الاثنين، 23 يونيو 2008

هل يكبّرنا اللقب!




اليوم ربما يكون الحديث فيه بعض الفلسفه الممزوجة بالمشاعر المغطاه بشيء من العصبية ، لا تلوموني فأنا انسان مثلكم يعتريني ما يعتريكم وقد لا استطيع تحمل سفاهات بعض الناس ممن يجبروننا على أن نغضب ولكن نزيل الغضب غضبنا عبر كتابه مجموعه حروف نشرح فيها لماذا غضبنا،الغضب أمر فطري وربما يكون مشروعا أحيانا كغضبنا من أجل الله ورسوله وغضبنا من أجل تهذيب بعض السلوكيات ولكن أن نُجبرَ على أن نغضب يكون الأمر عجيبا .
كنت في زيارة لأحدى الديوانيات والجو العام فيها رسمي ولذلك لا يأخذ الواحد منا راحته في الكلام وبما أن الموضوع كان تاريخيا فكنت من ضمن متصدري الحديث بحكم تخصصي ، وبينما كنت أتكلم قاطعني أحدهم بقوله:

"ليتك تقف عند هذا الحد فالكاتب الدكتور فلان قال عكس ما تقول"

أنا كنت كمن صب عليه ماء بارد تحكمت برده فعلي وابتسمت له وقلت وهل قول الدكتور في هذا الأمر قرآنا منزلاً أم أنه يمكننا النقاش فيه؟ فرد علي مرةً أخرى بشكل مستفز وقال :

"لما توصل لمستواه وتصير دكتور ناقش اللي كتبه!"
طبعا هنا ولأن الكلمه التي خرجت منه غير مسؤوله وأنا على علم تام بأن دفاعه عن الدكتور هو عصبيه جاهليه مقتيه لأن الدكتور ينتمي لعائلته فقط وقد عرفت هذا بعد أن اشتد النقاش لأنني لم أكن على معرفه سابقه به!.

قبل أن أقول بماذا اجبته أود أن أطرح تساؤلا هنا هل يجب على أي انسان يثقف نفسه أن يكون دكتورا أو برفسورا ، هل لقب أمير أو شيخ أو عالم يعطينا الحق في ابداء الآراء والترجيح بين المسائل أم أنه من الممكن أن نبدي رأينا فيما نراه إن كنا مطلعين ولو على جزء منه وهل حجه فلان الدكتور لا يمكن مقارعتها ومنازلتها بالمنطق والحجه والعقل إلا لمن يحمل الدال فقط! هنا نتوقف قليلا لأقول لكم بماذا رددت على أخينا الذي يعتقد بأن دكتوره مصيب ولا يخطأ ويعتقد بأن التقليل من قيمه الآخرين ترفع من مكانته وتزيده قوه ، هي فعلا تزيده قوه ويتحدث بها ربما بعض الناس ولكن هذه القوه مستمده من حماقة وهذه الحماقة يتفاخر بها الحمقى والسفهاء لأن الطيور على اشكالها تقعُ!

ردي عليه كان بقصيدة نبطيه هي أجمل ما سمعت وما حفظت ، قصيدة قيل أنها قيلت بعد أن أهين قائلها في مجلس عام فكان رده مجلجلا ساحقا ماحقا وبكل أدب!

هذه القصيده هي لؤلؤة عقد الشعر النبطي كما أراه أنا وأنا لست متخصصا ولست ناقدا ولكن لي الحق في أن أفضل قصيدة على أخرى ، القصيدة هي للأمير المقتول غدار طلال الرشيد الذي قتل في ظروف غامضة في الجزائر خلال رحله صيد (مقناص) يقول في قصيدته:

