السبت، 1 أبريل، 2017

الجنسية والابعاد في الكويت: هل التاريخ يعيد نفسه؟


ضجت وسائل التواصل الاجتماعي  بخبر "المكرمة الأميرية"، كما سماها الكثير من نواب مجلس الأمة الكويتي، بإعادة الجناسي للناشطين السياسيين الذين سحبت منهم بعد أيام الحراك الشعبي السياسي في الكويت. في نوفمبر الماضي كنا نسمع الكثير من قادة المعارضة الذين قرروا المشاركة في الانتخابات بعد مقاطعة استمرت ٤ سنوات تقريبا بأن هناك قانون سيقر حال وصولهم لمجلس الأمة لمنع تكرار سحب الجنسية دون اللجوء للقضاء. واستمرت هذه التصريحات بعد حصول الكثير منهم على العضوية إلا أن اشكالية سحب الجنسية الكويتية من قبل الحكومة لم تحل بعد. كباحث في التاريخ الكويتي أرى بأن اشكالية ابعاد المعارضة السلمية وسحب الهوية هي اشكالية استمرت في الكويت منذ أن كانت مشيخة أو إمارة وحتى بعد أن صارت دولة. في هذا المقال سأحاول تسليط الضوء على ثلاث نقاط رئيسية: (١) أساليب المعارضة السياسية في كويت المشيخة وكويت الدولة هل تتشابه؟ (٢) عقوبة سحب الجنسية والنفي من البلاد ثم طلب العفو من الحاكم هل التاريخ يعيد نفسه في الكويت؟ (٣) سجن المعارضة السلمية التي تنادي بالإصلاح هل اختلف بين كويت الإمارة وكويت الدولة؟ وستكون الاجابة عن هذه التساؤلات بالمقارنة بين أقوى حراكين شعبيين في الكويت عام ١٩٣٨ وعام ٢٠١١ وتبعات هذه الموجات الاصلاحية على المعارضين وعلى الشعب. هذا المقال سيناقش بشكل محدد موضوع العفو الأميري واعادة الهوية والسماح للمعارضين الكويتيين بالعودة لوطنهم لكن بعد تقديم تنازلات وطلب العفو بشكل رسمي. وهذا قد يدل على أن شكل ونظام الدولة تغير اليوم لكن طريقة الإدارة مستمره في هذه القضية على وجه التحديد.




تمهيد تاريخي
نظام الحكم في الكويت منذ تأسيسها كان قائما على المشورة بين الحاكم والنخب التجارية كما يذكر مؤرخو الكويت. تغير نظام الحكم في الكويت بعد وصول الشيخ مبارك بن صباح للحكم عام ١٨٩٦ من نظام قائم على المشاورة بين الحاكم والنخب التجارية إلى نظام حكم فردي استمر حتى عام ١٩٢١. بعد وفاة سالم بن مبارك عام ١٩٢١ اجتمعت النخب الكويتيه، تجار ورؤساء صنعه وعلماء دين، واجمعوا على عدم مبايعة أحد من ال صباح إلا بعد موافقة الحاكم الجديد على انشاء مجلس شورى تتخذ فيه القرارات المصيرية للكويت بصورة مشتركة. السبب الرئيسي وراء هذا التحرك هو أن الحكم الفردي في عهد مبارك بن صباح (١٨٩٦-١٩١٥) وابنه جابر (١٩١٥-١٩١٧) وأخيرا سالم بن مبارك (١٩١٧-١٩٢١) أثر بشكل كبير على المصالح التجارية لهذه النخب وكذلك كلف أهل الكويت الكثير من الرجال والمال من خلال اجبارهم على خوض حروب لم تكن ذات ضروره من وجهه نظرهم وقد ناقش عبد العزيز الرشيد في كتابه "تاريخ الكويت" هذا الموضوع عندما تحدث عن فترة حكم سالم بن صباح. في عام ١٩٣٨ ومع تطور الأوضاع الإقليمية وتحول العراق من التبعية للعثمانيين إلى حكم هاشمي وبدايات ظهور القومية العربية مع تطور ملحوظ في الوعي لدى المجتمع الكويتي من خلال انشاء المدارس والبعثات الدراسية ثم ختاما اكتشاف النفط كل هذه المعطيات دعت مجموعة من التجار لإنشاء كتلة سموها الكتلة الوطنية التي دعت لإنشاء مجلس تشريعي وكتابة دستور وكان لها ما أرادت. وقد تحكم المجلس بمقدرات الدولة وسحب البساط من الحاكم في كل شيء بناء على الدستور الذي كتبه هذا المجلس ووافق عليه الحاكم في ذلك الوقت، احمد الجابر، يقول خالد العدساني سكرتير المجلس التشريعي عند حديثة عن دائرة المالية " منذ ذلك الحين حدث أكبر انقلاب في تاريخ الكويت اذ صارت للأمة مالية (ميزانية) مستقله عن مالية الحاكم تستعمل في شؤون الاصلاح”. ومن دون اسهاب فقد سيطر مجلس ١٩٣٨ على مفاصل القرار في الكويت فهو كان يمثل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال تنصيب نفسه محكمة تمييز.



