قناعة تامة بأن من حق النائب أن يقول ما يشاء داخل مجلس الأمة، فهو حق كفله له الدستور وأعطاه الحصانة الكاملة حتى لا يختل الدور الرقابي له، وهذا من حكمة الآباء المؤسسين واضعي الدستور ، لكن الحكومة بسبب شخصانية القضية بين رئيس مجلس الوزراء والنائب فيصل هي من أثار هذا الجدل السياسي، فقضية رفع الحصانة عن النائب تمت - عبر تاريخ مجلس الأمة - بالطريقة التقليدية وهو تصويت النواب والوزراء على طلب رفع الحصانة فإن حاز الطلب الأغلبية رفعت الحصانة وإلا فلا، لكن هذه المرة الحكومة لعبت تكتيكاً سياسياً من خلال الالتفاف على الدستور الذي ينص على أن رفع الحصانة تتم في حال عدم اكتمال النصاب القانوني للمجلس خلال جلستين، وهذا ما تم في قضية المسلم.


منذ تولي الشيخ "ناصر المحمد الصباح" رئاسة الوزراء والأزمات السياسية تتفجر، بسبب وأحياناً بدون سبب، وانتشر بين الناس أن ما يجري بين الحكومة والمجلس ما هو إلا انعكاس لصراع بعض أفراد الأسرة الحاكمة خصوصاً في ظل أزمة الحكم التي سادت الكويت عام 2006، وفي السنة الأخيرة خصوصاً بدأت الحكومة تعمل من خلال طرح خطة التنمية وصعود رئيس مجلس الوزراء للمرة الأولى لمنصة الاستجواب وحيازته على الأغلبية في جلسة سرية!! وكأن الخلافات الشخصية داخل الأسرة الحاكمة قد حسمت، ومع هذا استمر الخلل في الأداء الحكومي البرلماني؛ لكون الحكومة لا ترغب في المعارضة بتاتاً لأنها تملك الأغلبية البرلمانية المريحة لتمرير مشاريعها، ومن هنا تفجر الصراع.


تم الأمر بعكس ما يتمنى نواب المعارضة، فلم تحضر الحكومة بالتعاون مع النواب المحسوبين عليها، وتم بحكم الدستور أيضاً إسقاط الحصانة عن النائب "فيصل المسلم" في قضية استجوابه لرئيس مجلس الوزراء في مسألة الشيكات التي أثارها النائب "المسلم"، وسببت حينها ضجة، أرى أنه لم يوفق في طرحها خصوصاً بعدما تبين أنها أمور شخصية لرئيس الوزراء عبر إعطائه شيكاً للنائب السابق "ناصر الدويلة" الذي يملك مكتباً للمحاماة يدير القضايا القانونية لرئيس الوزراء قبل حصول الدويلة على عضوية مجلس الأمة، والشيك الآخر كان للنائب "وليد الطبطبائي" عضو تكتل الإصلاح والتنمية الذي ينتمي إليه "المسلم"، وكان الشيك مساعدات خيرية لإحدى المبرات. إذاً الاستجواب حق دستوري للنائب نؤيده وندعمه فما قضية رفع الحصانة عنه؟


القضية تكمن في أن الدكتور "فيصل المسلم" حصل على الشيكات عبر قنوات غير قانونية من خلال تسريبات من البنك، الأمر الذي كان فيه انتهاك لخصوصية الحسابات المصرفية لعملاء البنك المعني، فتم رفع قضية من البنك ضد النائب، ولكم تمنيت أن يكون النائب حصل على الشيكات من خلال طلبها من وزير المالية مثلاً عبر سؤال برلماني.


لكن ما لم أفهمه لماذا يؤجج الشارع من أجل قضية تخص نائب واحد، خصوصاً أن الأمر تم بلعبة سياسية، والنزول للشارع لن يغير واقع ما تم، أنا مع عدم رفع الحصانة عن الدكتور "فيصل" لأنه نائب من حقه أن يقول ما يشاء داخل قاعة البرلمان، لكن الحكومة أيضاً لعبت سياسة مع الكتل المعارضة وحضرت بوزير واحد لإكمال النصاب وفق الدستور، وكسبت الجولة ورفعت الحصانة عن النائب، فلماذا النزول للشارع والتأزيم!.


عندما يقدم الإنسان على أي أمر يجب أن يدركه من جميع جوانبه ويخطط له بشكل صحيح خصوصاً من كان في ولاية عامة وذا أثر جماهيري، النزول للشارع في ظل وجود مجتمع يؤمن بعض أفراده بالفزعة القبلية والنعرة الطائفية والتفكير الطبقي هو أمر غير محمود؛ لأنه تصرف يراد به الضغط على الحكومة وليس جعل الناس ضحايا لأخطاء فردية، ففي ندوة "إلا الدستور" الأولى التي أقيمت في ديوانية "أحمد السعدون"، استطاعت الحكومة عبر بوقها "محمد الجويهل" الرجل الذي تكلم في أعراض الناس وولائهم عبر قناته التلفزيونية المدعومة بكل تأكيد من أطراف متنفذة في البلد إذ لا يمكن "للجويهل" أن يحصل على هذا الكم الهائل من المعلومات دون مساعدة، وهنا أود التوقف عند قضية "الجويهل" قليلاً، فـ"الجويهل" طرح قضية عجز الكثيرون عن التحدث عنها ألا وهي قضية "مزدوجي الجنسية".