يــا صـغـيّـر مـــا يكـبـرنـي لـقــب//وما يصغرنـي إذا انكرنـي صغيـر


ما خذينا الصيت من جمع الذهب//ولا نسابـة شـيـخ او قـربـة اميــر


كاسبينه من هل السيف الحدب//الجنـايـز كــان مــا جـــاك الـنـذيـر
إسمحولي سأعلق على بعض الأبيات فهنا يقول طلال بن الرشيد لمن صغّر من حجمه وربما حاول إذلاله يقول له أنت الصغير أما أنا فمعروف من أنا لم أحقق سمعتي ولا صيتي من جمع للمال أو لقربي من أمير أو ملك بل كسب سمعتي وصيتي من أسرتي التي حازت المجد (كما يظن طلال) من خلال السيف ونحن نسمى بالجنائز إن لم تكن تعرفنا وتسميتهم بهذا الإسم مصدرها جدهم عبدالعزيز الرشيد الذي كان يلقب بالجنازه لشجاعته وموت قلبه واقدامه ولذلك تتناقل ألسنه العامه أن الملك عبدالعزيز بن سعود عندما قابل عبدالعزيز الجنازه في آخر معاركهم طلب الرشيد منازله ابن سعود ومن يقتل خصمه تكون له السياده والملك عبدالعزيز بن سعود كان من الدهاه فأجاب (هو في حي ينازل ميت!!) وهنا يعترف الملك بقوه خصمه وشجاعته والقصه منقوله ولذلك هي في حكم الإسرائليات التي لا تكذب ولا تصدق ولكن تؤخذ منها العبره.
نعود للأبيات الرائعه:


صيتهـم نجـم ٍ علـى رأسـه لهـب//سمعوا الصقهان به واجهر ضرير


بالـوفـا تـاريــخ أبـيــض ينـتـصـب//لا حكـوا بالـحـق حيـيـن الضمـيـر


ضيغمـيـن للسناعـيـس انتـسـب//لابــةٍ طـلـنـا بـهــا عـــرش كـبـيـر

هنا يفخر الأمير بنسبه وقبيلته وفخذه وأن القبيله هي من طالت بها عائله الرشيد مجدها السابق وهذا حق مشروع لكل شاعر فالفخر ديدن قصائد أغلب الشعراء الأمراء.
عنـد حـدك يــا كثـيـر الـهـرج تــب//لا تـمــر الــنــار وثـيـابــك حــريــر


كــان لــك عـــز بـذلــي فتـعـقـب//والله ألا تبـطـي وحبـلـك قـصـيـر


احسبـنـك مــن صنـاديـد الـعـرب//واثــر ساتـرتـك عبـاتـك يــا غـريـر


ما حسب للسوس زراع القصـب//.والقـراده مــا درى عنـهـا البعـيـر


ولـو حسبنـا للحسايـف والتـعـب//مـا بذرنـا يــا العصافـيـر الشعـيـر


عـن هللـك ابـراي لله واحتـسـب//الرجـال الـلـي مجـارهـم عسـيـر


من قريش المصطفـى وابولهـب//والدغالب ما غشت عذب الغديـر


للرجـال مــن الرجاجـيـل العـتـب//والزكـاة تحـل فـي حــال الفقـيـر
هنا بيت القصيد والشاهد من ايراد هذه القصيده هنا لنقل نحن كما قال طلال لأي شخص يحاول التقليل من شئننا لأننا لا نحمل ألقابا قبل اسمائنا لنقل له توقف عند حدك لأنك ستمر على نار تلتهم الحرير الذي تلبسه بثواني وعندها ستكون عاريا أمام الخلق لا لقوةٍ مني ولكن لأنك ضعيف ولا تقّدر الأمور والمواقف فالذي يلبس الحرير لا يمر على النار لأنها ستلتهمه ، الأمر الآخر يا من تحاول تصّغيري واحراجي عندما رددت عليك أعتقدت بأنك رجل أو تستحق اهتمامي ولكنني تفاجأت بأنك لست سوى شبيه رجل تلبس البشت وتفتخر بلبسه وليس لك من رجولتك سوى إسمك ولذلك لن احسب لك حساب اتدري لماذا!!