هل تكرر المعارضة الكويتية أخطاءها؟



المدقق في حركة ١٩٣٨ وحراك ٢٠١١ يلاحظ أمرين مهمين، الأول هو أن المعارضة قدمت بشكل راديكالي فأرادت كلا الحركين تغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة في كويت الإماره وكويت الدولة. الأمر الثاني عدم تقدير هؤلاء المعارضين وفهم العميق لقواعد اللعبة السياسية والحكم كما أن عدم تجانس الكتلتين كان سببا رئيسيا في سهولة تفكيكهم بعد استخدام قمع وعنف مؤقتين. في حركة ١٩٣٨ كان هناك كتلة متجانسة (الوطنية) والمؤلفه من عبد الله الصقر سليمان العدساني سيد علي سيد سليمان وعبد اللطيف ثنيان الغانم، وجميعهم من الطبقة التجارية، وهم كانوا جزء من مجلس يتكون من ١٤ عضو ولكنهم كانوا الاعضاء المؤثرين فيه. الأمر ذاته تكرر في مجلس الأمة المبطل ٢٠١٣ فقد كانت هناك كتلة متفاهمه يمثلها مسلم البراك وجمعان الحربش وفيصل المسلم ووليد الطبطبائي وربما أحمد السعدون في مجلس لهم فيه تأييد الأغلبية، وهذه الكتلة تتوزع على مجاميع اجتماعية مختلفه، بدو حضر وتجار. كلا الكتلتين لم يكن عندها الوعي السياسي الكبير والفهم العميق للشارع الكويتي فهم ظنوا أن الشارع سيدعمهم مهما كلف الأمر. ولا يلامون على هذا الفهم ففي عام ١٩٣٨ ساهم الشباب وغيرهم في دعم المعارضة من خلال الكتابة على الجدران والمسير في مظاهرات وتنظيم اضراب مدني رغم أن غالب مؤيدي مجلس ١٩٣٨ لم يكن لديهم حق التصويت. في المقابل خرج الشباب بالدرجة الأولى وفئات المجتمع الأخرى نصرة لمبادئ وأفكار "كتلة الأغلبية" بل نجحوا في اسقاط رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد. التشابه بين الحركتين كبير لكن هذا ليس موضوع هذه المقاله، فهنا نحاول تحليل استخدام السلطة السياسية لورقتي القمع والطرد في تقليل شعبية هذه الحركات من خلال تكرار الحركتين، ١٩٣٨ و٢٠١٣، لذات الأخطاء السياسية.



طريقة صنع القرار في الكويت قائمة على التفاهمات والكلمة العليا في الغالب تكون للشيخ في زمن المشيخة وللأمير في زمن الدولة والشواهد على ذلك كثيره. هذه التفاهمات تناستها المعارضة في ١٩٣٨ و٢٠١٣ بعد أن خدرتها النشوه الجماهيرية المساندة للحراك ولذلك مع ضعف السلطة الحاكمه وعدم وجود مساحة للتفاهمات التي اعتاد الساسة الكويتيين على وجودها لم يكن أمام السلطة سوى استخدام ورقة القمع ثم التأديب السياسي وهذا تم في النموذجين. ففي عام ١٩٣٨ قمع فدواية الشيوخ (الحراس الشخصيين ل الصباح) الحركة واقتادوا كبار المعارضين وأعضاء المجلس للسجن بل وتم اعدام أحد الناشطين المؤيدين، محمد المنيس، وقتل اخر، محمد القطامي. في المقابل لم تحدث أي حالات قتل لكن قمعت القوات الخاصة بشكل عنيف كل المظاهرات التي خرجت للمطالبة بالتغيير الجذري في اللعبة السياسية الكويتية، امارة دستورية، حكومة منتخبة وأخيرا رئيس مجلس وزراء من الشعب. هذا القمع أدى إلى خوف الكثيرين من المؤيدين الذين خرجوا رغبة في الاصلاح لكن دون استعداد للتضحية مقابل هذا التغيير وهذا مالم يدركه قادة الحراك في ٢٠١٣ على الرغم من الفارق الزمني والثقافي والمعرفي بين الحركتين.