هذه القضية لها جذور تاريخية يطول شرحها لكن مختصرها أن أهل الكويت والخليج عموماً لأسرهم امتدادات اجتماعية وعشائرية في بلدان مجاورة، أما حصر أهل الكويت فيمن كانوا يعيشون داخل السور فهو أمر غير صحيح تاريخياً، فأسرتي هي ثاني أسرة بعد الأسرة المالكة يضعها "الجويهل" في قناته عن الأسر الكويتية!! ولكني أمتلك أبناء عمومة سعوديين بل أخوال والدي من الإبراهيم سعوديين، فالأمر ليس مسألة ازدواجية جنسية فقط، بل وراء الأكمة ما هو أكبر، ألا وهو محاولة ضرب الوحدة الوطنية من خلال إضعاف القبائل وأهل الحاضرة في مقابل تقوية أطراف أخرى في المجتمع، لعل من أبرزها التيار الشيعي في الكويت.


لو كان الأمر مسألة حل قضية المزدوجين لتبنت الحكومة الأمر، خصوصاً وأن "الجويهل" يملك ملفات هؤلاء، والمسألة في غاية السهولة تحل بتخيير من يحمل جنسيتين وفق القانون الكويتي إما أن يسقط الجنسية الأخرى وإما أن تسقط عنه الجنسية الكويتية، وأنا أؤيد فكرة إسقاط أحدى الجنسيتين عن إنسان مزدوج إذ لا يمكن أن تكون مواطناً في دولتين تتمتع بالمزايا ولا يوجد عندي ما يبرر أن يكون الانسان مواطنا في بلدين.


وكرد فعل على مطالبات "الجويهل" أثيرت قضايا كثيرة اليوم أهمها التمييز الطبقي، وسيطرة أهل الحاضرة على كل شيء، وكأننا لا نعيش في دولة الكويت المدنية المؤسسية، بل في بدايات القرن العشرين، حيث كان أهل الكويت من الحاضرة داخل السور، وقبائل الكويت خارجه، وكأننا لا ندرك أن هناك مفهوماً للمواطنة والحقوق والواجبات بين الدولة ومن يعيش فيها.


لا يا سادة، ليست هناك سيطرة لأهل الحاضرة ولا للبادية، المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور كان أعضاؤه من جميع أطياف المجتمع الكويتي، وكان لأبناء القبائل 7 أعضاء من أصل 20 وبقية الأعضاء ما بين شيعي وسني وتاجر وصاحب مهنة، المواطنة لا تأتي عندما نذكّر بعضنا بداحس والغبراء وبأمجاد الماضي الغابر، إنما تأتي المواطنة عندما نجعل من الوطن الأساس الذي نلتف حوله والخط الأحمر الذي لا نقترب منه وعندما نترفع عن المصالح الشخصية في القضايا المجتمعية.


نعود للندوة التي استطاع "الجويهل" أن يفسدها ويطمس ملامحها من خلال حضوره وضربه من قبل بعض الموجودين ممن تعرض لهم في قناته، وبدلاً من أن تتابع القنوات الإعلامية أخبار الندوة والأخطاء الحكومية صار الحديث حول "الجويهل" المضروب هل هو من الأحياء أم من الأموات، والغريب في الأمر أن يتهم من ضرب "الجويهل" بالشروع بالقتل والأمر لم يتعد المشاجرة!! بل ما يزيد الأمر غرابة هو استنكار مجلس الوزراء لحادثة ضرب "الجويهل" وكأنه شخصية مهمة في المجتمع! بكل تأكيد شريعة الغاب التي استخدمت لا يقرها عاقل أبداً، لكن تحميل الأمور ما لا تحتمل هو ما يثير استغرابنا.


بعد ذلك أطلقت الحكومة يدها لقمع الحريات الكويتية بحجة ضبط النظام والأمن الذي انفلت بضرب "الجويهل"!، وأحداث ديوانية "الحربش" ليست خافية على كل متابع.
سؤالي لنواب كتلة إلا الدستور: أين ذكاؤكم السياسي؟ وأين فن لعب السياسية الذي تمرستم عليه، لماذا سيطرت عليكم السذاجة فصرتم تتلقون ضربات الحكومة بارتباك واضح؟ أنتم تفتقدون التنظيم، وهذا أمر واضح للعيان، وتفتقدون حسن الإدارة، وتفتقدون الرأس، فكتلتكم المعارضة عبارة عن عدة رؤوس، وبذلك ترنحت سفينتكم لأنها لا تحتمل إلا قائداً واحداً فقط.


يقول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد: "بإمكاننا أن نفهم الحياة إذا تطلعنا إلى الوراء، لكننا لا نستطيع أن نحيا إلا إذا تطلعنا إلى الأمام"، ومن هنا ليت نواب الأمة نظروا إلى المستقبل وتعلموا من درس الماضي، ولا يكون التفاهم عبر ثقافة رفع الصوت التي سادت مجتمعنا، بل أصبحت ظاهرة وتحولت إلى نكتة حتى صار الشارع يقول: إن أردت أن تصبح نائباً في مجلس الأمة فما عليك سوى رفع صوتك وشتم الحكومة والمبيت في أمن الدولة وعندها ستكون نائباً برلمانياً بطلاً!!.


نفتقد اليوم روح الآباء المؤسسين ونظرتهم أن تكون الكويت قبل كل شيء، وحبهم لهذا الوطن وحرصهم عليه، لن أقول إننا نفتقد الوطنية، كلا لكن نظرة سريعة على أطراف الصراع السياسي نستطيع مشاهدة الشخصانية تطل برأسها عند البعض وبنسب متفاوتة، لا ننكر وجود أخطاء حكومية كبيرة وفادحة لكن العلاج لا يكون عبر ترسيخ ثقافة الصراخ وتأجيج المشاعر وتسيير الشارع نحو الصدام غير المبرر، هناك قنوات دستورية تشريعية، وانتخابات قادمة، واستحقاقات برلمانية، والحكم للناخبين، وبكل أسف أقول: تنقصنا ثقافة الحوار والتفاهم، فكل فريق يرى أنه على حق، وكل فريق يستمتع بالطعن بالآخر والتبرير لأخطائه، إننا لم نبدأ المعركة.
تضايقت كثيراً من ظهور شيوخ القبائل على شاشة التلفاز يتحدثون عن الولاء في مجتمع ظننت أننا تجاوزنا فيه أعراف القبلية إلى مبادئ المواطنة، فالمواطنة اليوم لا تحتاج إلى شيخ قبيلة ليقول كلمته فيلتزم الناس بأمره، نحن اليوم نعيش في مجتمع مدني، ومع كامل الاحترام والتقدير الشخصي لهؤلاء الشيوخ الكرام لكن ظهورهم على الشاشات في هذا الوقت وبهذه الطريقة إنما هو ترسيخ للفرقة الاجتماعية وإقرار بعدم تطور الدولة وأننا لازلنا نعيش في زمن الإمارة لا الدولة، وكم ساءتني أهازيج الحرب التي أطلقها بعض المتحمسين وكأنهم ذاهبون للغزو.
يزعج العقلاء أن يُدعى شيوخ الدين لإلقاء ندوات ومحاضرات حول طاعة ولي الأمر، بدلاً عن الحديث عن حقوق الناس وواجباتهم واستنكار القمع الحكومي الذي حصل، فحتى المعارضين عندما تحدث أمير الكويت عن الأحداث وطلب عدم التجمهر خارج الدواوين كان له ما أراد في أول ندوة عند النائب "جمعان الحربش" فلم توضع الكراسي ولا الشاشات خارج الديوانية، فالمزايدة على طاعة ولي الأمر هو لعب مكشوف، ومن تصدر مجالس الوعظ اليوم تيار ديني لا يؤمن بالحياة النيابية ولا بالدستور! وقد طرحت على بعض منتسبيه سؤالاً: هل ترون أن الدستور قانون وضعي لا يحكم به؟ فلم يجيبوا؛ لأنهم يعلمون أنهم لو قالوا نعم لعصوا ولي الأمر الذي يصادق على الدستور كل عام.


ليت نواب الأمة اليوم ينتبهون إلى النواقص التي يحتاجها المجتمع، والسبل التي تأخذ بيد هذا المجتمع للرقي، ولنا في خمسينيات القرن الماضي زمن الشيخ "عبد الله السالم" رحمه الله مضارب مثل، وليتهم يعيدوا قراءة تلك الحقبة التي علمتنا أن السياسية لوحدها لن تصنع شعباً ولا أمة، بل ستخلق ظاهرة صوتية. كما أطلق المفكر عبدالله القصيمي على العرب عندما وصفهم بأنهم ظاهره صوتية.


إن كنا فعلا نريد الوصول لمصاف الدولة المتقدمة علينا أن نسد الخلل في جميع مناحي الحياة، نعم الحريات أساس كل إنجاز، لكن أيضاً العلم والثقافة والوعي ومبادئ الحوار أساسات أخرى للنهوض، والفارق بيننا وبين أوربا أنهم كانوا غوغائيين فتمدنوا، ونحن كلما تمدنا سحبتنا أيادٍ نحو الغوغائية من جديد، وليت القائمين على التعليم في بلادي وفي كل البلاد العربية يجعلوا من كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للـكواكبي منهجاً من مناهج التدريس، لعل قومي يعقلون.