لأنك كالسوس أو العلق الذي يصيب أشجار القصب فلا يعيرها زارع القصب اهتماما لأنها اوساخ لا تضر النبات أو أنت القراده (وهي نوع من الحشرات يصيب الإبل) فهي تكون على جسم البعير الكبير الذي لا يكترث بوجودها فهي اصغر من ان يعيرها اهتمام وهذا انت صغير بل اصغر من تعطى اهتمام ،ولو كنت سأحسب حساب التعب والندم فقط لما بذر المزارع الشعير الذي تأكل الطيور بعضه ،ورغم كل ذلك فالأمر لا يعني أنني اقلل من شأن أهلك وعشيرتك وقبيلتك بل كرام نحبهم والدليل على أن تقليلي من شأنك ليس تحقيرا لأهلك هو الفرق بين النبي الكريم ومنزلته في قريش وبين ابو لهب الذي انزل فيه الله قرآنا يتلى الى يوم القيامه ولذلك قومك كرام ولكنك لا تستحق سوى منزله أبي جهل وابي لهب من قريش ، ومن هنا فعتبي للرجال الذي تزينهم افعالهم أما أمثالك فهم يستحقون الشفقه وصورها الشاعر بالزكاه .

لعنـبـو وقـــتٍ غديـنـابـه حـطــب//تـحـرقــه نــــار يـثـورهــا اجــيـــر


ما ألومك والزمن سـوى العجـب//هـو بقـى غيـر الكرامـه بالجفـيـر


مـا أذل وراســي يـشـم المـهـب//لـو بقـى مـن شمـر طـفـلٍ غـريـر


مــا اهــاب ولا يزلزلـنـي غـضــب//الشجـاعـه ورث الـعـاقـل غـزيــر


يــا صـغـيـر مـــا يـكـبّـر باللـقـلـب//غير من هو كان من دونـه صغيـر

وهنا يختم الشاعر ابياته معبرا عن حزنه لأن الوقت تبدل والدنيا دول فيوم لك ويوم عليك فبعد أن كانت السطوه والإماره في عائلته أصبحت اليوم في يد غيرهم وأصبح هذا الزمن يجبرهم على أن يضعوا عزتهم وكبريائهم في الجفير (وهو المكان الذي يوضع به السيف او السلاح) ويردد ما قاله في البدايه من حبه لقومه أن لن يذل أو يجبُن طالما أن هناك رجلا من أهله خلفه ويختمها بأن الصغير في الشأن هو من يختفي خلف لقبه أو صلته وقرابته بمن يحملون تلك الألقاب فاللقب يكبّبر ويعلي شأن من كان صغيرا أصلا بلا لقب أما من كان كبيرا بلا لقب فهو من يضيف للقب إسمه ولا يضاف اللقب الى إسمه.

ربما بعد هذه الأبيات سيحس الكثير منكم بأن الألقاب هي ستار الضعفاء والجبناء فكم من جبان يحمل لقب أمير ويضرب به المثل في الشجاعه وكم من بخيل أعطاه لقب التاجر أو شاه بندر التجار صفه الكرم وهو بعيد عنها وكم من جاهل غبي نال الدكتوراه فكان عالم الأمه وصنع منه الإعلام نجما في سماء العلم وهو في الحقيقه لا يدري ماذا يقول.

هنا يجب أن نبين أمرا بأن الشهادات والألقاب مطلب نبيل فكلنا يتمنى أن يكون أميرا أو وزيرا أو صاحب مال أو دكتورا ولكن الخلل في أن ننظر إلى هذه المناصب والتسميات على أنها تزيدنا شرفا ومجدا وترفعنا إلى مصاف العظماء وهذا خلل في الفهم بل قصور فيه ، فالألقاب تعطى للمتميزين فكم من عالم مات ولم يحمل شهاده عليا وعلى رأسهم علماء المسلمين في العصور الماضيه وربما الشيخين ابن باز وبن عثيمين اثروا وساهموا في بناء أمتهم ولم يحملوا ألقابا قبل موتهم ولكن نجوم في سماء العلماء ، وهذا الطنطاوي فقيه الأدباء وأديب الفقهاء لم يحمل كذلك لقبا ولكن كتبه إلى اليوم تباع ويستفاد منها والرافعي وغيرهم من نجوم بل كواكب منيره في مساء الأدب وسماء سماء الإبداع.
نعم للألقاب إن كان خلفها من يشرّفها ولا تشرفه ونعم للمبدعين دون ألقاب فهم وقود التميز وعنوان الطموح وهم من يجبرون الألقاب أن تأتيهم ولا يسعون خلفها ولذلك أتمنى أن نبدع ونتميز ونجعل الألقاب تأتينا صاغره دون غرور أو كِبر أو خيلاء.




لكم ودي