التاريخ يعيد نفسه: التأديب السياسي بين سحب الهوية والسجن والنفي

بعد انتعاش وسيطرة سياسية لمدة محدوده وقصيره يكون فيها النفس الاصلاحي والتغييري كبير في المرحلتين ١٩٣٨ و٢٠١٣ تمارس السلطة ممثلة في الأسرة الحاكمة نوعين من السياسات. النوع الأول يوكل للصقور داخل الأسرة في قمع هذه الحركات قمعا شديدا كما أشرنا وتبعات هذا القمع تتمثل في السجن والنفي وحديثا سحب الهوية (الجنسية). في عام ١٩٣٩ وبعد أن حل الشيخ أحمد الجابر مجلس ١٩٣٩ تم سجن ٥ من أعضاء المجلس كما تشير مذكرات العدساني والوثائق البريطانية خصوصا ملف (IOR/R/15/5/206) هؤلاء الأعضاء كانوا أصحاب نفوذ تجاري كبير ومن عوائل لها ثقل في الكويت وهم: عبد اللطيف ثنيان الغانم، سيد علي سيد سليمان الرفاعي، صالح العثمان الراشد، سليمان العدساني، مشعان الخضير وسجن معهم يوسف المرزوق. استمر سجن هؤلاء أكثر من ٤ سنوات حيث أطلق سراحهم في عام ١٩٤٤. تزامن مع هذا الحدث هروب كثيرين للمنفى على رأسهم خالد العدساني وعبد الله الحمد الصقر وراشد العبدالغفور ومحمد البراك وغيرهم. خلال الأحداث كان السبيل الوحيد للمعارضين للنجاة من السجن هو البحث عن أحد الشيوخ وتوسيطه لدى الحاكم خصوصا وإن كان المعارض ليس صاحب ذنب كبير من وجهة نظر الحاكم. مثال ذلك خالد عبد اللطيف الحمد، عضو المجلس التشريعي، الذي وسط الشيخ عبد الله السالم وأحمد زيد السرحان، الذي وسط الشيخ علي الخليفة كما ذكرا في لقائهما مع يوسف الشهاب صاحب كتاب رجال من تاريخ الكويت. ولم يكن الشيخ ليقبل الشفاعات كلها فعندما ارسلت رسائل ممهورة بتوقيع الشعب الكويتي ونساء المسجونين للمعتمد السياسي البريطاني لم تشفع تلك الرسائل لأحد.

بل طالب الحاكم مرات عديدة باسترجاع مجموعة من الذين هربوا من اعضاء المجلس مثل عبد الله الصقر لكن لم يتم الامر لعدم وجود اتفاقيات تبادل بين الكويت والعراق في تلك الفترة كما تذكر الوثائق البريطانية. الأمر الأهم هو عندما طلب السلطات البريطانية بعد صدور العفو الأميري عن المشاركين في الحركة وعودة الكثيرين منهم للكويت عودة محمد البراك وراشد العبدالغفور رفض حاكم الكويت ذلك حتى اجبروه البريطانيين على استقبالهم وتم سجنهم لفتره ثم إطلاق سراحهم.[1]


هذا ما تم في الكويت الإمارة أما بعد عام ٢٠١٣ فقد تكرر السيناريو ذاته مع اضافه ورقة ضغط جديده لم تكن موجودة في عام ١٩٣٨ وهو ورقة سحب الهوية والجنسية. فقد سجن مسلم البراك ومجموعة من شباب الحراك لأسباب سياسية بحته وتبع ذلك انتقام بصدور قانون يحرم على مسلم وبقية المسجونين من الترشح لأي انتخابات قادمة، الأمر الذي دفع نواب المجلس الحالي محاولة تعديل هذا القانون الذي سرى بالفعل على بعض المرشحين الذين قرروا المشاركة في انتخابات نوفمبر ٢٠١٦ مثل بدر الداهوم وسالم النملان وغيرهم. سجن مسلم البراك كزعيم للمعارضة بين حجم التشابه في ردة فعل المجتمع الكويتي فلم تحدث أحداث جوهرية بعد سجنه أنما كانت ردة فعل عاطفية ماتت مع مرور الوقت. الهروب والنفي السياسي طال مجموعة كبيره من مؤيدي الحراك الشعبي مثل محمد الوشيحي الوجه الإعلامي للحراك وطارق المطيري الذي كان يصنف على أنه أحد القادة الشباب وهو أحد مؤسسي حركة حدم وكلا الرجلين يقيمان حاليا في تركيا. رانيا السعد كذلك أعلنت في حسابها في تويتر أنها هربت لبريطانيا وكانت تنتقد الأوضاع في الكويت وقد اوقفت حسابها بعد صدور المكرمة الأميريه.  سعد العجمي تم نفيه بحجة حمله لجنسيتين الكويتية والسعودية وهذا يخالف القانون الكويتي اذ أن القانون الكويتي يمنع الجمع بين الجنسية الكويتية وجنسية أخرى وقد قدم اعتذار وشكرا رسميا بعد الاعلان عن العفو الأميري عنه. هؤلاء وغيرهم الذين خرجوا من الكويت بسبب الأوضاع السياسية وخوفا من الملاحقات القضائية.


