الجمعة، 1 يناير 2010

أوراق الماضي

نظرت إلى ساعتي اليوم فوجدت تاريخها هو الواحد والثلاثون من شهر ديسمبر ، ذهلت مما رأيت هل انتهى العام، لماذا غادرنا بسرعة وكأنه شهر، بالأمس كنا نناقش ماذا سنفعل هذا العام وما هي منجزاتنا وكيف السبيل إلى تحقيق طموحاتنا ، كانت النفوس مملوءة بالأمل والتفاؤل واليوم هاهي لا تدري كيف مر العام وقد ضلت طريقها وحادت عن مسارها المرسوم أول العام المنصرم!!

نحن من قلائل البشر الذين يخططون دون النظر لحالهم ، نرسم الأفكار رسما متقناً ونصيغ الكلمات بحروف من همة عالية وندونها في دفاتر الأمل ولكننا غفلنا عن أننا تائهون فكيف للتائه أن يخطط! ، لو جلس احدنا مع نفسه جلسه مصارحة ونظر عن يمينه كيف هي أيامه التي قاضها في سنين مضت من رصيده، أتراه حقق ما يرجوا ويطمح؟ هل هو في مكانه الصحيح حيث حلم ورسم وخطط؟ ، أم لا يزال يلقي بأسباب فشله على مجتمعه وعلى القضاء والقدر ، وإن كان في مكانه الصحيح –وهذا نادر حدوثه- هل عنده هدف واضح لما سيكون بعد ذلك أم أن حدود طاقاته وقمة أهدافه أن يكون صاحب أسرة وينجب من يدعوا له بعد وفاته! ويكون لدية بيت ورصيد في المصرف وسيارة فاخرة .


لو أن الرهان حلال لراهنت بكل ما أملك بأن هذا هو حال معظمنا وللأسف ، نتساءل كثيرا لماذا نحن متخلفون بعدما كنا سادة الأرض وسلاطين الزمان ، أين ذاك التاريخ المشرق أين هم السلاطين العظام هل سيأتي اليوم الذي يقوم فيه القدر بإرجاع كل هذه المميزات لنا؟ ، أم ربما يقوم أحد أمراء المؤمنين من قبره بمعجزه إلهية فيقود الأمة نحو النصر بكبسة زر ، أين أمجاد بدر وحطين وعين جالوت وبلاط الشهداء ، نحن مثلهم عرب مسلمون بل لربما نحن في ميزان التطور والتميز والرفاهية أفضل منهم بدرجات كثيرة فلِمَ هذا التخلف .


وبعد كل هذه التساؤلات التي طرحناها على أنفسنا ، نقوم ببرود لا مثيل له بإدارة رؤوسنا نحو شمائلنا نتأمل في المستقبل الحالم ، نرى فيه العربات الفارهه والقصور العالية ، نرى فيه الخدم والحشم بل أن بعضنا قد بنى له ما فاق قصر الحمراء جمالا وتجاوز قصور ملوك اليوم تطورا ، ونعود فنسأل أين هي أمجادنا؟!


أمجادنا يا كرام لا تعود بالأحلام ، فالقصور في الأحلام هي بضاعة الحمقى وثروة المجانين وأوهام الكسالى ، إن أردنا أن يكون عامنا هذا مميزاً فليكن الطموح لدينا أن نكون علماء أو فقهاء أو أطباء ، لنجعل سلوتنا في الكتابة ونقضي فراغنا في القراءة ونحشو عقولنا بالايجابية ، ليترك كل منا الأنانية ونظر الأنا لذاته وليجعل حياته كلها من أجل أمته ودينه ، ليبتعد كل واحد منا عن التشبه في الغرب وأخذ فضلاتهم وترك محاسنهم .

نفوسنا يا ساده كالخيل الأصيلة ، فلا يعاقب أحنا نفسه بل ليسسها سياسة الفارس الخبير يكرمها إذا شدت ويحثها إذا كسلت ويدربها إذا فرغت ويريحها إذا تعبت ،ليجعل كل منا هذا العام عام الصعود والارتقاء ، لنرفه عن أنفسنا فالنفوس إذا كلت ملت ، ولكن ليكن شعار الترفيه عنده على قدر أهل العزم تأتي العزائم!!

قد قرأت حكمة أعجبتني كثيرا يقول قائلها (إن السفن آمن ما تكون بالمرفأ لكنها لم تصنع لذلك ..!! وإن الرجال آمن ما يكونون في بيوتهم ولكنهم لم يخلقوا لذلك..!! فكن ربانا ولا تخشى البحر!!)

نعم لنكن قادة أسطول سفن الإبداع في بحر التميز ، نرخي حبال مراكبنا وليبحر كل واحد في ذاته يغوص فيخرج الدرر الكامنة داخله ، لا نريد أن نكون كلنا كتاباً أو أدباء ، لكن نريد أن نرى متميزون في كل مجال ، لا تستصغر أي أمر فمعظم النار من مستصغر الشرر ، لنقطع حبال الكسل بسكين العمل ، هيا بنا نهمش من يجعل حياتنا هامشية بل ليتنا نطرده خارجها ، وليكن في عقولنا دائما بأن الهمة العالية توصل للمراتب الراقية ، إقرؤا سير الأولين وعظم بذلهم واستشعروا جهدهم اتخذوهم قدوات وليتنا نبدأ كلنا اليوم قراءة كتاب الشيخ عبد الفتاح أبوغدة صفحات من صبر العلماء ومن كان يظن أنه قد بذل الكثير فسوف يشعر بعد قراءة الكتاب-وأنا اجزم هنا- بأنه قزم في دنيا التضحيات!


دقائق معدودة ويشرف عامنا هذا على الرحيل وليس في ديننا سوى عيدين ونحن لا نبارك لكم هذا العام لأنه عيد بل نبارك لكم فيه لأن صفحته ستطوى ولن تعود أبدا ، فنجعل من نهايته فرصة للعفو والتسامح ولنرضي نفوسنا ربما حملت في طياتها سخطا إما لفعل نجهله أو تقصير تمادينا به ، لنعتذر ممن أسئنا إليه ولنصفح عمن أساء إلينا ، ليكن عنوان دقائقنا المتبقية هو (أنا أعتذر فأرجوك أقبل أسفي) ، ولا ننتظر جزاءا من أحد بل لنترك الجزاء لصاحب الكرم والعفو.


كل عام وأنتم للخير اقرب ، كل عام وهممكم تناطح الثريا ، كل عام وأنتم قادة وسادة ، كل عام ونفوسنا ممتلئة بالمحبة والمودة ،كل عام وكسلنا للفناء أقرب ، كل عام وأنتم بخير.

اختم هذا العام بأبيات رائعة للأبيوردي يقول فيها:

تنكر لي دهري ولم يدر أنني / أعز وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الدهر كيف اعتداؤه / وبت أريه الصبر كيف يكون