 أما الورقة الجديدة وهي سحب الجناسي فقد استخدمت من قبل في الثمانينات ضد من اتهموا بتفجير موكب الأمير. وبطلب من نواب مجلس الأمة في مثل قضية ياسر الحبيب وسب السيدة عائشة وقد استجابت الحكومة لهم كما استخدمت مع سليمان بوغيث الرجل الثالث في تنظيم القاعده ولم يعترض النواب أيضا. هذين المثالين يوضحان كيف أن الحقوق المدنية في عقليات النواب بصفة خاصه والشعب بصفه عامة ضحله اذ أن الاخطاء التي يرتكبها أي انسان لا علاقة له بهويته ولا جنسيته إنما يحاسبه القانون على أفعاله حتى وان كانت عقوبة افعاله الاعدام في حالات مثل الخيانة العظمى. هذه التشابهات في السياسات الداخلية وأساليب المعارضة تقودنا لسؤال هل يكرر الساسة الكويتيون ذات الأفعال لكن بأساليب أكثر عصرية؟ ولا يحق لأي كويتي تسحب جنسيته بالذهاب للمحاكم من أجل استرداد حقوقه اذ ان قضايا الجنسية ليست من اختصاص المحاكم وإنما هي حق للأمير ووزير الداخلية. وقد حاول عبدالله البرغش النائب السابق اللجوء للقضاء لكن محكمة الاستئناف والتمييز قضتا بعدم اختصاصهما في قضايا سحب الجنسية.


بعد الذي استعرضناه في هذا المقال نجد تشابهات كبيره تصل لحد التطابق في بنيه صنع القرار السياسي في الكويت في الفترتين ما قبل وبعد الاستقلال اذ أن الإطار الخارجي للدولة تغير بالانتقال من مرحلة الإمارة إلى مرحلة الدولة المؤسساتية بشكلها السطحي لكن مكامن صنع القرار لا تزال متشابهه ولا يكاد يمر حدث جوهري وكبير في الكويت إلا وجد له المؤرخون في الغالب حدثا يطابقه في تاريخ الكويت الحديث. الخلل لا يمكن فقط في طريقة صنع القرار السياسي وسلطة الدولة بل حتى في المعارضة التي لا تخرج عن الأطر التاريخية التي اعتادت عليها وأنا أميل إلى أن المعارضة القديمة كانت الأيدولوجيا أوضح مقارنة بالمعارضة الحديثة وقد يكون هذا الأمر بسبب وجود تيارات فكرية بدأت تظهر في العالم العربي مع صعود القومية العربية والتيارات الثورية اليسارية وظهر ذلك جليا في في صعود القوميين العرب في الكويت فترة الخمسينات وعلى رأس هؤلاء أحمد الخطيب. أما اليوم فأصبح كثير من رموز العمل السياسي الإصلاحي أو المعارض لا يمثل فكرا أو ايدولوجيا واضحة بقدر ما يتعامل مع الأحداث وفق مصالح قبليه حزبية طائفية ضيقه ويكفي القارئ الاطلاع على حسابات هؤلاء الرموز في وسائل التواصل الاجتماعي ليدرك مدى سطحيه الكثيرين منهم. للخروج من أزمة التكرار التاريخي نحتاج لجيل سياسي واعي لا يسعى للتغيير الراديكالي السريع إنما يؤسس لمشروع تكمله الأجيال القادمة ولعل من حسنات حركة ١٩٣٨ أنها أصلت لقواعد المشاركة في الحكم لكن أكبر عيوبها أن قادة الحركة استعجلوا قطاف الثمر.



[1] لمزيد من التفاصيل انظر سنوات ١٩٤٥ و١٩٤٦ في الملف رقم IOR/R/15/5/206

ليست هناك تعليقات: